عندما يتحوّل الغضب ملَلاً  

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

April 15, 2008


عندما يسود شعور بالغضب فهذا دليل على تحريض مطلوب يهدف الى معالجة أسبابه. هذا الغضب حالة صحية، وإن اتسمت بالتذمر والاعتراض والاصرار على المواجهة. ولكن عندما تتضاءل احتمالات التصحيح، يتحول الغضب مللاً. وهذا هو الخطر الداهم على حال العرب.
الغضب يمهد لتنظيم التعبئة كمسعى جدي لتصويب التوجه ولاستقامة الاوضاع وإزالة الشوائب والعوائق. اذاً، هو استدراج ملح لحوار محتمل ولاصلاح ممكن ولاستحضار مرجعية موثوق بها.
في جوهره، الغضب يعبّر عن حيوية كامنة، وفي الوقت نفسه حيوية مستنفرة، وبالتالي جاهزة. لكنه مرشح لمسلسل من انفجارات عبثية او الى تلاش في ارادة التصحيح، مما يؤدي الى ملل. وهذا، كما الانفجارات، هو الخطر الداهم. لكن الانفجارات مهما تكررت تبقى نتائجها متقطعة، وفي معظم الحالات عكسية. وعلى رغم اخطار انفجارات الغضب العبثية يبقى تحوّل الغضب مللاً هو الاكثر خطورة لكونه يؤول الى حالة من اللااكتراث، وبالتالي اجهاض لحيوية واعدة واستقالة تصعب العودة عنها. في حالة الاستقالة، تصبح الحيوية المكبوتة – وفي معظم الحالات مقموعة – وما تبقى منها يكون تبريراً للانطواء على الذات والابتعاد عن اي مسعى جاد في تصحيح الخلل في الشأن العام، ويصبح المجهود محصوراً بذاتية متزمّتة تأبى استذكار حوافز حيوية الغضب السابق ودوافع الالتزامات القومية والوطنية، كما فاعلية زخم المبادىء والمثاليات... والاحلام ايضا التي طالما استنهضت الضمائر واضاءت للجماهير مشاعل الامل. ثم يتبع هذا التخلي والملل اللذين يرافقهما، تفسير اللااكتراث وجاذبية الملل لكونها الواقعية الجديدة. كما تلازم هذا التفسير ادانة خجولة لجمالية الالتزامات السابقة، تعبيراً عن امعان في "مراهقة" فكرية وسياسية لا مكان لها وسط هيمنة العولمة واقطابها، ولأن مصير العرب لم يعد يقرّره العرب. لذا، فالملل يصبح المدخل الى التكيف مع المستجد، والعودة الى حيوية الغضب هو اجترار لخطاب مرّ عليه الزمن ولا يزال يراوده حنين الى استعادة المبادرات الوطنية والقومية. ومثل "المحافظين الجدد" في الولايات المتحدة، يتحول الملل انتاجاً لـ"واقعيين جدد" في الحالة العربية.
وحتى لا نبقى في توصيف احتمال تلاشي الغضب وتحوله مللاً، لا مفرّ من استحضار ما نحن عليه في الحالة الراهنة. ولنبدأ بما نشاهده ونسمعه في عدد من الاقطار العربية تبدأ من لبنان. فقد ساد الغضب معظم اللبنانيين عندما بدأ مسلسل التأجيلات لانتخاب رئيس الجمهورية. وعندما حصل "التوافق" على العماد ميشال سليمان، اعتبر هذا الاجماع مدخلا لتنفيس الاحتقان بين اكثرية ومعارضة، وجاءت "المبادرة العربية" كأنها صيغة لتعجيل استقامة الحكم وحلحلة لاشتباك طال أمده. وبقي غضب المواطن موصولاً بتوقع الانفراج، حتى وجد ان البرلمان مقفل والمؤسسات معطلة وعاجزة عن فهم عدم ترجمة التوافق على انتخاب رئيس للجمهورية الى انتخابه. كما نجد اليوم ان موعدا آخر في 22 نيسان صار ايضا في دائرة التأجيل الثامن عشر. المواطن حريص على تجنب ما حصل للبنان من حروب بين امراء الطوائف، وبالتالي الانفجار. وقد تحول غضبه مللا، جراء ثرثرة الطاقم السياسي، وبالتالي لا اكتراثا بضرورة الضغط المطلوب لانجاز ما هو مفروض ان يكون – كما يجب من المسلمات بدل اللاحسم، لكون الطاقم السياسي المتحكم كاد ان يصبح، او بالاحرى اصبح رهينة نزاعات، وحسابات اقليمية ودولية استحوذت على استقلالية ارادته، وبالتالي استباحت ضعف مناعته التي انتجتها المراهنات الخاطئة والاتهامات المعيبة.
المهم ان يستيعد الغضب حيويته، والا فحتى الملل قد يتحول قرفا.

***

هذا في لبنان. اما الغضب الذي يسود اهل العراق من مناظر الجنازات المتواصلة وعبثية الانفجارات، كما الغضب المشروع بسبب غياب النظام العربي القائم عن مسؤوليته حيال التمزق في نسيج العراق السياسي والاجتماعي، وغضبه المشروع على التدخل السافر من الولايات المتحدة والاستئثار بتقرير مصيره، ثم جعله ساحة لتصفية حسابات المحتل الاميركي مع ايران، وهو ما هدد به السفير الاميركي امام الكونغرس الاسبوع الماضي، كل هذا المخزون من الغضب تحول مسلسلا من انفجارات الكبت وانعدام رؤية مستقبلية لشعبه. كما ان تشرد اكثر من اربعة ملايين من شعبه وفقدان رؤية عربية موحدة لاخراجه من محنته المزمنة، يتسببان بتمدد الملل الذي صار بالنسبة الى المواطن ضمانا للبقاء... بكرامة او بدونها! وان الكرامة كادت ان تصبح مرتبطة بعبثية الثأر ونتيجة لاستفحال النزاعات المذهبية والطائفية، تضاءلت عناصر الغضب التي وحدها في العراق تعيد الى المقاومة شرعيتها.

***

اما في فلسطين، حيث المأساة التي تكاد تتحول ثابتة في وعينا، فلم يعد الغضب على حرمانها حقوقها بالمستوى المطلوب، واصبحت قضيتها قضية للفلسطينيين. وحتى بعض فئات هذا الشعب المدمن المطالبة بحقوقه والاستمرار في التجذر في ارضه، اجل، هذا الشعب الذي حوّل الغضب رسالة وانتفاضات ملهمة، بعض فئاته انضوى في أطر واقعية كاذبة، وعدد من مناضليه استهوتهم سلطات تكاد تكون وهمية، وانبهروا  بوعود غير قابلة للتلبية، واستساغوا توصيف بعضهم بـ"المعتدلين"، واستشرت عقدة "الخواجا"، مما حوّل الغضب السائد انفجارات واستقالات تتميز بالتحفز لمعاودة تفعيل الغضب. والبعض يستغرب كيف تحولت الوحدة الوطنية الفلسطينية من كونها خطا أحمر الى الوقوع في مصيدة الانقسام بعد عدم استقامة المعادلة، بما يعني الوضوح، بدل الالتباس في كون الاحتلال احتلالا، والمقاومة مقاومة، ولا بد ان يتحوّل الالهام الذي حرك وجدان الانسانية بعد 1967 اذا بقيت الحال على ما هي، مللا دولياً بدل عودة الحياة الى الغضب المشروع على استباحة حقوق شعب فلسطين.
ان التحدي يكمن في استرجاعنا حيوية الغضب حتى لا يستمر استنزاف دماء العرب وصدقية مواقفهم.

 

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@gmail.com