|
الحلّ بحكومة انتقالية مؤقتة |
د. كلوفيس مقصود |
|
Jun 30, 2008 |
بوادر
الانفراج في قيام تركيبة وزارية ما قد تسمى حكومة "الوحدة الوطنية" هي بمثابة
مسكّنات، لحقائق لم يعد مقبولاً التغاضي عنها، ولعلّ أهمها، بل اخطرها هو تعجيز
رئيس الجمهورية ميشال سليمان عن ترجمة ما انطوى عليه خطاب القسم، وحتى مضامين ما
ورد في الكلمة التي ألقاها في القمة الروحية، من توجهات لرسم سياسات ميّزت مواقفه
في اثناء قيادته للجيش، وأراد ان تميّز تجرّده ولاطائفيته وتنمويته واستيعابه
للتحديات الاقليمية والدولية التي تواجه لبنان. نعم، ان الثرثرة التي تميزت بها
"الاستشارات" دلّت على مهارة الطاقم السياسي بشقيه، الاكثري والمعارض، في الاساءة
الى العهد الجديد، بما يقارب عملية ابتزاز متبادل تجلّت في تنامي مطالبات المعارضة،
وما اعتبر "تنازلات" الطاقم الاكثري.
المعضلة في جوهرها تكمن في ان "حكومة وحدة وطنية" لن تكون حكومة وحدة وطنية. لماذا؟
الاسباب عديدة، أهمها:
اولا- ان التركيبة – او التركيبات في تشكيلة الحكومة المقترحة لا تستطيع – وإن
حاولت – ان تحكم بصلاحياتها الذاتية، لكون اعضائها يمثلون من يتحكمون فعلاً في
قراراتهم عندما يشاؤون، باعتبار ان التركيبة الطائفية السائدة تجعل الوزراء
المعيّنين، كما يبدو في معظم الامور ليس لهم حق المبادرة الا باذن من زعيم الطائفة
المشاركة في الحكم، بمعنى آخر، فالحكومة ان قامت، فان وزراءها هم وزراء بالوكالة.
وليس هكذا يبدأ العهد، وليس هكذا يباشر رئيس الدولة تنفيذ سياساته، ولا هذا هو
تعريف سليم بالوحدة الوطنية.
ثانياً- ان النظام الطائفي بطبيعته يجعل الطوائف في حالة تربّص الواحدة بالاخرى،
لكون العلاقة في ما بينها تترجح بين التكاذب المتبادل والتنافس والصراع. ولعلّ هذا
ما يفسّر ان حكومة مؤلفة بوكلاء زعماء الطوائف، تكون مهماتها لا الاشراف على نزاهة
الانتخابات المقبلة فقط، بل مناقشة صلاحيات لطوائفها والسياسات والارتهانات
الاقليمية والدولية التي لا علاقة لها بـ"الوحدة الوطنية" المنشودة. كما ان النظام
الطائفي، وان كان صالحاً في فترات سابقة او مسيئاً كما هو الآن، فانه يمعن في
التفكيك وحتى التفتيت لمستقبل الاجيال الصاعدة. وان اطلالة عهد رئيس تميّز باجماع –
سمي توافقاً - يجب ان تترافق مع حاكمية تنطلق من لحمة وطنية تبلورت عن اقتناع شعبي
بضرورة انتخابه بعد مخاض عسير ارهق المواطنين وكاد يحول دون مناعة الوطن، بحيث
احتكم لبنان وهو يقترب من الهاوية الى مبادرة ادت الى اتفاق الدوحة، ثم ان عودة
حالة الارهاق التي تسود صفوف المواطنين اليوم كما الفلتان النسبي المرافق للبازار
بين "الاقطاب" تستوجب فك المكبلات القائمة على بلورة الرؤية المجددة لمستقبل واعد
يزيل المعوقات ويمكّن الحوافز التي ينطوي عليها الخطاب المميز لتوجهات رئيس
المصالحة.
ثالثا الحوافز التي نحن في صددها تفترض تدرجاً متنامياً في مساعي الغاء الطائفية
وتعميم ثقافة المواطنة، مع الاصرار على ان شعب لبنان ليس متعدد الطائفة، بل متنوع
في طوائفه. هذا التمييز بين التعدد والتنوع شديد الأهمية لرسم المستقبل وجعل
المواطنة الى لبنان الكل هي التعريف القانوني، لكون هذا التعريف هو التعبير عن
شرعية اصالة الاندفاع نحو تفعيل التنوّع وازالة عيب ما يسمى التعددية. التنوع يزيل
شوائب الطائفية ويبرز طاقات تفاعلها، في حين ان التعدد كما هو حاصل يرشح عناصر
الابتعاد والتمايز بدل انتماء المواطن الى الوطن ككل.
ومن اجل كل ذلك لا مفر من الخروج من المأزق الراهن المتمثل بمخاض ولادة حكومة وكلاء
زعماء الطوائف، والبدء باختراق جدي في قيام حكومة حكماء وخبراء وناشطين في حقول
التنمية وحقوق الانسان، وتمكين المرأة وضالعين في قضايا البيئة ومعظم شؤون الامن
الانساني ومتدربي ادارة الأزمات، من الاشراف على الانتخابات النيابية المقبلة. ولعل
سلامة ادائها وخدماتها وتجاربها تُلهم الناخبين ليتعرفوا على بدائل لعصبيات
الطوائفية وينشروا ثقافة المواطنة. وهذه الحكومة المرحلية المستنيرة والمستجيبة مع
مستلزمات الحكم الرشيد تعيد الى لبنان جوهر دوره في محطيه العربي ومكانته، لا كساحة
لتصفية حسابات الغير التي يعزّزها النظام الطائفي خصم التطور والانفتاح والذي يسربل
الطاقات المقموعة اصلا ويعزز المراهنات والارتهانات التي انهكت اللبنانيين والتي
تستنزف فاعليتهم الجماعية، بعد عجزها عن استنفاد حيوية المواطن وطاقاته في فعاليته
الفردية.
ان مرحلة الطائفية آخذ الزمن في تجاوزها، وان الزمن الحالي عليه ان يكون الجسر الذي
يباشر اللبنانيون مده لصنع مستقبلهم.
ان حكومة انتقالية موقتة عليها ان تكون هي الجسر، وبالتالي النموذج الموقت لا لما
هو لبنان عليه، بل لما يجب ان يكون عليه. هذه هي الواقعية التي تحول دون السقوط في
وقيعة متربصة.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |