بالوحدة نواجه الفلتان الإسرائيلي

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

Jun 22, 2008


يبدو إنه خلال اسبوع واحد، بدأت الحلحلة في المنطقة التي أشرنا اليها يوم الاحد الماضي تتحوّل "تهدئة". لكن هذه التهدئة تمهيد لتسويات، أو لعل هذه التهدئات المقترحة مثلاً لمزارع شبعا في لبنان، وبين اسرائيل و"حماس" في فلسطين، واحتمالات مفاوضات قد تقوم بين سوريا واسرائيل برعاية تركية، هي مقدمة لتسويات آتية أو حتى حلول لها أو لبعضها بعدما كانت طوال السنوات الاخيرة عصية على الحلحلة، ناهيك بالحل.
كذلك الامر في العراق، حيث تسوّق ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش ان تقدماً متواصلاً آخذ في التشكل، وان حكومة المالكي ونواة الجيش العراقي وعناصر "الصحوة" تنجز "انتصارات" على مختلف تيارات المقاومة، وكذلك بؤر الارهاب. اجل، هذا التسويق لـ"التقدم" في العراق، على رغم صحة بعض جوانبه التي بدورها تتميز بالمبالغة، يمكن ادراجه في ملف التهدئات النسبية الحاصلة.

* * *

ولكن لا مفرّ من التساؤل لماذا هذه "الانفراجات" التي قد تؤول الى "تهدئات" في  المنطقة التي نحن منها، وفي هذا الظرف بالذات؟ يتملّكني اقتناع بأن جزءاً كبيراً من الاجابة تكمن في حملة التحريض المتواصلة التي تقوم بها اسرائيل على ايران، متهمة إياها بكونها وشيكة الحصول على الاسلحة النووية. وعلى رغم ما اجمعت عليه اجهزة المخابرات الاميركية السبعة عشر كلها لجهة ان ايران توقفت عن تخصيب الاورانيوم بغية  انتاج قنابل ذرية، فإن اسرائيل وانصارها في ادارة بوش وبقايا  
المحافظين الجدد في مكتب نائب الرئيس ديك تشيني يسعون في شكل دؤوب الى القيام بحملة تشكيك في صدقية تقرير أجهزة المخابرات المشار اليها، كما ان اللوبي الاسرائيلي ايباك يمعن في تكثيف حملات التحريض، لكون تأثيرهم السياسي في حملة الانتخابات الرئاسية، يحول عملياً دون المساءلة أو التحقيق في صحة المعلومات الاسرائيلية وسعي اسرائيل الى استدراج الادارة الاميركية للاعتداء على ايران، أو على الاقل لا يترك اسرائيل وحدها في عدوان قد تغامر في القيام به.
ومع ان حملة الانتخابات الرئاسية بين جون ماكين وباراك اوباما قد لا تتصدى لمضامين التحريض الاسرائيلي، فإن هناك ما يكفي من الادراك في حملة اوباما على الاقل، وحتى في الحزب الجمهوري، لردع اي تطابق جدي ومتكامل مع الاندفاع الاسرائيلي في توظيف الفترة الاخيرة من رئاسة جورج بوش. هذه الفرصة تعود الى متابعة طرح الحوافز الاقتصادية والسياسية على ايران، من الاتحاد الاوروبي، والاعتراضات الحاسمة التي تبديها الصين وروسيا في هذا الشأن. لكن حملة التحريض التي تقودها اسرائيل على ايران تلاقي استجابات فورية، بحيث تسعى اسرائيل ان تجعل من الخطاب السائد والمتشنج للرئيس محمود احمدي نجاد الموقف الوحيد والدقيق للسياسة والاهداف الايرانية، متعمّدة تجاهل التباينات وحتى الاختلافات داخل المؤسسة الحاكمة في ايران.
هذا التحريض المتنامي الذي تقوم به اسرائيل يعزّز المخاوف والقلق الشعبي والرسمي في العديد من الدول العربية، مما ادى في كثير من الاحيان تغليب اولوية اسرائيل في العداء للحقوق القومية للامة العربية والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، واستبدالها باقتناع خطر يجعل من ايران التحدي الاخطر للحقوق والمصالح العربية اجمالا، وما حاول الرئيس بوش تأكيده في رحلاته الى عدد من الدول العربية اخيراً.

* * *

بازاء مساعي "التهدئة" وما حققته مصر في غزة، بالاتفاق مع اسرائيل، او مساعي الوزيرة كوندوليزا رايس للتهدئة في ملف مزارع شبعا ووضعه تحت وصاية الامم المتحدة، نتساءل هل حملة التحريض التي تقوم بها اسرائيل على ايران تعمل لجعل التهدئة او "التهدئات" تحييداً لمواقف عربية شاملة تسهم في ردع مخطط اسرائيل لعدوان على ايران، ام ان "التهدئات" التي نشهدها منفصلة عن حملات التحريض على ايران؟ اعتقد ان الاجابة عن هذا السؤال الخطر تستوجب دراسة وافية وشاملة، تأخذ في الاعتبار ما تنطوي عليه حملة التحريض على احتمالات تتعلق بمصير الامة والاوطان العربية وما قد يجيزه التحريض في حال تحوّله عدواناً اسرائيلياً، او اسرائيلياً بمساندة او بتبنّ اميركي على مستقبل المنطقة بأسرها، اكثر ما تسعى اليه اسرائيل في هذه المرحلة ان تكون هي القابضة على مفاصل القرار المصيري لمستقبل المنطقة، فهي الساعية للتهدئة عندما ترغب، وهي من تفجّر عندما تشاء، وهي من تحدّد المسارات. ان تمكّن اسرائيل من الفلتان يستدعي اعادة الاستنفار لصنع وحدة عربية ما، وفي شكل فوري، ولعلّ هذا يستوجب لا مجرد قمة عربية عاجلة، بل مشاركة لحكماء ومفكرين وناشطين وخبراء ووضع قراءة مشتركة لما هو حاصل، حتى لا تتحول التهدئة – او "التهدئات" تحذيراً للعمل المستقبلي، وحتى نوظف كل طاقات العرب في خدمة رسم واقعي لمستقبل يتميز باخضاع الخبرة الجماعية للعرب لدرء خطر داهم، وما حملة التحريض الاسرائيلية وارتباطها مباشرة او مداورة، بما يحصل سوى ثنائية، اذا استمرت بدون ردع عربي واضح وشامل فان فلتان العدوانية الاسرائيلية يصبح خطراً وجودياً على مخزون حيوية الامة وعدالة قضاياها وكرامة شعوبها.
السؤال الاول والاخير: هل من يسمع؟

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@gmail.com