الطاقم السياسي بين تعقيدات المنطقة وعقد عناصره 

  د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

Jul 29, 2007


كيف يمكن اللبنانيين الابحار وسط تعقيدات اقليمية ودولية تحوط أزمة لبنان التي تبدو مستعصية على الحلول المقبولة، والتي تزيد تفاقمها العقد المعطلة لدى معظم قادة الطاقم السياسي القائم بشقيه المعارض والحاكم؟
هذا السؤال شديد التعقيد، لكن صعوبة الاجابة عنه يجب ألا تحول دون استشراف رؤية واضحة المعالم قادرة على اختراق ما يبدو اليوم مستحيلا، ولكنه مرشح لان يكون ممكنا. نقول هذا مع وعي ان علينا ألا نخلط بين ما نتمناه وفرص ما يمكن، او بالاحرى، ما يجب انجازه. ان خطر عدم بلورة رؤية مستقبلية للبنان الحاضر من شأنه اهدار ما تبقى من معنى لشعبه، وبالتالي من مقومات رسوخ انتمائه، وتعريضه لمزيد من فقدان المناعة وما يستتبع ذلك من افقاده القدرة على تقرير مصيره.

* * *

آلمني كثيرا قرار قيادة الجيش إلغاء الاحتفال بعيده يوم اول آب. وتأثرت ان هذا الالغاء يجيء في ظرف يخوض فيه الجيش معركة شرسة مع خلية ارهابية يبدو انه وشيك الانتصار عليها، كما ان الغاء الاحتفال سيحرم التلاميذ الضباط، وإن موقتا، النجوم الصفراء لكون مراسيم تعيينهم برتبة ملازم لن توقع. وهذه من افرازات الانشطار بين افرقاء الحكم.
اذا كانت قيادة الجيش تستطيع تجاوز هذه الهفوة دليلا على انضباط المؤسسة العسكرية، فإن تلويح قائد الجيش بالاستقالة في حال استمرار الانشطار دليل مرة اخرى على ان العماد ميشال سليمان المواطن يختزل المطلوب كما اكدنا في السابق عندما قال "التنازل من هنا وهناك ليس ضعفاً بل هو كبر وترفع وشعور عال بالمسؤولية". لذا يمكن الاستنتاج ان "اختزال المطلوب صار هو المطلوب... وبالحاح".
واذا قارنا ما هو مطلوب بما هو حاصل فنلاحظ ان استمرار معركة "حك الركاب" في المتن الشمالي بين الرئيس امين الجميل والعماد ميشال عون مؤشر الى ان المرفوض لا يزال اكثر رجحاناً على المطلوب. الا ان حدة السجال العقيم بين هذين القائدين تشير بدورها الى ان الخصومة تحولت عداء، كما ان احتدام عشوائية خطاب كل منهما تنطوي على نزعة اللااكتراث بمطالبات المرجعية الروحية الحكيمة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير ورغبات المجتمع المدني والمواطنين الذين يعانون الخوف ويرغبون في الأمل... لعل مجلس الشورى غداً يستطيع أن يعيد بعض الانضباط بعد الفلتان المتنامي. 

* * *

واذا كانت المعركة الضارية في المتن الشمالي لعرض عضلات الزعامة المارونية، على ما تشير شراسة تبادل الاتهامات، فلعل الناخب في هذه الدائرة يبدي امتعاضه بالامتناع عن المشاركة واحتجاجه على عجز الطاقم السياسي عن التوصل الى حل لمعضلة ثانوية في نهاية الامر، ان لم تكن هامشية.
وتتزامن هذه المعركة - "الحرب" مع محاولات دؤوبة يقوم بها وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير لمعاودة الحوار، الذي من شأن معركة المتن تأخيره وإن موقتاً، وعلينا ان ندرك ان الدور الفرنسي هو دور مساعد وميزته انه يخفف وطأة محاولة الاملاء الاميركية التي تنطوي على استمرار إعطاء الاولوية لاسرائيل في حسابات اميركا للمنطقة العربية، هذا لا يعني ان المساعدة الفرنسية تصطدم بالسياسات الاميركية، لكنها في المنطقة وخاصة في ما يتعلق بلبنان تتباين وفي بعض تجلياتها تختلف معها. وهكذا يدفع الطاقم السياسي الى ان يستعيد الحوار في اعلى مستوى ممكن، وان تشارك فيه كما اشرنا مراراً فئات من لاطائفيي المجتمع المدني الذي كان حضوره في سيل سان- كلو ضئيلاً، لكنه كان حاضراً. والمهم ان يتجاوز المستوى الاول من المتحاورين عقدهم المعطلة حتى يصب حوارهم في حلحلة التعقيدات المتراكمة.
وتستتبع ذلك الحاجة الى الافادة من "المساعدة" الفرنسية لكون نجاحها في معاودة الحوار اللبناني - اللبناني وحل العقد المعرقلة يفتح فرصة لازالة اسباب الانشطار الحالي.
والمطلوب الاتفاق على رئيس وليس مجرد التوافق، فالتوافق يعني عدم اعتراض أي من الاطراف على الرئيس المقبل، وفي الظروف الحالية وعدم الاتفاق، يزيد في إضعاف رئاسة الجمهورية. اما الاتفاق على الرئيس الآتي فيعني ان تستعيد الرئاسة دورها وهيبتها وصدقية توجهاتها. كما ان الاتفاق ينطوي على اقتناع برؤية الرئيس القادم وتطلعاته وليس مجرد "عدم الاعتراض" عليه.
الأهم ان يجيء الرئيس من خارج التجاذبات السياسية والطائفية، وان يكون، رجلاً أو امرأة من خارج اي وصاية وليس في حالة عداء مع سوريا. واذا جاء الرئيس الماروني من مؤسسة لا طائفية فهذا يشكل الضمان الذي غاب عن لبنان وحال دون المناعة التي تجعله في منأى عن الاستباحات المتكررة مما جعل ثرثرة المتدخلين بديلاً من الحوار المطلوب.
وهذه ملاحظات مدفوعة بجعل المطلوب مرغوباً، وجعل المطلوب المختزل مرغوباً تفصيلاً لرؤية مغيبة وحكمة قادرة على الفعل. ان الفرصة متوافرة فلا تدعوها تفوت... والا انتصرت العقد وبقيت التعقيدات.
        

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net