استحضار مفهوم موحد للبنان

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

Jan 13, 2008


الإستمرار في الإدعاء ان الحالة في لبنان شديدة التعقيد هو هرب من حقيقة كوننا لم يعد عندنا تعريف موحد للبنان الوطن مما يمعن في بث مشاعر الإغتراب واللاانتماء الى لبنان الواحد. وكان الطاقم السياسي بشقيه الموالي والمعارض يتجاهل خطورة اللاانتماء نظرا الى أنه بدوره حوّل ادعاء صفة الموالاة او المعارضة من خصومة تنطوي على منافسة الى عداوة تنفر من الحوار ولكنها في الواقع تلغيه.
واستتبع هذه الاجواء المزيد من الابتعاد عن مشاعر  المواطنين ومصالحهم وامانيهم وتطلعاتهم مما يدفع اللاانتماء الى اليأس والأسوأ الى القرف. وعندما تنحدر مشاعر اللبنانيين الى هذا المستوى يلجأ الطاقم السياسي الى مغامرة تتجلى في استنفار غرائز الخوف المتبادل الذي تعمل الطائفية المقيتة على توظيفه عندما تتصاعد وتيرة التساؤلات ولا من أجوبة مقنعة ولا من اجوبة في المطلق. وعندما يلجأ الطاقم السياسي الى توأمة التجهيل بالتخويف يصبح لبنان في اسوأ الاحوال، وكما حصل مرارا، ساحة لتصفية حسابات الغير... وللناس ساحة ومجرد حضور موقت ان امكن في انتظار خيار ارقى.

•••

حيال هذا التردي المتواصل انعقد في مقر جامعة الدول العربية مؤتمر استثنائي بغية التوصل الى حل يخرج لبنان من احتمال المزيد من تفاقم ازماته ويوقف النزف الذي يفقد لبنان استقامة مؤسساته ومناعة استقلاله وسيادته. وأكثر من ذلك احتمال استعادة دوره والرسالة الحضارية الممكنة عندما يستعيد وحدة الرؤية للبنان العربي الواحد. وبعد اتخاذ القرار الجماعي زار الامين العام للجامعة عمرو موسى لبنان من اجل التطبيق، واذ به يصطدم بمعوقات جاهزة. في حين انه تصوّر منطقياً ان الاجماع الذي توصلت  اليه الجامعة فرصة يجب ان يتلقفها الطاقم السياسي ليخرج لبنان اخيرا من المصيدة الخانقة التي يعانيها ومن المستفيدين منها اقليما ودوليا.
كان عمرو موسى يتوقع إنجاز الاختراق المرغوب مستندا الى ان الاجماع على ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان وما يمثل من قيم وتجرد وما اثبته من قدرة والتزام لتجاوز النزاعات يمهد لتجاوب عاجل يترجم تطبيقاً لبنود قرار الجامعة. وكان واضحا ان القرار دعا الى انتخاب فوري لئلا تبقى الرئاسة مغيبة، واعتبرت الامانة العامة ان تمكين الرئاسة يزيل شوائب الفترات السابقة، كما اصرت على ان الرئاسة اضافة الى مساهمتها في الحكم هي الحكَم الضامن لوحدة القرارات المصيرية.
كان الاجماع العربي من دون أي "تحفظ" واعداً - يا للمفارقة! بلبننة لبنان بعد تشرذم الرؤية حول مفهوم وجوده ودولته. وكان الاقتناع بأن استقامة الوحدة الوطنية تؤول الى استقامة العلاقات العربية - العربية. وبدأت بوادر التفاؤل تظهر، وكان في طليعتها ان مجلس النواب سوف يتمم عملية انتخاب رئيس الجمهورية... وطبعاً تأجل انعقاد الجلسة للمرة الثانية عشرة وكاد ان ينبثق شعور من السأم... كأن شيئاً لم يكن!

•••

... وتساءل الناس لماذا؟ لماذا تعطلت المسيرة الواعدة؟ من عطلها في حين أن البند الثاني لقرار الجامعة دعا الى قيام "حكومة وحدة وطنية" يبدأ التشاور في شأنها فوراً، واعتبر عمرو موسى ان قرار الجامعة يزيل مخاوف المعارضة من الاستئثار ومخاوف الموالاة من احتمال "التعطيل"؟ وكان المنطق ان ما دام العماد سليمان هو الرئيس المجمع عليه فيكون من يعتمد ويثق بهم في الحكومة هم العامل الضامن عند الاضطرار. كذلك انطوى هذا البند على ان رئاسة الجمهورية المستعيدة دورها كحكم هي التي تزيل انطباعات التهميش والهواجس المنبثقة منها. ومن ثم يستعيد لبنان من خلال قانون جديد للانتخاب فرصة مشاركة مواطنيه في التوصل الى مفهوم لبنان الواحد وعدم اجترار الفلتان الذي جعلنا نتكلم على بعضنا بدلاً من الكلام الى بعضنا بعضاً.
عمرو موسى الصابر يعود الاسبوع المقبل لدفع الطاقم السياسي الى إدراك تداعيات عناده، لئلا نقول أكثر. يعود ليقول ان الاجماع في القرار كان حقيقياً وانه يحمل في جعبته تكرار هذا التأكيد. والمهم ألا ينفد صبره وفي الوقت نفسه ألا يستنفد صدقيته. واذا كان من اصرار على "سلة" فإنه يوحي اهتزازاً في الثقة بما اجمع عليه العرب. ولكن ليس هكذا يبدأ لبنان عهداً واعداً. واذا بقي هذا الاهتزاز في الثقة بما اجمع عليه الكل فيجب التجاوب عند ذلك مع الدعوة التي صدرت بدون تنسيق عن الرئيسين امين الجميل وعمر كرامي الى حكومة "حيادية" موقتة تشرف على الانتخابات البرلمانية وتشكل مخرجاً معقولاً ريثما نكون اخرجنا المواطنين من حالة اللاانتماء... والقرف ومن زخم التشويش بخطابات الاملاءات التي تعبر عن الريبة و الشك بوحدة لبنان، فيكون عهده الجديد عامل تجديد للبنان سينقله من كونه ساحة الى حامل رسالة.

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@yahoo.com