|
قراءة للحالة الثقافية العامة |
د. جُمعان عبدالكريم |
|
’June 18, 2007 |
التسطيح عند المتعصبين وعند الإعلاميين
إن أخوف ما أخاف أن التناول السطحي الذي نراه هذه الأيام في الساحة الثقافية في المملكة العربية السعودية يصبح أكبر دافع لتراكم كرة النارـ وليس الثلج ـ لتحرق تلك الكرة الأخضر واليابس ولات ساعة مندم .
إن التيارات البئيسة التي لا تزال تتحرك تحت السطح قد تتحول إلى أمواج كالجبال فوق السطح وتحت السطح وعندئذ نكون غرقى جميعا ولن يبقى حتى أنابيش عنصل.
وإن مكمن الداء الذي يجب أن يلتفت له الجميع هو السطحية التي تُعالج بها أكثر القضايا خطراً وتتجلى تلك السطحية عند فئتين تستأثران بمعظم المنابر في هذا العصر وهما فئتا المتعصبين والإعلاميين .
فمن مظاهر هذه السطحية عند المتعصبين ما يلي :
- الجهل بما يتعصبون لأجله ، والانجراف دون روية وتفكير لكل دعوة من غير حساب ، ونسيانهم أن ما قد يظهر أنه حق صراح قد يحمل في طياته باطلا وظلما وتعديا على الحق نفسه . ومعروف أمر الخوارج ومروقهم من الدين كمروق السهم من الرمية أي أنهم كالسهم المصوب إلى الهدف بإتقان ، ولكنهم يخرجون عن الهدف المقرر لهم إلى ما لا يحمد عقباه لا لهم ولا لغيرهم ، ويعرف هؤلاء أن الصحابة والتابعين كانوا يحقرون أعمالهم إلى جانب أعمال الخوارج ، ولكن الخوارج ضلوا الطريق بسبب تعصبهم .
ـ تقليدهم لبعض العلماء أو أدعياء العلم دون مساءلة أنفسهم لماذا قلدت فلانا ، وهل يمكن أن يكون فلان مصيبا في كلامه كله ، وهل يجوز أن يخطئ أو أنه منزه عن الخطأ ، وهل أستطيع بنفسي مراجعة المسألة في كتب العلم .
ـ استغلال بعض الطامحين للشهرة أو المكانة العلمية المزيفة لسذاجة المتعصبين وحبهم للخير وتوجيههم لغايات قد تكون فيها مطامح شخصية أو اجتماعية أو سياسية .
ولذا لابد من إقامة مقياس لمسمى "عالم" لا يكون بالسمعة أو التزكية أو حتى الوصول إلى درجة الدكتوراه أو بالحفظ فقط. ولقد كان عند القدماء من علماء أمتنا مقاييس صارمة صالحة لزمانهم من خلال عمليات اختبارية دقية كالمفاتشة ، والمذاكرة ، ومن خلال الجرح والتعديل ، ومن خلال نظام الإجازة ، ومن خلال نظام المناظرات ، ومن خلال الحكم على التآليف ، أما في هذا الزمان فالمرجو قيام هيئة مستقلة على مستوى كل بلد تضع المقاييس للعلماء المجتهدين ، وتكون شهادتها دليلاً على أن الإنسان قد وصل إلى العالمية وهو أهل للاجتهاد لأن آلات العالم قد توفرت فيه . فإذا لم تقم هذه الهيئة فلعمرى أننا سندخل في عصر العلماء المضلين والرؤساء الجهال الذين أخبر عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم .
وللمتتبع للخطاب الإقصائي والدغمائي عند المتعصبين أن يلحظ كيف يستعملون بعض المفردات الخاصة بالتصنيف لديهم ، فهم يفرقون بين لفظ عالم ، ولفظ طالب عالم ، ولفظ مفكر والأخير هو أدناهم منزلة ، ولوكان جهبذ العلماء حفظاُ وفهماً وأصالة . في حين (طالب العلم ) لقب للعلماء من أتباع الفئة المتعصبة ولا يمكن أن يلحق بمنزلة اللقب الأول ( عالم ) إلا إذا كان من كبار الفئة المتعصبة ، بل يجب أن يكون من مكان معين حتى يحصل لقب (عالم) ، أما معايير المفاتشة وغيرها من المعايير ، فلا قيمة لها في أفق التعصب .
وحتى إن ادعت هذه الفئة الإنصاف والمعقولية لدى بعض أتباعها إلا أنها من حيث الممارسة تعد من أشد فئات المتعصبين في العالم تعصب مطلق وأتباع كالعميان مرشوشين بمخدر الوعظ الذي يجعل التابع لا يبصر ولا يفهم إلا ما يقوله شيخه المتعصب .
ـ فقدان المتعصب للمنهج الصحيح في الرد على المخالف القاضي بالفهم والتدبر وإتباع الوسائل الحجاجية الصحيحة للوصول إلى الحق ، والبعد عن الشعارات ، وعن محاكمة النيات ، وعن الربط بين موضوعات بطريقة ليست علمية ، وهذا الأخطاء في التعصب نجدها حتى عند كبار الإسلاميين.
ـ فقدان المتعصب لثقافة التسامح حتى إن ادعى التسامح لأنه يرى الأمور بعين واحدة ومن زواية واحدة ، وديننا هو دين التسامح والمجادلة بالتي هي أحسن ليس شعارا بل حقيقة فعلية و تطبيقية إجرائية . هل يشك أحد من أتباع الدين الإسلامي أن ما أتى به الرسول هو الحق ، ومع ذلك ففي مقام المناظرة قال تعالى : " وإنا أو إياكم لعلى هدى أوفي ضلال مبين " . ويكون الهدف عندئذ هو طلب الحق مع الاستعداد للرجوع إليه وإعلان ذلك .
ـ عدم معرفة المتعصب أن الاختلاف سنة الله في خلقه ، وأن الحياة من غير اختلاف لا قيمة لها ، وأنه لابد أن تُعرف قيم المسائل والأشياء التي يُختلف فيها ، فنعرف أين نختلف وحدود الاختلاف وماهي المسلمات وماهي غير المسلمات ، فكشف الوجه على سبيل مسألة خلافية معتبرة منذ القديم ، إذن فلأجل ذلك لا أقول عن فلان أنه علماني لأنه يدعو إلى ذلك ، لأنني أكون قد ظلمته ، ثم لابد لي كما يقول علماء المصطلح من تحرير المسائل فمصطلح علمانية على سبيل المثال ما المراد به على وجه الحقيقة؟ ومن الباحثون الذين ناقشوها ؟ وهل يكفي أن أقرأ فيها كتاب العلمانية للحوالي على سبيل المثال على ما فيه من أخطاء وقصور ومنطق غير علمي في النظر إلى المسائل والربط بينها؟ وكم كتاباً قرأت في العلمانية ؟ وما أنواع العلمانية ؟
ـ عدم تفتيش المتعصب لنفسه في أثناء تعصبه ومساءلتها لماذا أتعصب ؟ هل أريد الحق ؟ هل أسعى لمكسب شخصي ونفسي تخدعني ؟ هل أغار على دين الله وهل غيرتي على الدين صحيحة ؟ هل إنكاري للمعاصي وللمم الذنوب يماثل إنكاري للفواحش المهلكة هل يتمعر وجهي لدين الله حقاً ، وما مقدار ذلك التمعر في المسائل المعروضة أمامي ، وهل تمعر الجاهل كتمعر العارف .
ـ تمييع المواقف والمسائل والاكتفاء بظواهر الأمور وتبسيطها ثم التعصب لكل ذلك وحل المشكلة بمسكن يتمثل في آية أو حكمة أو قول عالم والبقاء على الموقف نفسه بل إذكاء نار التعصب وزيادتها دون مراجعة النفس وإتعابها للوصول إلى الحق في عصر انتشرت فيه وسائل المعرفة وصارت عند أطراف الأصابع .
ـ القيام باستماتة بتوسيع مساحة التعصب ، إذ إن المساحة التي تحوي السطحيين من المتعصبين تفوق المساحة التي تحوي السطحيين من الإعلاميين ، وما تزال مساحة التخلف تزداد بازدياد التعصب الأعمى الذي يفرخ حاضراً أعمى . أما المستقبل عند هؤلاء فلا قيمة له ، ومن أوضح مظاهر التعصب تقسيم المثقفين إلى ليبراليين وإسلاميين ، فمن يكون متعصباً بليد الفكر لا يستطيع نقاش الفكرة وإنما يناقش النية التي تدفع بالفكرة على حسب ما يصور له هواه فهو من الإسلاميين أما أي مثقف يخالف رأي المتعصبين فهو ليبرالي . وهي لفظة أجنبية غريبة وسط تخلف ثقافي مريع يميل إلى بداوة التفكير ضحل القراءة مما يجعل عامة الناس يعادون اللفظ مجرد اللفظ هو عدو عندهم .
وعلى الرغم من أن الليبرالية كمصطلح بعيدة كل البعد عن التشخيص الحقيقي للحالة الفكرية والثقافية والسياسية الراهنة فما هنالك سوى أناس عقلاء يريدون الانفتاح على التقدم والخير وحرية الرأي التي كفلها الإسلام ، وفي مقابلهم متعصبون سطحيون ومن ورائهم الذين يستفيد من تلك السطحية وذلك التعصب يريدون بإصرار بقاء وضع التخلف كما هو .
أما السطحية الأخرى عند الإعلاميين فهي تمثل اتجاها سطحياً يتزايد كل يوم ويظن في نفسه امتلاك الحقيقة وحده في مقابل الاتجاه السطحي الأول الذي يظن نفسه يملك الوصاية على الناس وعقولهم . ومن مظاهر السطحية عند الإعلاميين :
ـ الاكتفاء بمعارف محدودة حول المسائل التي يناقشونها ، وترديد أقوال بعض أدعياء الفكر أو أقوال المفكرين النمطية دون إتعاب الذهن في القراءة والبحث للقيام بتحليل صحيح ومعقول للأمور .
وهذا الأمر جد خطير وهو يدل على بضاعة ليست مزجاة فقط بل مغشوشة أي إن كثيرا ممن يتصدرون للناس في الشأن الإعلامي والثقافي هم أناس مزيفون ، وهم أناس ليسوا أهلاً للوضع الذي خدمتهم الظروف للبقاء فيه ، ويجب كشفهم ونقد مظاهر التطبيل والتزمير لهم ، والبحث عن البديل الحق عنهم من أولي المقدرة العلمية والأسلوبية وأصحاب الفكر والقلم وقياس المواقف بقياسهم لا بقياس كاتبي الصحافة .
ـ اعتقاد فئة السطحيين من الإعلاميين أنهم من فئة النخبة ولو افترض ذلك فهو لا يعني أنهم يعرفون أكثر مما يعرفه غيرهم أو أن هناك نوعاً من المعرفة حصر عليهم في هذا الزمن ، أو أنهم الوحيدون الذين يفكرون كما يتضح من مفهوم النخبة الذي أسقطهم في النوع من الدغمائية المضادة ، وكثيراً ما نرى الإعلامي يتماهي مع المثقف تماهياً يظن نفسه به أنه هو المثقف مع أن الإعلامي مجرد وسيلة للنشر ، وهو إن كان مثقفاً فذلك يكون باعتبار آخر غير كينونته كأعلامي .
ـ معالجة المسائل بتبسيط متناه يتمثل في عدم معرفتهم للحجاج الصحيح ، وعدم حسن معرفة قيمة الأفكار ، وعدم المقدرة على التحليل مما يوقعهم في التعصب من حيث لا يشعرون وإن ادعوا التحضر .
_ تفضيل السطحيين من الإعلاميين لمنطق المآرب الأخرى في كتابتهم ووضوحه حتى إن بالغوا في إخفائه لذلك فهم وإن ادعوا على سبيل المثال أنهم يدافعون عن شيء . فدافعهم عنه محدود بظروف وقتية خاصة بالسطحي الإعلامي ، وبحساب قيمة الربح والخسارة ، إن الإعلامي الثابت على المبلغ يفوق نسبة الإعلامي الثابت على المبدأ وذلك أمر يعرفه الناس جميعاً . ولا موقف ولا فكر ولاهم يحزنون ولاهم يفرحون .
ـ وضوح النفاق في الطرح ، والاهتمام بالعورة المخففة وعدم الخوض في العورة المغلظة للمجتمع وللدين وللثقافة وللسياسة ووصف المسكنات المتشابهة من مقال إلى آخر ، ولك أن تقرأ العدوى في المناقشة عند السطحيين من الإعلاميين في الصحف لتدرك تشابه الطرح وآنيته وتفاهته في أحيان أخرى .
ـ تصديق أنفسهم في أنهم على حق في كل الأمور والتعصب اللاواعي لأمور هامشية وإشغال النفس والناس بها هربا من قضايا مهمة جداً وخوفا من عدم المقدرة على مناقشتها .
ـ الضحالة العلمية في الفكرة وفي الأسلوب ومع ذلك تعمل شبكة العلاقات العامة والخاصة عملها فترى الغثاثة والغثاء يلحق الناس في الجريدة المكتوبة وفي القناة المشاهدة ، وإني أعجب مع الشاعر القديم لإزراء السطحيين من الإعلاميين بأنفسهم .
ـ ظن كثير من السطحيين من الإعلاميين أن لديهم جرأة ، وأن الجرأة تكفي عن الطرح القوي ودراسة الفكرة وعمق التحليل . وهذه الجرأة المصطنعة والمحدودة اتخذت أداة لإذكاء التعصب في المجتمع دون شعور بذلك ، بل كان فيها زيادة أمراض المجتمع لا معالجتها ؛ لأنها تدعو إلى التصادم الأعمى .
خلاصة الأمر أن فئة السطحيين من المتعصبين وفئة السطحيين من الإعلاميين تقودان الناس إلى ما لا يحمد عقباه . ومن الواجب أن يعرف الناس هاتين الفئتين والحذر الحذر! وهذا هو مقالي بمنعرج الساعات الأولى فماذا سيحدث في منعرج الساعات الأخيرة ؟ الله وحده يعلم
أما العلاج فحديثه يطول ولكن هذي وصفة مختصرة له ، فهو يكون ببسط مساحة الحرية وتوسيعها في المقام الأول ، وبنشر ثقافة التسامح ، و توضيح قيمة الاختلاف ، وببيان ظروف العصر وكيفية التعاطي معها . أما الأهم فهو تدريس الحجاج وبيان طرقه وأساليبه في التعليم العام وفي التعليم العالي وإعطاء دورات متخصصة فيه ليستطيع الناس التعبير الصحيح عن آرائهم والدفاع عنها بعلم وبصيرة .
إن الجدل العميق هو الذي يبني الحضارات أما الجدل السطحي فهو يهدمها .
كما يجب إعادة قراءة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسيرة المجتمع الإسلامي في ضوء مستجدات قضايا العصر لوضع الأسس الصحيحة لبناء مستقبل مزهر .
لأن كل عاقل لابد أن يدرك أن الإسلام هو دين الحرية ودين المساواة ، ودين العدل ، ودين عدم الإكراه ، ودين الكرامة الإنسانية ، ودين إنسانية الإنسان ، ولكن ذلك لم يكن مجرد شعارات يلبسها بعض المنتفعين لمصالحهم الشخصية التافهة ، بل واقع حياة تمثل ذلك الواقع يمشي على الأرض حيناً من الدهر ، وليس هنالك ما يمنع من تمثله بما يلائم معطيات عصرنا بعيداً عن كوابيس التعصب
إن كل فكرة تدعو إلى الخير وإلى السعادة هي فكرة إسلامية . الإسلام دين للإنسان يسع الناس جميعاً . وليس ديناً لمتعصب لمذهب أو متعصب لبقعة من الأرض ، أو متعصب لجنس .
وويل للذين جعلوا من دين الله عقاراً وملكية خاصة .
إن السطحية هي أم العنصرية ، وهي جدة التخلف . فهل يعي من ألقى البصر ، وهو غير متعصب .
أننا نمشي في كون مسطح وبين كائنات مسطحة ، وإن هناك من لايقتات ولا يعيش إلا على السطوح . وأن هناك من يصنع التسطيح صناعة ، ويسوقها بضاعة . وأننا إن لم نفعل شئياً يستحق أن يسمى منعطفاً ، فسوف نصرخ أُكلنا يوم أُكل الثور المسطح !
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |