|
مؤشرات انفراج نسبي |
د. كلوفيس مقصود |
|
Aug 03, 2008 |
تأتي زيارة
الرئيس السوري بشار الاسد لطهران في وقت بدأت مؤشرات انفراج نسبي تظهر، على رغم ان
العديد من التطورات المحتملة قد تتعرقل اذا تفاقمت الازمة السياسية في اسرائيل،
بحيث يأتي رئيس لحكومة جديدة من "الليكود" او "كاديما" يمعن في التحريض على ايران
متخذا من تخصيب الاورانيوم ذريعة لضرب المفاعلات النووية الايرانية. ويبدو أن
التطورات مرشحة لردع مثل هذه المغامرة الطائشة. وما زيارة وزير الدفاع الاسرائيلي
ايهود باراك لواشنطن اخيرا سوى تمهيد لانتزاع موافقة اميركية على الضربة، او
للحيلولة دون اعتراض جدي قد يؤدي الى اسقاط الخيار الذي طالما كان ثمة تحريض من اجل
تنفيذه.
ثم ان المؤشرات وفي مقدمها دور زيارة الرئيس السوري لايران، تظهر، ان ثمة سعيا
اوروبيا بمبادرة الرئيس الفرنسي ساركوزي لتهدئة السخونة التي طبعت اوضاع المنطقة
أخيراً والتي يبدو انها تستهدف الحلحلة في المرحلة الراهنة مقدمة لحلول ممكنة، واذا
تعثرت فلا تعود مرشحة للانفجار.
***
لعل التوافق الذي حصل في انجاز البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية في لبنان هو
اختزال لما يمكن حصوله في كثير من الملفات العالقة في الحالة الراهنة على مستوى
منطقة الشرق الاوسط. واذا كان هذا الاستنتاج بمجمله صحيحا، وان لم يكن بالضرورة
دقيقا، فهو استنتاج يتسم بمنطق محدود وباحتمال انفراج محدود كذلك. ثم ان رئاسة
المجموعة الاوروبية تكلف – اذا كان كما يبدو من تكليف – رئيس القمة العربية القيام
بمهمة الاقناع بقبول الحوافز لوقف تخصيب الاورانيوم لغير الاهداف السلمية. عندئذ
تستطيع سوريا ان تكون اخرجت نفسها من "الحصار" الذي تفرضه عليها الولايات المتحدة،
وترسّخ مركزيتها في المنطقة بدلا من التهميش الذي لطالما سعت واشنطن الى فرضه. واذا
ادت زيارة الرئيس الاسد لايران الى الانفراج الذي تنطوي عليه مهمته، عندئذ لا شك ان
هذا سينطبق على تصويب علاقات سوريا مع دول عربية، وفي طليعتها المملكة العربية
السعودية.
ثم ان مرحلة الحملات الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة والتوقعات المحتملة
من المرشحين باراك اوباما وجون ماكين، دفعت ادارة الرئيس جورج بوش الى مبادرات
تعوّض اخفاقات سياساته في العراق وفي النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني في ظل
العقائدية اليمينية المستشرسة ليمين المحافظين الجدد داخل مكتب نائب الرئيس ديك
تشيني. وهذا ما يفسّر الاستعداد لعودة تمثيل ديبلوماسي اميركي ما في طهران بعد نحو
اربعين عاما وانضمام مساعد وزيرة الخارجية وليم بيرنز الى الوفد الاوروبي في
المفاوضات مع ايران.
ثم يضاف الى كل هذه العوامل الدور التركي في ما يتعلق بمعاودة محادثات سورية –
اسرائيلية ودفعها – وإن بالتدرج – نحو مفاوضات تؤول الى الانسحاب من هضبة الجولان.
ان هذا الدور التركي المتواصل لم يكن بعيدا عن "تفهم" اميركي لكون المبادرة التركية
في اتجاه الجولان تحقق نتيجة ما، بعد على ما يبدو لاستحالة انجاز "رؤية" الرئيس بوش
قيام "دولتين" في الاراضي الفلسطينية المحتلة. كما ان المبادرة التركية لم تعترض
عليها ايران، لوثوق العلاقات الاقتصادية والنفطية، وما يبدو من دور تركي في ردع
النزعة الانفصالية لدى فئات كردية في العراق كل هذه دفعت الولايات المتحدة الى
فرملة تماديها في املاءاتها وترك هامش كبير من الحرية للتحرك الاوروبي والتركي
لكونها اصبحت اكثر وعياً لحدود سلطتها وتقلص نفوذها في المنطقة وعبثية استجابتها
للتحريض الاسرائيلي على ايران.
***
اذا كان التوجه نحو التهدئة اكثر رجحاناً، فهذا لا يعني ان استبعاد عودة التوتر
والنزاعات صار مضموناً بشكل قاطع، فلا يزال داخل ايران عناصر متشددة تأبى التجاوب،
كما ان في الولايات المتحدة واوروبا عناصر هي بدورها متربّصة ومرشحة لدعم اي
اقتراحات يتقدم بها اليمين الاسرائيلي. وان مؤشرات التهدئة ومبادرات الحوافز
الاوروبية لايران قد لا تكون ضد مصالح العرب، لكنها في الوقت نفسه ليست بالضرورة
لخدمة مصالحها القومية. وهذا يعود الى فقدان التنسيق الملزم بين دول النظام العربي
الراهن والتناقض الفاقع في المواقف العربية، وغياب العمل العربي المشترك في اتجاه
اقناع المجتمع الدولي بوحدة مصير العرب. ثم ان ما هو حاصل في الحالة الفلسطينية من
شأنه ازاحة القضية من سلم الاولويات الدولية، ويا للاسف العربية ايضا، ويبقى هذا
موضوع آخر.
امام هذا الوضع الشديد التعقيد، نجد كيف ان استيلاء الحكام على حق تقرير مصائر
الشعوب العربية يجعل المبادرات التي يتخذونها ثم يتخذون نقيضها تزيل بدورها حق
الشعوب في المساءلة. واذا كان نظام ما مانع او قاوم، فمفروض القبول، واذا سعى
النظام نفسه الى مباغتة الجمهور في اتجاه معاكس، فمفروض الرضوخ. المطلوب الا نسائل
ولا نتوقع اجابة. ويتساءل العرب لماذا نعاني نقصاً في المشاركة والغياب الذي يقارب
الالغاء.
تبقى التهدئة افضل من الانفجار، ويبقى الغموض البنّاء افضل من وضوح التناقض، ونبقى
دون الحد الادنى من الطموح، وهذا بدوره يمهد مرة اخرى، اما الى الاصرار على حق
المشاركة... والمساءلة... والمحاسبة. واما الى التمرد الايجابي الهادف.
***
كان امس اليوم الاخير لقبول العرض الاوروبي لايران او رفضه. ان الاستعداد لقبول
تأجيل الرد الايراني هو ترجيح التهدئة وتنفيس الاحتقان، لأنه اذا ما أديرت ازمة
التعقيد فوراً، فقد يضطر المجتمع الدولي الى استنباط طريقة لادارة الفوضى.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |