إجراءات لا بدّ منها فلسطينياً

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

March 10, 2008


 لم تعد "المحرقة" كلمة محصورة بجرائم النازية ضد اليهود. لقد افرج ماتان فيلنائي نائب وزير الدفاع الاسرائيلي عن حق الصهاينة وحدهم في احتكار الهولوكوست توصيفاً لمأساة يهود المانيا النازية، وأصبحت ترادف ايضا سياسة اسرائيلية تهدد من خلالها مقاومة الاحتلال في غزة ولكل من تسول له نفسه مقاومة احتلال او ممارسات التمييز العنصري.
نائب وزير الدفاع الاسرائيلي هدد بأن تكون غارات المحارق بالتقسيط اكثر شمولية وتكاملا في "سحق حماس". وهذا التهديد لم يكتف أن يكون مجرد تهديد، بل في الايام الاخيرة تضاعفت شراسته وبالامس كانت حصيلة القتلى 32 شهيداً ومعظمهم من المدنيين وتسعة من رجال المقاومة. ناهيك بالجرحى ومنع اقتراب سيارات الاسعاف الا ان انتهاك القانون الدولي، وخصوصا الخرق الفاقع للقوانين الدولية الانسانية اصبح "ميزة" الممارسات اللاأخلاقية واللاانسانية التي تعامل بها اسرائيل الشعب الفلسطيني وكل من يقاوم احتلالها، اكان في لبنان ام في فلسطين.
الآن اصبحت كلمة محرقة تستعمل من مسؤول اسرائيلي يصف ما يجب على شعب غزة توقعه اذا بقيت "حماس" في السلطة، واستمرت المقاومة فيها. الرسالة التي يريد نائب وزير الدفاع ايصالها هي ان اسرائيل لها الحق في استعمال الاغتيال وسيلة لمتابعة جرائمها والغارات الجوية حق لبسط سيطرتها، وان اي اعتراض او معارضة لعشوائية الغارات والاغتيالات المتتابعة سوف يكون استحضاراً لمحارق آتية على شعب فلسطين، وفي المرحلة الراهنة على اهالي غزة. لكن هذا التهديد الاكثر وضوحاً وشمولية يدل على استرخاص قيمة الانسان العربي ويشير الى ان اسرائيل يجب ان تبقى بمنأى عن اي انتقاد او مساءلة. لأن حقها في الوجود فوق كل الاعتبارات، وان اي سؤال عن "اي حدود لهذا الوجود"هل هو حدود ما أقرّه. التقسيم عام 1947 او الحدود التي ضمت اليه، يعتبر في غير محله وعنوانا لمعاداة السامية.
من هذا المنطلق تصبح المقاومة "ارهابا" واي كلفة للمحتل جريمة، واي تجذّر في الارض لشعب فلسطين هو بمثابة تخطيط "لإرهاب آت" وان مجرد الاصرار على الصمود داخل الوطن الفلسطيني حتى على 22 في المئة منه هو مجرد تعطيل للمشروع الصهيوني.

