|
عودة الى المثلث المأزوم |
د. كلوفيس مقصود |
|
Jun 16, 2008 |
ثمة تطورات تبدو في ظاهرها ايجابية في بلدان المثلث المأزوم، العراق، فلسطين ولبنان. نقول ايجابية لكونها تحصل على رغم امعان الدول التي كانت السبب في تفاقم ازماتها لا تزال تصر على اجترار سياساتها كي تحول دون استكمال انجاز بلورة الاهداف المطلوبة، على ما لمسنا في تصريحات الرئيسين جورج بوش ونيكولا ساركوزي بالامس في باريس. ولكن على رغم استمرار الاستفزازات من القوى الاقليمية والدولية والتي في حال نجاحها قد تجهض ما وصفناه بـ"تطورات ايجابية" تظل السياسات التي اتبعتها ادارة بوش وساركوزي وفي المنطقة ايران وتركيا مرشحة بدورها لأن تدخل عليها تغييرات في التعامل مع العديد من قضايا المثلث المأزوم لكون الدول العربية في معظمها بدأت تدرك ان عليها اتخاذ مبادرات لمعالجة المشاكل العالقة قبل تفاقمها مجددا ولادراكها ضرورة احتوائها قبل استفحالها. وهذا ما يفسر النجاح النسبي الذي حصل في اتفاق الدوحة، وفي السعي الى اعادة الوحدة او التفاهم بين "حماس" والسلطة الوطنية (فتح) في فلسطين وفي الارتياح العربي العام الى بوادر النهج الاستقلالي الذي يميز موقف الرئيس نوري المالكي في العراق حيال المحاولة الاميركية لاقرار اتفاق من شأنه إن تحقق أن يكبل الادارة الاميركية الجديدة خاصة اذا نجح – كما يبدو – باراك اوباما الذي عارضت حملته الغزو والسياسات التي اتبعتها ادارة بوش في هذا الصدد.
• • •
صحيح ان التطورات المشار اليها آخذة في تحقيق بعض الانجازات. في الواقع اللبناني تم ملء الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية، كذلك تبين لكل من "فتح" و"حماس" في فلسطين ان استمرار الانشطار بينهما مهما تكن الاسباب هو المدخل الى الغاء فلسطين كقضية وبالتالي الغاء اي احتمال لقيام دولة فلسطين. كذلك الامر بالنسبة الى العراق عندما اكتشف الجميع ان مشروع المعاهدة الذي وضعته الادارة الاميركية يعرض أمن البلاد ومن ثم أمن المنطقة فتعود ازماتها الى التفاقم وتخرق مقومات استقلالية تحركها وارادتها.
• • •
السؤال هو هل ان هذه التطورات المتّسمة بالايجابية تؤول الى حلحلة مطلوبة في حال تحقيقها؟ واذا تمت بعض الحلحلة وهذا صار الى حد ما ممكنا فالسؤال اللاحق هو هل ان الحلحلة تشكل تمهيدا للحلول ام هي بديل منها؟ من هذا المنظور تنجلي معالم التحديات التي تواجه قيادات كل من فلسطين والعراق ولبنان. فاذا تحولت الحلحلة بديلا من الحلول فنكون اكتفينا بالتخدير لكونها خيارا "افضل" من استمرار الازمات. واذا تحولت الحلحلة الى بديل من الحل فنكون قد زرعنا بذور عودة الازمات بحدة اكثر، وبالتالي جعلنا التخدير بديلا من الدواء المطلوب والذي يلبي بدوره مقتضيات الحل والحلول.
• • •
من هنا خطورة الاكتفاء
بالحلحلة. وهذا ما تسعى اليه القوى الدولية والاقليمية الى اقناع المعنيين به. ففي
العراق تحاول ادارة بوش اقناع المالكي بأن المسودة الاولى للمعاهدة لم تعد هي مشروع
المعاهدة وان تعديلات (تخديرية) قد أُدخلت عليها، وبالتالي فان الرضوخ لضرورة
موافقة العراق عليها هي حاجة لأمن العراق، وبالتالي تفسر ادارة بوش للرأي العام
الاميركي ان موقف المالكي ومقتدى الصدر وغيرهما يستند الى المسودة الاولى ولا يأخذ
في الاعتبار التعديلات التي ادخلت عليها. كما ان ادارة بوش في آخر مراحلها لا تريد
ان تجعل من ارثها في العراق عبئاً ثقيلاً يقلص احتمال فوز جون ماكين، وبالتالي تصبح
ادانة المرشح الديموقراطي اوباما عقاباً صارما لإرث بوش وافشالاً لماكين.
ثم تأتي عودة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس الى اسرائيل والضفة الغربية بعدما
اتخذت حكومة ايهود اولمرت قراراً بانشاء ثلاثة الاف وحدة سكنية في القدس الشرقية
استباقاً لاي محاولة تقوم بها واشنطن لاستعادة "المفاوضات" من جهة وللحؤول دون عودة
العلاقة والتفاهم بين "حماس" و"فتح" وبخاصة اعادة الحياة والحيوية الى اتفاق مكة
وجهود اليمن ومصر في هذا الصدد. وقد وظفت ادارة بوش ولاسيما وزيرة الخارجية رصيداً
كبيراً من الجهد والوقت من دون اي نتيجة سوى دفع عملية الانشطار من خلال تعويم
"السلطة الوطنية" من جهة والاستمرار في وضع "حماس" في خانة "الارهاب" مما شكل مصيدة
كادت ان تطيح مستقبل انجاز فلسطين في تأمين الحد الادنى من الحقوق الشرعية.
وفي الشأن اللبناني صرح الرئيس بوش في باريس انه يؤيد "قوى الديموقراطية والحرية"
وأرفق هذا "التأييد" بتحريض على "حزب الله" الموصوف بـ"الارهابي"، وكأن السعي
الدؤوب الى الوحدة الوطنية في لبنان هو بمثابة طعن في اهلية سياساته لحل قضايا
المنطقة. وفي العراق وفلسطين ولبنان لا تزال ادارة بوش في آخر ايامها تعمل لتدمير
اي وحدة وطنية في اي من هذه الكيانات. اما الفوضى الخلاقة التي ساهمت في ارسائها
فأدت الى ادراك عربي – باهت لضرورة العمل للحلحلة لكون النظام العربي القائم لا
يزال عاجزاً عن اختراق تناقضاته وتجاوزها ولملمة مواقفه تمهيدا لتنسيقها وتفعيلها
وبالتالي فهو يكتفي بالحلحلة... والمهم ان لا تتحول بديلاً من الحلول الجذرية
المطلوبة والممكنة.
الاهم ألا نستسيغ التخدير... وان نصر ونصر على الدواء.
بقلم كلوفيس مقصود
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |