|
أوباما واسرائيل "المعجزة" ! |
د. كلوفيس مقصود |
|
Aug 01, 2008 |
علينا
الإقرار بأن ترشيح الحزب الديموقراطي لباراك اوباما يشكل اختراقاً مهماً في الخريطة
السياسية للولايات المتحدة، واذا انتخب للرئاسة وفق المرجح وان لم يكن مضمونا فسوف
يحصل بعض التغيير في انماط التعامل الاميركي مع المجتمع الدولي في شكل يستند الى
الاقناع، وان مع "لي الذراع" احياناً، بدل سياسات الاملاء الفج التي ميزت تعامل
ادارة الرئيس جورج بوش مع الدول، ولاسيما العربية والاسلامية. من هذه الزاوية كانت
ثمة توقعات بان يكون اوباما رئيساً اميركياً اكثر انفتاحاً على احتمال تحقيق شعاره
الجذاب "التغيير" من خلال النظر في المجازر التي تقوم بها اسرائيل "المعجزة" في حق
الشعب الفلسطيني وكأنها تحمل رخصة بأن تكون في منأى عن اي مساءلة ناهيك بأي ادانة
او معاقبة من الولايات المتحدة التي لطالما هددت مجلس الامن الدولي لئلا يتخذ اي
اجراء قانوني ضد اسرائيل عندما يكون المجتمع الدولي مقتنعاً بضرورة اتخاذ الاجراءات
الرادعة لتماديها في تحدي القرارات الدولية والقانون الدولي. والغريب في هذا الصدد
ان اوباما استاذ القانون اسقط هذا الارث من خروق الشرعية الدولية من خطابه العام في
ما يتعلق بالنزاع العربي – الاسرائيلي وبخاصة في البعد الفلسطيني منه. وكنت تساءلت
لماذا لم يدقق مرشح "التغيير" بامتياز في العلاقة المثبتة بين المحافظين الجدد وغزو
العراق اذ ان قادتهم جعلوا من غزو العراق – الذي يدينه بحق اوباما – تحريضا على ما
يؤكد مرشح "التغيير" للشرعية التي منحتها الامم المتحدة من خلال اجماع كل من مجلس
الامن والجمعية العامة للولايات المتحدة على "حق الدفاع" في اي اجراءات عسكرية ضد
"طالبان" في افغانستان. وقد ادرك مرشح "التغيير" ان غزو العراق فرط بالمجهود
"لمحاربة الارهاب" وبالتالي من الغرابة ان يُسقط سبب انحراف ادارة بوش الذي يدينه
مرشح "التغيير" في هذا الموضوع، وعلاقة المحافظين الجدد باسرائيل "المعجزة"؟
قد يجيب الواقعيون ان اي مرشح جدي للرئاسة في الولايات المتحدة لا يستطيع ولا يجوز
له الخوض في مثل هذا التساؤل لأنه يفتح مزيدا من الابواب لاسرائيل "المعجزة" كي
تمعن في ممارسة الارهاب السياسي من خلال ذراعها مؤسسة "الايباك" حتى لو كان لديه اي
استعداد لمجرد السؤال! وهذا ما يفسر ان مرشح "التغيير" اوباما ما كاد يوحي
الاستعانة بامثال مستشار الامن القومي السابق زبيغنيو بريجنسكي والمسؤول السابق
روبرت مالي في مجلس الامن القومي في ادارة كلينتون حتى مارس الارهاب السياسي
الصهيوني ضغوطه الفاقعة، مما ادى الى وضع مسافة كبيرة بين حملة اوباما واحتمال
القليل من الموضوعية في الموضوع الاسرائيلي – الفلسطيني، اقله كما نأمل خلال الحملة
الانتخابية الحالية. كما ان حملة الارهاب السياسي استهدفت الدكتور رشيد الخالدي
الذي صادق أوباما عندما كان مدير معهد الدراسات الدولية في جامعة شيكاغو قبل
انتقاله الى جامعة كولومبيا على تبوُّئه كرسي ادوار سعيد. مما ادى الى ما اعتبرته
مؤسسة اللوبي الاسرائيلي "عبئا" على صدقية اوباما في تأييده المطلق لاهداف اسرائيل.
لم يكن متوقعاً ان يستجيب باراك اوباما كلياً هذه الضغوط من اللوبي الاسرائيلي على
رغم ادراكنا ضرورات الحملة الرئاسية، وعلى رغم ذلك فان مئات الالوف من الاميركيين
العرب والمسلمين الذين تجاوبوا مع اهداف حملة مرشح "التغيير" اقتنعوا او اقنعوا
انفسهم بأن "تغييرا" ما قد يطرأ على سياسته الشرق الاوسطية بعد انتخابه. وعلى رغم
مدى الانحياز الى اهداف اسرائيل في خطابه امام مؤسسة "ايباك" حيث زايد على المرشح
الجمهوري جون ماكين في مستوى التأييد لاسرائيل، بقي الناخبون الاميركيون العرب
والمسلمون يؤيدون المرشح الديموقراطي، على امل انه بعد زيارته لفلسطين المحتلة
واسرائيل فالاردن قد يعود الى تطبيق المقاييس المناقبية التي ميزت حملته الانتخابية
في القضايا والهموم والتحديات التي تواجه الناخبين بعد ثماني سنوات من سياسات ادارة
بوش التي كونت رصيداً مهماً، اذ جعل أوباما من غزو العراق اللاشرعي منطلقاً حقق منه
الاختراق غير المسبوق. ثم عندما قال اوباما بالأمس في المؤتمر الصحافي مع الرئيس
الفرنسي نيكولا ساركوزي "ان سياسة الولايات المتحدة (في حال انتخابي) سوف تكون
مستمدة ليس من القدرة على اظهار القوة فحسب، بل ايضا من استعدادنا للاستماع وبناء
التوافق". وهذا الكلام الذي قاله بالامس في باريس ايجابي ومهم ويثبت ان التعامل
الاميركي مع العالم سيكون كما اشرنا اكثر ميلاً الى الاقناع منه الى الاملاء. لكن
هذه الرغبة في "الاستماع" و"بناء التوافق" لم يكن ابداً ميزة زيارته للأراضي
الفلسطينية المحتلة واسرائيل لأنه أبى الاستماع حتى الى ما قيل له خلال لقائه
العاهل الاردني ورئيس السلطة الوطنية... بل انه على النقيض اشار في برلين في خطابه
التاريخي قبل ثلاثة ايام الى ترحيبه الحار بازالة حائط برلين، مما يدفع الى التساؤل
كيف يوفق مرشح "التغيير" بين هذا الترحيب وما اظهر من عدم اكتراث بالحائط العنصري
الفاصل الذي بنته اسرائيل "المعجزة" والذي دانته محكمة العدل الدولية باجماع
اعضائها معترفة بأن هذا الجدار يشكل تجاوزاً لصلاحيات سلطة الاحتلال. فلماذا لم
يسأل الأستاذ في القانون اسرائيل "المعجزة" عن هذا الحائط العنصري، علما ان حائط
برلين كان تعبيرا عن ظاهرة سلبية هي الحرب الباردة. ماذا يقترح هذا المرشح الملهم؟
ولماذا اهمل الحائط العنصري؟ وهل اعتبره تعبيرا عن "المعجزة" في حين ان الشرعية
الدولية اعتبرته تعبيرا عن مجزرة في حق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة
والحقوق الانسانية للشعب الفلسطيني في أن يكون سيدا على ارضه. واذا كان ما قاله في
برلين ان "الجدران التي تفرق بين الاعراق والقبائل والسكان والمهاجرين يجب ان
تنهار" فليس هناك اي مبرر لأن يهمل "مرشح التغيير" الجدار العنصري الفاصل الذي بنته
اسرائيل "المعجزة" على ارض فلسطين المحتلة. عجيب هذا الاهمال، خصوصا انه لا بد ان
يكون قد مر الى جانب هذا الحائط العنصري عند زيارته لرئيس السلطة في رام الله.
وكانت الزيارة لرام الله الفارق الوحيد بين مواقفه ومواقف خصمه جون ماكين في
زيارتيهما لاسرائيل حيث اضاف مزايدة على ماكين وصفها بـ"المعجزة".
ونتساءل لماذا يؤكد اوباما التزامه الكامل لأمن اسرائيل اجتراراً لأقوال كل
المرشحين للرئاسة والكونغس، ولا يجرؤ احدهم ان يسأل اسرائيل "المعجزة" اين هي
الحدود التي تريد "حماية امنها"؟ على الاقل كان منتظرا من "مرشح التغيير" ان يطرح
هذا السؤال، ولكن يبدو ان "المعجزة" التي وصف اوباما اسرائيل بها تكمن في "الحصانة"
التي منحتها اياها الادارات الاميركية المتعاقبة، والتي تحول دون مساءلتها ناهيك
بمعاقبتها، وبالتالي ادمنت اميركا تعطيل صلاحيات مجلس الأمن في التعامل مع القضية
الفلسطينية ومع رفض اسرائيل الامتثال لقرارات الشرعية الدولية، وبالتالي انجاز
السلام العادل "المغيب".
ثم جاءت زيارة "مرشح التغيير" اوباما لسيداروت من اجل التضامن مع سكانها وادانة
الصواريخ الآتية من غزة. ولو اراد مرشح ان يتسم بشبه الموضوعية في هذا الشأن لكان
عليه ان يزور غزة ويتعرف الى المحرقة التي مارستها اسرائيل بالتقسيط على شعبها
نتيجة للحصار المفروض عليه والمعاناة اليومية التي يعيشها هذا الشعب والتي وثقتها
قبل يومين تقارير الأمم المتحدة موضحة ان غزة واوضاع اللاجئين فيها اسوأ مما كانت
تستوجب معالجة فورية. الم يكن على هذا المرشح الملهم والذي اخترق الكثير من
"الممنوعات" ان يتصدى للمجزرة الانسانية التي تقوم بها اسرائيل "المعجزة" بدل تكرار
القول ان حماس منظمة "ارهابية"، وبدل ان يردد التصنيف الذي تلقفته اسرائيل
"المعجزة" ضد كل ممانعة او مقاومة لخططها في الضم والتهويد والاستيطان والتمدد
وادمان جعل محرقة النازية المدانة مدخلا الى الابتزاز واخراس اي نقد، فأن "معجزة"
اسرائيل أن تكون دولة لليهود يعني ان من يصف سياستها في ارض فلسطين المحتلة بأنها
"فاصل عنصري" كما فعل الرئيس جيمي كارتر معرض ان يتهم باللاسامية، وان يتعرض كما
حصل لكارتر للارهاب الفكري الذي يمارسه لوبي "اسرائيل المعجزة" على كل من توخى
التجرد والموضوعية في الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني خصوصا والاسرائيلي – العربي
عموما. ام هل ان توصيفها بالمعجزة لأنها استطاعت من خلال ذراعها الضاغط "إيباك" ان
تقمع معنوياً وسياسياً كل من يجرؤ على نقد أي من تصرفاتها؟
كل هذه التناقضات التي يشاهدها العرب، ولاسيما الناخب العربي الاميركي يجب أن تتحول
عنصر تحريض للنظام العربي السائد كي يدرك أن أحد أهم الاسباب لإهمال الحقوق
الفلسطينية ولإمكان اسرائيل قمع أي تحد فاعل للاستئثار الاسرائيلي في حماية خروقها
من أي نقد من مرشحي الرئاسة والكونغرس ناتج الى حد كبير من حالة البعثرة المخيفة في
المواقف العربية والانشطار المعيب في الحالة الفلسطينية، ولو عبئت طاقات الانظمة
العربية وتوافر الحد الادنى من وحدة المواقف لكان الوضع مختلفاً، لكن العرب
الاميركيين اليوم، وان لم يكونوا مثل اللوبي الاسرائيلي الملتزم بنداً واحداً هو
مصلحة اسرائيل، مضطرون الى حماية حقوقهم المدنية والدستورية التي هددتها ادارة بوش
طيلة السنوات السبع الاخيرة. وعلى رغم ان هناك امكاناً لجعل تحيز المرشحين مكلفاً،
فإن هذا الدور يتعزز بحد أدنى من التنسيق العربي ليكون قابلاً للتصديق، فيدرك أي
مرشح للرئاسة أو غيرها ان سياسة الانحياز مكلفة عربياً... وبالتالي يكون مضطراً
الى أن "يعد العشرة" ربما، وهذا يعني ان "عرب اميركا" يجب أن ينخرطوا في العمل
السياسي الاميركي، علماً ان لديهم طاقات مميزة، لكن اسرائيل "المعجزة" تواجهها
اوضاع عربية فيها الكثير من الاندثار، وحتى الحالة الفلسطينية لم تكن قادرة على
الالهام والاستحواذ على الوجدان العالمي كما تستحق، لذلك يجب أن يعمل "عرب اميركا"
على أن يكونوا خميرة لما يجب أن يكون عليه عرب العرب وليس مرآة لما هم عليه حالياً.
يبقى ان باراك أوباما أفضل المرشحين في ما يتعلق بالحقوق المدنية والدستورية "لعرب
اميركا" وان "مرشح التغيير" بالنسبة الى فلسطين ومآسيها أصيب بعمى وطرش نأمل في أن
يكون موقتاً، وأن يصبح "عرب اميركا" أكثر تماسكاً، وعرب العرب أكثر توحداً وعند ذلك
كما حصل ابان حظر النفط عام 1973، تحترم الواقعية الاميركية من يصر على الحق وجعل
الاستهانة بالحق العربي مكلفاً وان لم توافقه. وقد كنت شاهداً آنذاك على انفتاح
الاعلام الاميركي على رغبة الاستماع الى أي صوت عربي.
أجل على "عرب العرب" انتزاع احترام الولايات المتحدة وعدم استساغة الطبطبة على
اكتاف مسؤولي الارتهان "المعتدلين". والأهم ان الاصرار على الحق ينتزع الاحترام ومن
ثم يتم الاتفاق. وان وصف الاصرار بكونه "تطرفاً" هو المصيدة التي يكاد يقع فيها
العديد من "الواقعيين العرب"، وغياب الكلفة يوهم أمثال المرشح الرئاسي أوباما ان
اسرائيل المغتصبة هي اسرائيل "المعجزة".
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |