ببين اجتماع العرب وزيارة بوش لإسرائيل

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

Jan 10, 2008


في وقت واحد اليوم، ينعقد مجلس الجامعة العربية للبحث في  بندين رئيسيين: لبنان وفلسطين. ويبدأ الرئيس جورج بوش زيارته لاسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية، وعدد من الدول العربية التي تعتبرها ادارته "معتدلة".
هذا التزامن دفع مجلس الجامعة الليلة الماضية الى ان يسرع في اتخاذ قرار جريء وحاسم ومجمع عليه نتيجة وعي انه اذا بقيت الحالة اللبنانية على ما كانت عليه منذ الاتفاق على ترشيح العماد ميشال سليمان فان لبنان سوف يبقى سجين الفجور المستشري والذي تحول حائلا للحوار المجدي والذي كاد ان يكرس جدارا فاصلا بين مكونات المجتمع اللبناني. كما ان ملجس الجامعة العربية ادرك ان تفاقم وتيرة المخاطبة واللجوء الى التجريح المتبادل يعطلان على نحو قاطع اي احتمال لوحدة وطنية. وجاء قرار مجلس الجامعة في لقاء تشاوري عقده الامين العام عمرو موسى وشكل اختراقا كان مطلوبا فصار واقعا. فالصيغة المقترحة اصبحت قابلة للتنفيذ في تعيجل انتخاب العماد سليمان وبالتزامن توفير آلية حاكمة تؤمن لبداية عهده انطلاقة سليمة وتخرج انتخابه من معوقات استقلالية واستقامة برامجه، وبالتالي تخرج لبنان من حالة الاحباط والقنوط.
ان القرار الذي اتخذته الجامعة ليلة امس يحمل في ثناياه توقعات انهاء الثرثرات العقيمة والجارحة والتي كادت ان تحول الخصومات الى عداوات وتعمم هذيان الطعن المتبادل بشرعية الافرقاء.
منذ زمن طويل لم نشهد مثل هذا الموقف الحاسم وهذه الجدية الواعدة، ونأمل ان يكون هذا التطور الايجابي والمتميز مدخلا للحيلولة دون تحول لبنان الى ساحة تصفية لحسابات الغير ويجعل الرئيس القادم ليس حاكما بمقدار ما حكما وبالتالي يسترجع دوره وتأكيد تعريفه بأنه بالاضافة الى كونه دولة فلبنان رسالة.
فكفى لبنان ان يبقى شعبه منقطعاً عن طموحاته المشروعة، وحان الوقت للعرب حتى يعود اليهم لبنان كما عهدوه، رئة التنفس الفكري والابداع الثقافي.
 • • •
يريد الرئيس بوش ان تكون زيارته لاسرائيل وفلسطين فرصة لتفعيل انابوليس بعد اخفاقه منذ اعلان "نتائجه"، وكان يريد الرئيس بوش ان يكون اعلانه "لرؤية" دولتين اسرائيل وفلسطين في ذاتهما ارثا يلغي ما آلت اليه سياساته وغزواته للعراق والتي كان من تداعياتها تفريطه بالتعاضد العالمي بعد احداث 11 ايلول التي وظفها لتعميم الخوف ومناهج الاملاء والتخويف والتي شكلت الدافع لجعل العلاقة الاميركية الاستراتيجية تتجاوز الانحياز المطلق لاهداف اسرائيل الى اعتبارها شريكا "معتمداً عليه" في "مكافحة الارهاب".
من هذه الزاوية علينا التعامل مع زيارة بوش لاسرائيل وعدد من الدول العربية. هل ستشكل هذه الزيارة فرصة لقيام دولة فلسطينية بما يوفر لقرارات القمة العربية التحقيق. وهل هذه القرارات العربية التي اسهم الرئيس بوش في دفع خادم الحرمين على رسمها وجعلها قرارا عربيا جماعيا سوف تكون احدى المرجعيات ام الصيغة التي تتوافر فيها مقومات الحل النهائي كما املته القرارات الدولية والتي عملت القمم العربية على التطابق معها؟ صحيح ان انابوليس اعتبر قرار القمة في هذا الصدد احد المرجعيات، الا ان التعامل الاسرائيلي وبالتالي الاميركي معها جعلها واحدة من مرجعيات اخرى مما يفسر تفاقم الازمة في فلسطين المحتلة ويمهد لتعقيدات جديدة في تعجيز اي حل لهذه القضية التي يفترض ان تكون مركزية للامة العربية كلها، في حين يسود انطباع انها لم تعد كذلك كما هو مفروض قوميا ووطنيا واخلاقيا – ومن وجهة "المصالح" عمليا وواقعيا للانظمة، ناهيك بالشعوب.
لذا يتحتم علينا أن ننفذ إلى ما اشار اليه الرئيس بوش في لقائه مع مراسلي الصحافة والتلفزة العربية والذي اعتبر فيه ان المشاركة العربية – وخصوصا المملكة العربية السعودية، تحمل في طياتها "التزاما اقليميا لدعم حل الدولتين". واكد انه متفائل جدا بأن الرؤية ستستكمل قبل "نهاية ولايتي الرئاسية".كما عزا "فشل عملية السلام في الماضي الى غياب الدعم الاقليمي، مما جعل الواقع السياسي اصعب للقيادة السياسية". هذا تشويه للواقع وافتراء على الدول العربية. لماذا؟ من عطل الامم المتحدة؟ من ضيّع مشاريع قرارات مجلس الامن التي دانت العدوانات الاسرائيلية الفاقعة حتى تبقى اسرائيل في منأى عن الادانة وتطبيق العقوبات المنصوص عليها في ميثاق الامم المتحدة؟ ومن اعطى الضوء الاخضر لتمديد 3 ايام قبل تطبيق وقف اطلاق النار في حرب اسرائيل على لبنان عام 2006؟ ليس هنا المجال لتفنيد ادعاءات بوش في هذا الصدد. الا ان في استطاعتنا ان نشير الى ما اوردته "النيويورك تايمس" في عددها الصادر امس السبت عن رسالة بوش الى الحكومة الاسرائيلية عام 2004 انه بالمنظور الاميركي "الحدود النهائية يجب ان تعكس حقائق الواقع البشري في مراكزها"؟ ماذا يعني ذلك؟
صحيح ان الادارة الاميركية طالبت بازالة ما يسمى المستوطنات "العشوائية" لكونها في نظر الولايات المتحدة غير مرخص لها من الحكومة الاسرائيلية، ولكن ماذا عن المستوطنات التي تحتوي على 65 الف مستوطن ونحو 485 ألفا في الأراضي المحتلة بعد حزيران 67؟ هذه مستوطنات "مرخص لها"، وهذه هي المطلوب ازالتها، كما يعني ذلك ان حق الترخيص "القانوني" للحكومة الاسرائيلية يبقى ساري المفعول. الا ان الرئيس بوش يرغب في تقوية اهلية رئيس السلطة الفلسطينية باقناع اولمرت بإزالة المستوطنات "العشوائية" فقط. اذا المنطق لهذه الزيارة "التاريخية" هو تمكين سلطة الرئيس عباس من خلال اقناع اولمرت بازالة بضع مستوطنات "عشوائية" لا يتجاوز سكانها 20 الفاً.
من اجل ذلك كله، نرجو القادة العرب الذين سوف يستقبلون الرئيس بوش، كما فعلوا قبلا، بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، نرجوكم الا تجعلوه يعوّض تدهور شعبيته المتواصل باعتباره استقبالكم له بمثابة تأييد لسياساته. قولوا له ولمرافقيه ان العرب لن يسمحوا لسياسته بأن تكبّل قدرتهم على استرجاع حقوق اهلهم في فلسطين وعاصمتها القدس.
قد نكون طالبنا باكثر ما يمكن توقعه من اجتماع الجامعة العربية، فاسمحوا لنا بأن نحافظ على الامل، وان يكن مرحليا.

بقلم كلوفيس مقصود      

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@yahoo.com