|
الحكومة تسرّعت |
د. كلوفيس مقصود |
|
May 13, 2008 |
كان من الطبيعي أن نركّز في مثل
هذا اليوم على الذكرى الستين لقيام دولة اسرائيل، وما اذا كان هناك احتمال للجم
تماديها في العدوان، وممارسة سياسات التمييز العنصري، واستمرارها في تحقيق اندثار
التضامن والتنسيق العربيين بغية اجهاض اي امكان لجعل احتلالها وسياستها في التحريض
على قوى الممانعة والمقاومة في ارجاء الامة العربية. وها هي تستعين بالانحياز
الاميركي الى اهدافها، من اجل ادارة مصير المنطقة من منظور تعميم سياسات الفوضى
البناءة التي بدورها تستولد محارق، وإن بالتقسيط كما يحدث في غزة، وكما حصل في
الأيام الثلاثة من حرب تموز عندما تأجل وقف اطلاق النار وهو ما مكّن اسرائيل من زرع
مئات الألوف من القنابل العنقودية في الاراضي اللبنانية.
كما كان من المتوقع في هذه الايام ان يشارك الشعب اللبناني في بلورة الالتزام
الاخلاقي للقيام بمبادرة انسانية يتميز بها عندما يتاح للمواطن ان يعبّر عن عالمية
اهتماماته وخصوصا في الكارثة الكبرى التي يعانيها اليوم شعب بورما والأهوال الناتجة
منها والتي يزيد عدد ضحاياها في كل ثانية تقريباً.
كذلك كان يمكن الكتابة عن لبنان الذي ساهم في شكل رئيسي في الاعلان العالمي لحقوق
الانسان وشارك في وضع شرعته ممثله آنذاك الدكتور شارل مالك، مكتسبا للبنان التقدير
والاحترام لقيمه.
لذا، نأسف لأننا لا نستطيع ان نتوسع في هذين الموضوعين، لكون لبنان يعيش ازمة خانقة.
فالطاقم السياسي بأكثريته ومعارضته يتكلم بعضه على بعض وليس مع الآخر. من هنا نجد
ان ما حصل جاء نتيجة للإنشطار عندما يغترب الفريق الواحد عن الآخر، وتعزز هذا
الافتراق المراهنات والارتهانات للقوى الاقليمية والدولية، وهو ما يستبدل الحوار
بالتحريض المتبادل. من هذا المنظور وجدنا ان الحكومة تسرعت في القرارات التي اتخذت
في شكل استفزازي من دون درس التبعات الفورية لمثل هذه الاجراءات مع ما تنطوي عليه
من استفزازات حقيقية او متوهمة، بدون التكهن بنتائج من شأنها ان تكون متوقعة. ان
هذه القرارات اعطت الانطباع انها مدفوعة من قوى دولية متربصة، ارادت تصفية حساباتها
مع خصومها على حساب وحدة لبنان وأمنه الوطني وامن مواطنيه.
ان ردة فعل المقاومة وقيادتها، متوقعة، والى حد ما منطقية، ولكن في الحالة
اللبنانية لا يجوز التفريق بين الغاية الحقة والوسيلة التي تبدو انفعالية، والتي
تسهم في تشويه حرمة المقاومة. فالمقاومة تواجه عدوا واضحاً ومشتركاً لدى اللبنانيين،
ومن غير الجائز مطلقا، ومهما يكن الاستفزاز الذي شكّلته قرارات الحكومة ان يحصل ما
حصل، لأن المقاومة هي في واقعها ثقافة، ويفترض ان يكون حتى من يعتبر نفسه خصما لها،
رافداً لها وحاضنا في شرعية اهدافها. من هنا كان الاعتداء على تلفزيون "المستقبل"
وغيره من المؤسسات دليلا على انتقام وليس على تحويل النقمة احتضاناً ممكناً في هذا
المضمار. لذا، لا مفر من ان تلجأ المقاومة دوما الى الاقناع لا الى الاملاء، كما
الى تكثيف الوضوح لا الى التهديد وعليها ان تفسر شدة اعتراضها بدل فرض خطابها دون
النفاذ الى اسباب القلق وخلفية عدم استيعاب معنى المقاومة وضرورتها.
من هذا المنظور بات واضحا كيف ان المؤسسة اللاطائفية المتمثلة في الجيش عملت على
الحيلولة دون ان يتحول الشطط في السلوك نمطا في التعامل، وهذا يدل على تمكن الجيش
الى حد كبير من ان يكون عنوان الوحدة الوطنية وحكما بقدر المستطاع، حائلا دون
التفاقم وقد وفّر للطاقم السياسي الحكومي والمعارض فرصة لاستعادة لا مجرد الحوار بل
ادب الحوار الذي يحدد ان على كل منهما ان يتكلم مع الآخر وليس على الآخر.
من هنا يتراءى لنا ان ما حصل من عيب في التعامل المتبادل يجب ان يكون حافزا على
انتخاب العماد ميشال سليمان فورا، ومباشرة تأليف حكومة انتقالية مرحلية تكون قادرة
في المرحلة المقبلة على توفير اجواء مطلوبة لعودة الرسالة الى لبنان ويكون في
استطاعة خبرائه وعلمائه ومثقفيه وحكمائه الاسهام في هموم الأمة واهتمامات العالم.
هذا هو لبنان عندما يتوحد، ولبنان خلال الايام الاربعة الاخيرة لم يكن كذلك.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |