الحاجة إلى الإنارة في عصر الإثارة  

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

April 09, 2008


القى البروفسور كلوفيس مقصود مدير المركز الجنوب العالمي في الجامعة الاميركية في الولايات المتحدة محاضرة على هامش الاحتفال بتدشين كرسي جريدة "الجزيرة" للصحافة الدولية بجامعة الملك سعود، بعنوان "العرب الى اين: مواجهة التحديات".
هو هذا اليوم لتدشين كرسي "الجزيرة" بجامعة الملك سعود. انه تجسير للحراك بجامعة مع حصة الكلمة التي تعبر عنها الصحافة.
في هذا الزمن نحن بحاجة الى الانارة ولسنا بحاجة الى ما نعيشه اليوم من الاثارة.
ونحن اليوم في حفل تدشين كرسي "الجزيرة" لتصحيح المعادلة بين الاثارة والانارة. فالاثارة اهدار للطاقة، أما الانارة فلبلورة الامكانات والطاقات العربية. لذلك فان السعادة التي تأسرني في هذه اللحظة الجميلة الرائعة التي يتم فيها الاطار الاعم للجامعة مع التخصيص لعملية الاتصال من خلال الاعوام والصحافة، هي لحظة مفصلية لا بد من ان تشكل نقطة انطلاق تساهم في نهضة عربية واعدة... ونحن نقول كلمة النهضة ونعثر عليها وسط هذا التردي الذي نعيش فيه ويدفعنا الى السؤال: الى اين العرب؟ الى اين؟
ولكن السؤال الذي يسبق العرب الى اين؟ اين العرب الآن؟!
وهذه الفجوة بين ما نبغي وما هو حاصل يجب ان لا يكون ذريعة للاحباط، بل حافز للتصحيح وان نربط ماضينا بغدنا عندما نتمكن من عودة اكتشاف الثوابت لهذه الامة. نستطيع عندئذ ان نتهيأ بأن نتعامل ونتكيف مع المتغيرات التي تحدث على صعيد الامة والعالم الاسلامي والمجتمع الدولي. الاهم ان يصبح التمسك بالثوابت صمودا على جعل التراث العربي الاسلامي معادا للاستكشاف في وجداننا القومي حتى يبقى هذا الوجدان دون التبعثر والتلاطم والعنف والعبثية. كذلك الامر... استعادة تاريخنا وذاكرتنا الجماعية والقومية تشكل منطلقا للتعامل مع المستجدات دون ان تكون المتغيرات الحاصلة بديلا من الثوابت، التحدي لثقافتنا المعاصرة حين تكون المتغيرات الحاصلة بديلا من الثوابت. التحدي لثقافتنا المعاصرة حين نجسد الثوابت مع المتغيرات شرط ان لا تصبح المتغيرات بدائل للثوابت او بالوعة لها.. وهناك عملية التواصل التي يحاول البعض تقطيعها حتى يصبح التاريخ العربي الاسلامي في غربة عن صناعة المستقبل العربي والاسلامي ومن هذه الفجوة لكي يصبح مستقبلنا بديلا من تاريخنا... هذه القفزة تسمى الواقعية الجديدة وهي في واقعها واقعة في مصيدة خاملة لطاقاتنا الابداعية والفكرية والتنويرية... من هنا في حرم الجامعة اليوم نتعرف مرة ثانية من خلال هذا الكرسي الى (الجزيرة) على حرمة الكلمة – حرمة الكلمة ليست مصطلحا ارتجاليا، بل حرمة الكلمة هي دليل على ان الكلمة مسؤولة ولا يجوز التلاعب بها واخضاعها لمصالح ضيقة او امتهانات خاطئة ولذلك سعادتي هذا اليوم ان المستقبل واعد مثل ما كان التاريخ محضرا في هذه الجزيرة. عندما جاءها الدين الاسلامي الحنيف ليرسخ قواعد حضارتنا العتيدة.
ايها الاخوة، ايها الاصدقاء: العرب اليوم ليسوا في احسن احوالهم ولكن هذا يجب ان يكون محفزا لعملية التصليح، لا لعملية الترقيع. لنقلة نوعية يمهد لها المثقفون في الجامعات والاعلاميون الذين عليهم من الان فصاعدا ان يرسخوا دورهم التنويري وليس دور الاثارة.
وهذا يعني ان ندرك الحقائق المحبطة التي نحن في صددها لأننا لا نستطيع ان نجيب عن السؤال (العرب الى أين؟) اذا لم نرسخ ونتوجه الى دراسة الموضوع الرئيس اين العرب اليوم؟ بالامس كانت هناك قمة عربية، بالامس كان هنالك اجترار لقرارات سابقة، كان هناك تأكيد على ان القرارات السابقة تبقى قرارات حالية ويمكن ان تصبح قرارات مستقبلية. هذا يعني انه لم يتم التدريس الحقيقي لما نحن عليه من ترد واحباط وكبت، كما نشاهد في فلسطين الذبيحة، وفي لبنان المتأرجح وفي العراق المدمر، وفي الصومال ودارفور وغيرها... ولذلك عندما نجتر نفقد صدقية العالم لقراراتنا وعندما نجتر ولا تكييف مع المستجد ولا نعالج هذا النخر في واقعنا، لا بد عندئذ من ان نتدارك الوقوع في المصيدة من خلال اعادة التأكيد على اننا امة عربية واحدة واوطان ذات تجارب مختلفة، علينا التعرف الى بعضنا البعض حتى نكوّن للاوطان الجريحة المناعة المطلوبة التي لن نعيد الاستباحة لسياداتها واستقلالياتها ولدماء شعوبها كما هو حاصل بما اسميته المثلث المهزوم سواء اكان في العراق او لبنان او فلسطين الجريحة... كذلك الامر علينا ان نعرف أننا نواجه تحديا في هذا الزمن اننا اذا لم نتعاون ونتضامن ولم ننسق في ما بيننا ناهيك عن التوحد، عندها يصبح هذا التفرق وهذا الانفلات المسؤولية القومية بعضنا مع بعض عندئذ يفتك الواحد بالاخر... يا اخوان الاسلام هو واحد فلماذا تفرقوا في العراق مثلا؟ والحضارة العربية واحدة فلماذا تبعثرنا في سلوكنا؟ هذه الأسئلة تتطلب جواباً واحداً حتى لا يكون الجيل الجديد منقطعاً عن تاريخنا وعن مستقبلنا ولا ينفك عن حاضرنا بل يعمل على دعمنا وتفعيل حوار الأجيال التي لم تقم بما يجب ان تقوم به تجاه الأجيال الصاعدة.
ويجب ان لا ننكر ان الاجيال العربية الصاعدة تعيش معاناة التباعد بين الالتزام بالقومية العربية، التي أصبحت في اذهان الاجيال العربية الجديدة مرتبطة بالفشل امام مشروع الكيان الصهيوني وبأنظمة القمع التي لازمت وتبطن وراءها الذين يريدون ان يستأثروا بالحكم في بلادهم بغطاء القومية العربية... اذا الحافز ان القومية العربية هي الحقيقة التي يجب ان تلازم هويتنا وهي ايضاً الثابت والمتغير، هو ان يكون هناك مشروعات لتنمية الانسانية ومشروعات الأمن للانسان العربي ويجب ان يكون ملازماً على البناء والتقدم وعلى التغيير ونحن نعيش في عالم يتسم اليوم بتيارين متناقضين: تيار العولمة وتيار التفكك والتفتيت... العولمة التي تجمع الناس والأسواق والتفتيت الذي يفكك كما حصل في كثير من شعوب البلدان بين طوائف ومذاهب وعرقيات... والخ... هذا هو التحدي. كيف على العرب ان يواجهوا هذا التحدي؟ وهو ان يواجهوه بالتدرج، نحن لا نتوقع خفضاًنوعياً وهذا قد يكون كما قال الاستاذ خالد المالك في كلمته حلماً يراودنا في الماضي وقد يكون ولا يزال... وكاد الحلم غير المرتبط بارادة التغيير يتحول كما تحول في عدد من اقطارنا الى كابوس يقعدنا عن النهضة.
كانت مبادرة لخادم الحرمين الشريفين ان يجمع بين شعب فلسطين لأن الانقسام الفلسطيني هو خط أخمر ممنوع ان يحصل وحصل... في لبنان الانقسام بين فئتين متنافستين تحول الى خصومة... الى عداء. لم يعد دور المملكة العربية السعودية هو اعادة اللحمة الى الشعب الفلسطيني والاسهام في اعادة اللحمة الى شعب العراق واعادة اللحمة الى شعب لبنان... لأن اي تفكك في هذه الاقطار يحول دون مناعة الأمة بأسرها.
كيف نعيد العزة لأنفسنا ونحن نسمح لهذا الدم السائل في فلسطين والصومال وفي دارفور وغيرها في حين ان ما يحصل هناك يؤثر علينا كلنا، من هنا نجد ان المراهنة على الخطأ تؤدي الى ارتكاب الخطيئة، اقول ذلك لأن دقة المصطلح مطلوبة.
عندما يأتي ممثل وزارة الخارجية الاميركية بعد ان تبنى اسرائيل في القدس الشريف 600 و750 وحدة سكنية استعمارية والآن تخطط لبناء المزيد من المساكن في القدس الشرقية المحتلة، ويقول ممثل وزارة الخارجية ان هذا لا يساعد على الوصول الى السلام... نحن نجيب عن هذا التصريح الاميركي الذي يعلق على هذا الموضوع بأن هذا لا يساعد... هذا غير مقبول، وبذلك نستعيد احترام الغير لمواقفنا. نحن لا نريد مواقف صلبة ولا نريد ميوعة في الاداء، بل نريد مرونة لأننا نريد القدرة في معدل الاقناع.
القضية الفلسطينية – سادتي – اعدل قضية تكاد ان تكون مختومة أسوأ خاتمة... وهذا الذي يستدعي بنا ضبط المصطلح، يعني ان لا تفاوض ولا تباحث ولا لجوء إلا على أساس ان اسرائيل تعترف أنها محتلة في الاراضي الفلسطينية المحتلة. دون هذه القاعدة القانونية لا مفاوضات ولا مباحثات لأن اسرائيل عندما تقول انها على استعداد لتنازلات أليمة في الضفة الغربية وفي القدس، التنازلات هي ان تتنازل عما يخصك... لا تنازل إلا عن ملكيتك، والضفة الغربية والقدس وغزة ليست املاكاً للصهاينة... ثم ان هذا الالتباس في القاعدة القانونية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي تعتبر القضية المركزية نجد ان الدخول منذ اوسلو حتى اليوم تراجعت الاوضاع... كثرة من المستوطنات كثرة في التوسع... وعود كاذبة ووقوع في الانجذاب للكذب تحت شعار الواقعية المزورة. هذا لم يعد ينطلي على الاجيال الصاعدة. ولا على الاجيال الشائخة مثلي. هنا دور الاعلام العربي.
دور الاعلام ان يكون فاعلا بمقدار ما تكون السياسة العربية واضحة. وعلينا ان نجنب الشعب الفلسطيني هذا العيب في الانقسام. ونرجو في هذا الصدد ان يعيد خادم الحرمين الشريفين ليس مبادرة جديدة، بل ما التزم الجميع به لانه لا خيار للفلسطينيين الا الوحدة الوطنية. أما الرباعية التي فرضت الحصار على غزة فعلينا نحن العرب دولا ومجتمعات ان نؤكد انه يجب ألا يكون أمين عام الامم المتحدة عضوا فيها لأنه مؤتمن على كل القضايا الدولية التي تعترف بشرعية حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وان يكون هو جزءا من قرار الحصار على غزة، وهذا طعن في ميثاق الامم المتحدة وفي حقوق الشعب الفلسطيني. أشير الى هذا لأؤكد على دور الاعلام العربي في تمكين مسؤولية الكلمة وان نحرص على الحقيقة وأن لا نكون أدوات للوعي او اللاوعي ولا للتزوير في الحقائق التي تعممها الكثير من أجهزة الاعلام الغربية مثلما هو حاصل في العراق.
أيها الاخوة، في لبنان لا بد من ان ينتخب الرئيس المتوافق عليه العماد ميشال سليمان، ووفق هذا التوافق ان يمنح صلاحيات الرئاسة وأن لا يأتي مكبلا كما هو حاصل الآن، وأن يقيم حكومة انتقالية ريثما يزول الاحتقان القائم بين الاكثرية والمعارضة بالتدرج لمدة 9 أشهر. فيما يتعلق بالعراق يجب أن لا يكون ممسوكا بين القوة الاقليمية والقوة الدولية ويجب ان يكون هذا تحريضا على العرب ان يوحدوا مواقفهم باسترجاع عروبة العراق وعروبة لبنان وعروبة فلسطين... فانه اذا بقي الحال في فلسطين على ما هو عليه حيث ان اسرائيل لا تعترف بأنها اغتصبت فلسطين قبل 1948م ولا تعترف باحتلالها للأراضي الفلسطينية بعد عام 1967. هذا الفلتان من الضوابط الاخلاقية من ضوابط القانون الدولي من ضوابط العدالة لا يجوز أن يبقى من دون عقاب ومن دون كلفة لاستفزازها الضمير العالمي. وعلينا ان نعيد فلسطين لتكون قضية الوجدان في العالم. المستقبل، ورؤيا المستقبل، يصبح أوضح اذا تمكنا ان نعيد النظر في كثير من سياساتنا الراهنة الى التكاتف الذي ينبغي ان يميز العلاقات العربية – العربية. أن نعيد تفعيل المخزون العربي الكبير في دول أفريقيا العربية التي كثير من اهلها في المشرق العربي، تمكنت الدول الاوروبية ان تقول للمغرب العربي الكبير المشرق العربي كثير المشاكل والقضايا، أنا أعلم في الولايات المتحدة بعد 11 ايلول عندمات سأل الرئيس بوش وأنصاره لماذا يكرهنا العرب والمسلمون؟ أجبت في ذلك الحين: ان العرب المسلمين لا يكرهون، الكره هو ثقافة الموت، لكن العرب والمسلمين غاضبون والغضب هو استدراج للتفاوض واستدراج للحوار واستدراج للمناكفة. والارهاب والكره هما قطع لأي احتمال للحوار، أي احتمال للتفاوض، أي احتمال للمصالحة. وهذه هي العبثية بأعلى مراتبها بينما الغضب هو رغبة في التصحيح لأسباب الغضب. من هذا المنظور من هذا المضمون... مرة ثانية أقول ان المقاومة هي العدو للارهاب وهنا لا بد من ان نعيد الى الذاكرة ان المقاومة في كل بلد محتل تريد أن توظف كل الامكانات لاعادة التحرير والاستقلال، وهذا البلد واقع تحت ظل الاحتلال، ماذا يعني؟ ان المقاومة تستنفد كل الخيارات من العصيان المدني الى التظاهرات الى اللجوء الى الامم المتحدة حتى اذا استنفدت كل هذه الخيارات عندئذ يصبح الكفاح المسلح هو آخر الخيارات، بينما الارهاب هو العنف والوسيلة والغاية نحو الاندثار وبعثرة الطاقات لاستعادة الكرامة. ولذلك محاولة ربط المقاومة بالارهاب كما يحصل في بعض الصحف المتصهينة في الغرب لا تجعل عقبة الاثم للمحرقة التي قام بها الغرب ولم يساهم فيها أي مسلم او عربي في التاريخ ويريدون اليوم، كما قال نائب وزير الحرب الاسرائيلي ان يهدد أهل غزة بمحرقة ممكنة، نحن أمام خطر أحد الاسلحة وهي حرمة الكلمة ومسؤوليتها هي لضبط المصطلح وضرورة التنسيق الملزم بين الدول العربية وحتى يكون الاعلام فاعلا لا بد من ان تكون السياسة واضحة. نحن لا نمانع.. نحن لا نبالغ ولا نغامر. نحن الامة العربية على حق. صحيح فقد اختبرنا اختبارات مختلفة، انتدابات فرنسية وبريطانية، استعمارات ايطالية واسبانية وانكليزية وغيرها. هذا التعدد لا يجيز الا ان نوظفه في سبيل التنوع في التجارب بغية هدرها لواقع الأمة. أعتقد ان الهيكل الموجود والمتوافر ليس بالتربع هنا ناهيك عن الوجود. يجب ان نعمل على جعلها تحظى ان تكون الجامعة جامعة للحكومات العربية ونجعلها جامعات الدول العربية والدول هي الانظمة والمجتمعات. ومن هنا تجسيد المجتمع ليتيح لنا الانفتاح على بعضنا بعضا وهو في سبيل نهضة واعدة وعلينا أن نتفاءل أردنا أم أبينا تمكنا أم لم نتمكن... لا مجال ولا فسحة ولا فرصة من أن نستقيل من التفاؤل والامل.

بقلم كلوفيس مقصود   

 

 

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@gmail.com