|
الواقعية الجديدة تخرجنا من المصيدة |
د. كلوفيس مقصود |
|
Aug 18, 2008 |
الاوضاع
الدولية ستشهد في القريب العاجل تطورات في غاية الاهمية، تستوجب – او بالاحرى تفرض
– اعادة النظر بعمق وبمنتهى الجدية والدقة في العلاقات العربية – العربية وعلاقات
العرب مع المتغيرات الحاصلة والمتوقعة. وليست حوادث جمهورية جورجيا في الايام
الاخيرة سوى مؤشرات الى اصرار روسيا على تحدي ما تعتقده تطويقاً مباشراً لها وحقاً
تاريخياً كدولة كبرى ترفض التساهل فيه مع دول الجوار كما تأبى ان تنخرط دول في طوق
عازل لها ورادع لما تعتبره اطاراً لشرعية "نفوذها".
ان روسيا بوتين قررت ان تضاعف قوتها الاقتصادية والنفطية وتخرج من رحلة تداعيات
الاتحاد السوفياتي، ما فسح في المجال امامها لاستعادة نفوذها دون ان يعني ذلك
استعادة سلطتها في دول الجوار التي يعمل الحلف الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة على
تحويلها دول حصار وطوق. ولم يكن اسلوب استعادة النفوذ خياراً ديبلوماسياً او
سياسياً بحتاً، خصوصاً ان القيادة الروسية اعتبرت ان حلف شمال الاطلسي وادارة بوش
بالذات استمرا في تنظيم شبكة الطوق وتعاملا مع روسيا وكأنها اسقطت بشكل مطلق اللجوء
الى اي خيار عسكري، وبالتالي تمادت في ما اعتبرته روسيا استفزازاً وتحريضاً يهدد
كيانها وما تعتبره مصالح استراتيجية على الغرب الاقرار، وحتى الاعتراف، بصحتها
ناهيك بشرعيتها.
والسؤال الذي يطرح في هذا المجال هو: هل كان لجوء روسيا الى الخيار العسكري – وان
يكن محدودا – ضروريا؟ اعتقد ان القيادة الروسية لجأت الى هذا الخيار بعد اعلان
استقلال كوسوفو وتصميم ادارة بوش على وضع مواقع صاروخية في جمهوريتي تشيكيا
وبولندا، مما فسر تصريح جنرال روسي بعد قرار ادارة بوش إمداد بولونيا بصواريخ
باتريوت "ان بولونيا الان اصبحت مرشحة لتكون هدفاً لما لدى روسيا من مكنة نووية".
لذا، وقبيل ان تتحول الاستفزازات احتمال صدامات، جاءت مداخلة الرئيس الفرنسي نيكولا
ساركوزي لانجاز وقف لاطلاق النار في جمهورية جورجيا وقيام مناطق عازلة واعداد مشروع
قرار في مجلس الامن يكرّس مرحلة تهدئة ويعترف ضمناً بالحاجة الى التجاوب مع مشروعية
الهواجس الروسية من جهة ومصالح الوحدة الاوروبية من جهة اخرى. عندئذ يمكن ردع تمادي
الملف الاطلسي في الاستفزاز والمحافظة على ما تم من اصلاحات ديموقراطية في دول
اوروبا الشرقية.
هذه المبادرة التي قام - ولا يزال - بها الرئيس الفرنسي أدت الى ما يمكن تسميته
"شراء وقت" لتنفيس الاحتقان، وان تكتشف كل من الولايات المتحدة وروسيا حدود امكانات
السيطرة والاستفزازات المتبادلة وأن تظهر أوروبا كجسر لإعادة هندسة نظام عالمي
متعدد القطب تكون أوروبا المتحدة - لا الموحدة - خميرة لإنضاج هذا النظام وجسر
التواصل بين الدولة الاقوى الولايات المتحدة والدولة الطامحة والتي يبدو انها قادرة
على استعادة قسط كبير من قوتها الكامنة.
•••
لسنا هنا في صدد المبالغة أو تقليل الاهمية لمجريات ما حصل بين روسيا وجورجيا، لكن
يتعيّن علينا أن ننفذ الى ما تنطوي عليه هذه المؤشرات من آثار سلبية أو ايجابية على
حال الامة العربية، وان نحضّ العرب على التعامل معها بما يؤول الى بناء نظام عالمي
جديد نشاهد الآن بداياته دون معرفة نهاياته.
لقد تزامن مع حوادث جورجيا والتمدّد الروسي في مناطق ابخازيا وأوسيتا الجنوبية
التوافق في قمة دمشق بين الرئيسين ميشال سليمان وبشار الاسد على ما يخفف حدّة
التوترات السابقة ويجيز للبلدين المطالبة بالتفكير في انشاء مجلس الأمن القومي، مما
قد يستدعي إعداد قمة عربية تكلف مجموعة من الباحثين والخبراء والمؤسسات العربية
المعنية تفعيل عوامل التنسيق وعناصر الوحدة التي تجمع بين الاوطان العربية وتعبئة
العديد من العلماء والمفكرين الذين لهم رصيد ثري من العطاءات في مجالات وسائل ضمان
مناعة الاوطان، خصوصاً ان الوطن العربي الكبير. اذا لم يستعد المناعة القومية، فإنه
مقبل على مزيد من التفكك بين الاوطان مما يعرّضنا جميعاً لتآكل حقوقنا ومصالحنا
ومستقبل أجيالنا الصاعدة.
من هذا المنظور نعتقد ان الارتياح، وان يكن نسبياً، لما انجز في قمة دمشق يجب
توظيفه عربياً لاعادة وصل المشرق مع المغرب العربي الكبير، حتى نتمكن موحدين من ان
نساهم ثم نستفيد من نظام عالمي يخرجنا من الارتهان ويجعلنا قطباً مؤسساً لتعددية
قطبية ترسّخ استقلالية الارادة.
نشير الى الحاجة لمجلس أمن عربي، لا من منطلق المثالية خارج ما يسمّى "الواقعية"،
بل من واقعية آتية، اذا ما أمسكنا، بمفاصلها منذ الآن فسيعمل المتربصون بحقوقنا وفي
طليعتهم اسرائيل على ملء فراغ غيابنا.
والجدير بالذكر ان زيارة الرئيس الفرنسي لسوريا مطلع الشهر المقبل يجب أن تكون لا
مجرد تبريك لما انجز في قمة دمشق، بل مناسبة لتجاوز ما يعزّز علاقات سورية - فرنسية
في مراجعة أوروبية عربية شاملة لما استجدّ بعد حوادث جورجيا وما أفرزته من احتمالات
على الصعيد الكوني.
لمَ لا؟ ان تسارع التطورات يستوجب ان نفكر في ما يتجاوز واقعنا الكئيب الى واقعية
عربية جديدة بدأت ملامحها تظهر جلياً.
والواقع ان لدينا في الامة العربية عدداً متكاثراً من "جورجيات"، فإذا لم يُعتمد
واقعية متجددة وبقينا في مستنقع الواقع الحالي، خصوصاً في بعده الفلسطيني، والى حد
ما العراقي والسوداني والصومالي، نكون استسلمنا لبعثرة طاقاتنا ولمصير يشكل عيباً
لنا وعبئاً على اجيالنا الطالعة، وخروجاً من التاريخ، وحتماً من المقدرة على
صناعته.
الواقعية الجديدة وحدها تخرجنا من مصيدة الواقع.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |