|
نجاح عروبة الحل يضمن اللبننة |
د. كلوفيس مقصود |
|
Jan 28, 2008 |
اذا
كان الانفجار الذي استشهد فيه الرائد وسام عيد والمعاون اسامه مرعب ومواطنون آخرين
غير كاف لعملية انتخاب العماد ميشال سليمان فورا رئيساً للجمهورية، فهذا يعني ان
الطاقم السياسي المتحكم بشقيه الموالي والمعارض هو في حالة تخدير تجعله فاقداً
الاحساس بحالة الاختناق الذي يعيشه المواطن اللبناني. واذا كان خوف المواطن يفسر
وضع احتباس الانفاس السائد فهذا لا يعني الاستسلام والانكفاء بل ان ما يولده هذا
الكبت هو الانفجار، مما يوجب عودة البوصلة الى الاتجاه الصحيح اي انتخاب رئيس
الدولة وتجنيب لبنان واللبنانيين الهواجس الامنية التي اصبحت تسكنهم وتعطل مقتضيات
الأمان الانساني وما يفترضه من حقوق وحاجات. ولقد رأينا في ما حصل لأهالي غزة من
معاناة وحصار وتجويع كيف انفجر الكبت وأدى الى استرجاع الانفاس كما الى تغير في
معادلات لا ندري إلامَ قد تؤول اليه من تداعيات محتملة.
فاليوم ينعقد مجلس جامعة الدول العربية في مستوى وزراء الخارجية لدرس تقرير الامين
العام عمرو موسى الذي يبدو انه لن يكتفي بسرد الوقائع بل سيحدد "المخاوف الكبيرة"
من "أن تؤدي حالة الاحتقان والانقسام السياسي السائدة حالياً الى توترات وانفجارات
امنية سيكون من الصعب التعامل معها". كما يبدو انه سوف يؤكد شفوياً ان هذه
"الانفجارات الامنية" تشير الى "عمليات تمويل وتسليح... واستعداد لتصعيد الموقف
ونقل المواجهة الى الشارع"، محذراً من "اخطار جمود المساعي العربية".
اذا كان هذا الاستنتاج معلّباً بلغة ديبلوماسية، فما بالنا اذا توضحت هذه
الاستنتاجات بالوصف الأدق لحقائق خطورة الاوضاع؟ لذا يتعين علينا ان نباشر الثغرة
القائمة بسبب الفراغ المعيب في سدة الرئاسة والتي بسببها تشل المؤسسات ويتعاظم
القلق وتستنزف الطاقات وتسود العبثية ويصبح المواطن عرضة للاستكانة الدائمة او
الهجرة الدائمة.
لكن كل هذا ممكن – اجل ممكن – اجتنابه وردع تمادي الطاقم السياسي المتحكم في
الاستهانة في ما يهدد الوطن والمواطن، بأن يفاجئنا الرئيس نبيه بري بدعوته الى عقد
جلسة انتخاب الرئيس فوراً ثم يقوم الرئيس المنتخب بتأليف حكومة انتقالية تعيد الى
المواطن فاعلية انتمائه وتمكنه بالتالي من استرجاع الثقة بإمكان وحدة لبنان
وبالتالي المساهمة في جعل "الوحدة الوطنية" أكانت حكومة أو حالة قائمة مقرونة
بمناعة اللحمة، لا كما هي الان مرتبطة بعمليات ترقيع وثرثرة في الارقام، لكون
الاصرار على النسب يجعل مفهوم "حكومة الوحدة الوطنية" دمجا للانقسام والشرذمة يضمن
لكل من فريقي الطاقم السياسي المتحكم تقاسم الصلاحيات والسلطة، مما يجعل التقطع
مسألة ثابتة والترقيع، عندما يحصل، آلية استمرار واجترار لاستبعاد المواطن عن
اهليته في المشاركة وحقوقه في استحقاقه للطمأنة. ونشير هنا الى ما يشعر به المواطن
من تدرج في الابتعاد عن الثقة بأهلية الطاقم المتحكم وخير دليل ما شاهدناه عندما
تمكن عمرو موسى من ان يوفر اجتماعاً واعدا رباعياً في البرلمان بين النائب سعد
الحريري والرئيس امين الجميل والنائب العماد ميشال عون، الا ان الاجتماع الرباعي لم
يتكرر بسبب الوعكة الصحية التي المت بالعماد عون. وهنا يتساءل المواطن اللبناني،
الم يكن على ممثلي الموالاة والمعارضة ان يذهبوا الى دار العماد عون، لكون الوعكة
والحمدلله لم تكن حائلة دون معاودة ما وصفه الامين العام للجامعة بـ"اختراق"،
فيتكرر الاجتماع "الخارق" بدل ان تتحول الوعكة التي تعافى منها الجنرال ذريعة
للتنصل من احتمال الاستمرار في "الاختراق"؟ الا يشكل هذا دليلاً على ان الاشتباك
الحاصل في الطاقم المتحكم عصي على الحل المطلوب؟
لذا اذا قرر مجلس الجامعة ان يعاود الامين العام مهمته، فمن المفيد جداً ان يمنحه
مجلس الجامعة المنعقد اليوم في القاهرة خيارات اخرى، اهمها اضافة الى الانتخاب
الفوري للعماد سليمان تزامن هذه الاولوية مع قيام حكومة انتقالية تشكل مرجعية
موثوقاً بها لكونها موقتة ومحصورة مهمتها في توفير فرصة لتعديلات في قانون انتخابات
مجلس النواب ثم الاشراف على سيرها، وتوظف الفترة الانتقالية لترميم العطب في
المؤسسات الدستورية وتفسح في المجال امام هيئات المجتمع المدني للمشاركة في هندسة
المستقبل ووضع اسس تضمن للبنان المناعة التي تمكنه من التعامل مع التطورات الدولية
والاقليمية المتعاقبة فلا يعود ساحة لتناقضها وصراعاتها، بل يكون شريكاً في جهود
استباق الأزمات يفصّل ويجدّد العلاقات القومية بين الدول والمجتمعات العربية في شكل
يعيد الى لبنان عطاءاته للحلول، بدلا من الحالة الراهنة التي يستعطي فيها الغير حل
لمعضلاته.
ان نجاح عروبة الحل يلبنن استقامة الحل وديمومته كما ان نجاح الحل العربي للبنان
يجعل القمة العربية مؤسسة تستحضر المخزون الكامن في الطواقم الفكرية والعلمية
والثقافية والتي تنطوي عليها المجتمعات المدنية المكبوتة منها والمهمشة التي تستعيد
للعلاقات العربية – العربية عقلانية مغيبة، وترسي معالم الاستقرار الموثوق به،
فتصبح الثروة العربية في معظمها موظفة في الوطن العربي لخدمة ثورة التغيير التنموي
بكل أبعاده، بدلا من ان تكون معظم شرائح هذه الثروة في الخارج. وعلى الثروة العربية
عندما تصبح دافع الثروة التنموية عندما تبدأ ان تتصدى لقضايا عالقة وتطرح لها حلولا
عادلة فلا تبقى كما هي الآن متفاقمة في ازماتها كما هي الحال في فلسطين والعراق
والسودان والصومال وغيرها.
ولا يجوز ان "يُفهم" ان الحل للبنان هو مفتاح للحل في الاقطار العربية المأزومة،
لكن الحل العربي للبنان يدفع الى توعية النظام العربي القائم على ان نجاحه في حل
الاشتباك الشديد التعقيد في لبنان اليوم من شأنه ان يكون تدريباً له على ادارة
الحلول في الاقطار العربية الاخرى. واذا لم يتمكن العرب من التوصل الى حل للتعقيد
فقد تدفعنا التطورات اقليميا ودوليا الى ادارة الفوضى الناتجة من انفجارات الكبت
والتهميش والاذلال. ولعل الفرصة المتاحة لتمكين مؤسسة القمة تكمن في ضرورة انجاح
قمة دمشق في آذار القادم، وان لم يتحقق الحل لأزمة لبنان فورا تكون مؤسسة القمة
فوتت على نفسها فرصة تاريخية قد لا تتكرر في القريب، اذ سوف تدهمنا الارتهانات
والمراهنات باعتبار اننا نجهل قراءة ما هو حاصل وفي غيبوبة عما يجب ان يحصل.
• • •
يستتبع ما اشرنا اليه ان نحول دون انبهارنا بسطوة الغير على مصيرنا اللبناني وامراضنا العربية والا ننزلق مع من يحاولون الصاقنا بواقعية مزورة. وحده نجاح عروبة الحل يضمن اللبننة ويوقف نزف الدم اللبناني ويعيد الهيبة الحكيمة، وهذا ما يدفعنا الى انتخاب فوري للعماد سليمان بالتزامن مع تشكيل حكومة انتقالية تؤول الى افراز سليم ودقيق لأكثرية تحكم ومعارضة تراقب وتحاسب وتسائل. عدا ذلك استمرار في العبث وفي اجترار دوافع الازمة بدلا من استحضار حلها.
كلوفيس مقصود
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@yahoo.com |