• • •

لا بد من تسجيل ترحيبنا بتنديد الرئيس محمود عباس بما هو حاصل في غزة.
ولكن مع هذا الترحيب، استغربنا جداً تصريحاته في القاهرة عندما قال ان "حماس" عليها الكفّ عن اطلاق الصواريخ على سديروت وعسقلان، لأن هذا يعطي ذرائع لاستمرار اسرائيل في عدوانها على غزّة، مما يؤول الى مقتل المدنيين. فقد يكون الاخ العزيز "ابو مازن" على حق، لكنه ليس على حق في ان يقول مثل هذا الكلام امام وسائل الاعلام العالمية، لكونها تعطي تبريراً مسبقاً لعمليات اسرائيلية لاحقة، اي ان النقد بين فصائل المقاومة او القوى السياسية يجب ان يهدف الى تصحيح المسار وتوضيح الرؤى.
من هنا يتضح لنا ان العطب بين "حماس" و"فتح" يجب رأبه، والمطلوب اجراءات فورية لاستقامة المعادلة، حتى لا تستمر هذه الخصومة وتصبح عداوة. ولعل تصريحات الرئيس محمود عباس قبل ايام عن وجود عناصر لـ"القاعدة" في غزة بتسهيلات من "حماس" هي بمثابة تحريض واستدعاء للمجتمع الدولي.
واذا كان هذا الادعاء فيه شيء من الصحة فكان يجب ان يكون هذا الواقع مدخلاً لتدخل الرئاسة الفلسطينية ومعالجة هذا الموضوع الخطير عبر تحقيق مشترك واسترجاع بناء الثقة المفقودة بفعل الانشطار في الساحة الفلسطينية. وان التفاوض – او بالاحرى المحادثات بدون مقاومة يحوّل المفاوضين رهائن داخل اطر "مسيرات السلام" و"الواقعية المزورة". كما ان المقاومة بدون افق سياسي وبعد تفاوضي، تميل الى الانتقام، وبالتالي الى العجز من مواجهة فقدان التوازن بينها وبين المحتل. من هنا تصبح اعادة التنسيق اولوية، وأعتقد ان الجبهتين "الشعبية" و"الديموقراطية" مطالبتان بتوفير عوامل اللحمة في هذا الصدد.
بإزاء هذه الاخطار، يجب اخراج القضية الفلسطينية من مآسيها ومن النزف في دماء الشعب وصدقية السلطة، والمطلوب اتخاذ الاجراءات الآتية:
اولا- تعليق فوري للمفاوضات اذا لم تقل حكومة اولمرت ماتان فيلناي، نائب وزير الدفاع فورا، تزامناً مع وقف العمليات الاجرامية التي يقوم بها جيش الاحتلال في غزة وفي الضفة الغربية ايضاً.
ثانياً- تعليق العلاقات الديبلوماسية والتجارية وغيرها بين الدول العربية المطبعة او الساعية للتطبيع، لأن هذا يكون مكلفاً لاسرائيل، ويقنع "حماس" و"فتح" بضرورة الانضباط بما تمليه الوحدة الوطنية.
ثالثا- ان يطالب العرب بخروج الامين العام للامم المتحدة من "الرئاسة" التي بدورها تميل الى الاستئثار الاميركي.
رابعا- تنظيم حملات توعية عالمية وعربية لحقوق الشعب الفلسطيني ولانتهاكات اسرائيل، خصوصاً في الولايات المتحدة.
هذا قليل من الاجراءات البديهية التي على القمة اتخاذها، والا تكون عرضة للتهميش.

•••

أنا أعلم أن ما اقترحناه من اجراءات سوف تصدّه "واقعية" سائدة لا تجرؤ على الخروج من قوقعتها، ولا قدرة لها على الاختراق، ولكن حان الوقت لاعادة فتح ملف القضية الفلسطينية حتى تعود قضية عادلة للضمير العالمي. من أجل هذا لا بد من عودة الاقتناع بسلامة اهدافها ونبل نضالاتها وقدرتها على مواصلة دورها التنويري وان تستعيد صفاءها. وما عدا ذلك استقالة من صناعة المستقبل العربي ومستقبل كل العرب.
صحيح ان الواقعة المزورة هي مثل الحائط العنصري الفاصل، لكن التعصب المشروع الذي يسمّرنا أمام الاحباط والتبعية والتشرذم كما المآسي في فلسطين والعراق ولبنان، ترفعنا كلها نحو استعادة حيوية كامنة، لأن الاجيال العربية تستحق منا ألا نستسلم، والا يدفعنا غضبنا الى الاستقالة، بل الى استشراف عناصر مستقبل يكون معه المثلث المأزوم بيروت - القدس - بغداد جاهزاً للمساهمة في انجاز الوعد الذي لطالما اطلقناه.


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@yahoo.com