الحـــل ضــــروري لحيويـــة العمــــل العــــربي  

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

April 01, 2008


كان توصيف الحالة العربية سليما بقدر ما هي الحالة العربية الراهنة فاقدة السلامة، كما كان الامين العام للجامعة السيد عمرو موسى معبرا صادقا عن اسباب استعصاء الازمات على الحلول لدى القادة الحاضرين قمة دمشق. فهم قادرون على الاستماع من دون ان يرافق ذلك اي استعداد جدي للاستيعاب. فالتشخيص الذي قدمه الامين العام لم يلق مستوى من المعالجة القادرة، خصوصا في ما يتعلق بملفات المثلث المأزوم – لبنان – العراق – فلسطين، كما ان هذه الفجوة بين المطلوب والحاصل لم تفاجىء او بالاحرى لن تفاجىء شعوب الامة، والمرغوب من الانجاز صار على ما يبدو مستبعدا في المدى المنظور. حتى ان فئات متزايدة تكوّن لديها اقتناع ان المرغوب اصبح في حيز المستحيل، وان الحد الادنى المطلوب يجب الاكتفاء به، وهذا على ما يبدو صعب المنال. لذا يمكننا القول ان قمة دمشق، وان انخفض مستوى التمثيل فيها، لم تكن فاشلة اذا كان القياس "نجاح" القمم السابقة.
•••
ان ما ورد في كلمة الامين العام كان تعبيرا عن حقائق مرة عندما قال: (...)"اننا نعاني ازمة ثقة في ما بيننا. نعم، لقد وصل الوضع الى درجة غير مقبولة من الاضطراب في العلاقات العربية، كما وصل الى درجة غير مسبوقة في تلاعب قوى دولية بقضايانا، وعلى رأسها القضية الفلسطينية (والعراقية واللبنانية ايضا)، ربما استخفافاً برد الفعل العربي، او توقعا لرد مضطرب متفاوت بين المعلن والخفي، بين الحاسم والمتردد، مما اوقعنا في لجة من التناقضات والمتناقضات (...)".
هذه ادانة، بل حكم واضح ناتج من معاناة وتجارب مرة وتصميم على عدم التخلي عن الاجترار في المحاولة! واعتقد ان هذا يشكل تحديا كبيرا، ولعله تاريخي امام مستقبل العمل العربي المشترك وامام مستقبل الجامعة العربية وقضايا مصيرية، وان لم نتصد لها فورا وبوضوح وصراحة تامين، فإن "توأمة" المستقبل مع العربي، تصبح فاقدة التصديق، وبالتالي عاجزة عن التحقيق.
لكن الالم العميق المستشري والذي عبّر عنه عمرو موسى يجب ان يتحول تحريضا على التوجه الى سد الثغر التي تستنزف صدقية القمم من جهة، ودماء ضحايا فقدان الحسم في بت الازمات من جهة اخرى. وهذا بدوره يتطلب اعادة تعريف لماهية جامعة الدول العربية. ويجب ان يكون الرد على هذا التساؤل ان الجامعة ليست جامعة الحكومات العربية فقط، بل ان معنى الدولة هو الحكم والمجتمع. بمعنى آخر، على الجامعة تجيير الحكومات مع المجتمعات، مما يعني ان صناعة المستقبل العربي والخروج من حالة الاحباط السائدة، او بالاحرى الانعتاق منها، تفرض أن نتوجه فوراً الى أزمة لبنان التي يجب أن تكون قابلة للحل والانفراج. وإذا تحقق هذا الانجاز، وهو في رأيي ممكن، عندئذ تستعيد الجامعة وجوداً فعالاً في جعل دورها القومي هو الواقعية الجديدة، بدلاً من تعريف الواقعية بأنها الاستسلام للمراهنات والارتهانات المكبّلة لاستقلالية القرارات العربية والتي تفسر ما سماه الامين العام، في شكل ملطف، "التناقضات".
•••
لماذا لبنان؟ لأن المعضلة الشديدة التعقيد تبقى أكثر قابلية للحل من القضايا العالقة الاخرى، التي يمكن لبنان، عند استقامة وضعه، أن يساهم في ايجاد المخارج لها، كمأساة فلسطين والعراق. فالمبادرة العربية التي اقرتها الجامعة قابلة للتعديل في بنودها، وبالتالي يجب معاودة المسعى فوراً لأن الظرف ملائم، وكان يكون أكثر ملاءمة لو جاءت مضامين خطاب الرئيس فؤاد السنيورة مباشرة الى القمة، بدلاً من كونها "خطاباً"، وإن الحكومة اعتبرت تمثيلها في قمة دمشق غير سيادي، وبدا الغياب معبّراً عن "حرد". هذا الغياب حصل، وبالتالي على الجامعة، كما أوضح أمينها العام، المسارعة الى تنفيذ البند الاول من المبادرة العربية بانتخاب المرشح التوافقي للرئاسة العماد ميشال سليمان، على أن يكون بند قيام حكومة لبنانية من صلاحية الرئيس المنتخب، امتثالاً لما يمليه الدستور واستعادة لهيبة رئاسة الجمهورية، بعد مسلسل من التأجيلات التي تكاد تجعل الرئاسة محصورة برمزيتها، وبالتالي محرومة عملياً من صلاحياتها. لذا، من حق الرئيس أن يكلّف من تسميه الاستشارات النيابية الملزمة تأليف الحكومة، وبالتالي فان ما اختبره لبنان من مناقشات عبثية نتيجة الاشتباك الحاد بين فريقي الاكثرية والمعارضة، كان مفروضاً أن يدفع الى تفسير البند الثاني للمبادرة كبند ثانٍ بالتسلسل، حتى إذا تمكن الرئيس سليمان من تأليف حكومة وحدة وطنية، وإذا تعذّر ذلك فلا يكون فراغ في السلطة التنفيذية، إذ تقوم حكومة انتقالية موقتة يكون تمثيلها وفق الاعراف المتبعة، (بمعنى تمثيل الطوائف) فتوفر بكونها انتقالية فرصة لتنفيس الاحتقان، وتستقيم معادلة الحكم وتتاح الفرصة لقانون انتخاب يتلاءم مع ديموقراطية وحدة لبنان، وبالتالي حكومة منبثقة من نتائجها. أما اجترار العوامل التي أدت الى الفراغ المعيب في رئاسة الدولة، فتفقد الثقة بآلية الامانة العامة، وبالتالي يصبح الاجترار مدخلاً لتهميش مبادرة واعدة.
وما دام الرئيس بشار الاسد اكد في خطابه حرصه "على استقلال لبنان وسيادته واستقراره، وانطلاقاً من الشفافية التي تجمع بيني وبين اخوتي قادة الدول العربية، فإني ارى من الضروري ان اوضح ما اثير حول ما يسمّى التدخل السوري في لبنان والبيانات والضغوط لايقافه (...)، كان جوابنا واضحاً لكل من طلب منا القيام بأي عمل يصب في هذا الاتجاه. ان مفتاح الحل في يد اللبنانيين انفسهم (...)، نحن في سوريا على استعداد تام للتعاون مع أي جهود عربية او غير عربية في هذا المجال، شريطة ان ترتكز اي مبادرة على اسس الوفاق الوطني اللبناني، فهو يشكل اساس الاستقرار في لبنان، وهو هدفنا جميعاً".
هذا موقف ينسجم مع المبادرة العربية. ومن هذا المنطلق ثمة توافق على انتخاب العماد ميشال سليمان. اذا تم هذا الجانب من التوافق، وهو ممكن، عندئذ تصبح مهمة الرئيس تأمين حكومة وحدة وطنية، واذا تعذر ذلك فالتمهيد لحكومة انتقالية حاصلة على اجماع بشرعيتها، وفي الفترة الانتقالية يكون الرئيس ميشال سليمان الضامن للوحدة الوطنية، كما اثبت في المرحلة الانتقالية، اذذاك يزول ما عبّر عنه رئيس القمة من قلق على لبنان بالزوال، لان القلق ليس سورياً فحسب، بل عربياً ايضاً. وعلينا التوقع أن رئاسة القمة تكون اكثر احاطة بضرورة ازالة معاناة اللبنانيين لازالة "القلق" الذي عبّر عنه الرئيس بشار الاسد، عندئذ يكون الكثير مما ورد في خطاب الرئيس السنيورة من رغبة في علاقات مع الشقيقة سوريا، قد يجد طريقه الى التطبيق بندّية وأخوية.
الأهم أن يباشر الامين العام عمرو موسى انتاج هذا الحل لاستعادة حيوية العمل العربي المشترك في التوجه نحو المآسي في العراق ودارفور والصومال وفي فلسطين، القضية المركزية لهموم الامة العربية، وبالتالي لأولوية التوجه القادر لحلها جذريا، لكونها تجسّد أعدل قضية لا تزال خدمتها دون المطلوب.


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@gmail.com