شهادة الزيادين استنفرت حكمة مغيبة

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

April 29, 2007


هل كان ضروريا ان يستشهد الشاب زياد قبلان والفتى زياد غندور حتى تعاود الحكمة المغيبة دورها التصحيحي في معضلة لبنان المستعصية على الحلحلة والحل؟ هل كان من الضروري ان يستشهد الزيادان بالطريقة الفظة والبشعة والحقيرة التي رافقت مقتلهما ووضع جثتيهما بالاسلوب الذي مورس، حتى يستفيق الوعي على ان ركاكة المعادلة الطائفية السائدة هي السبب الجوهري لسرعة فقدان المناعة في الجسم الوطني والاجتماعي؟ هل كان ضروريا ان يؤدي حادث مثل الذي حصل الى تهديد السلم الاهلي؟ هل كانت هذه الجريمة النكراء مطلوبة ليتهيب الجميع وليدركوا ان فلتان الخطاب المذهبي والطائفي يهدد مقومات الدولة والكيان ايضا؟ هل كان من حاجة الى هذه المأساة لنكتشف ان ما يجمع اللبنانيين هو اكثر وأعمق بكثير مما يفرّقهم؟


اسئلة تستوجب وقفة تأمل وفترة امتحان وعملية مراجعة ونقداً للذات لدى جميع الذين تمسكوا بالنظام الطائفي والتشكيك في الآخر والتخويف المتبادل والطمأنة من خلال التكاذب وتحويل زعامة الطائفة بمثابة مهنة يحرص فيها الكل – كما كل من يرغب في ا ستباحة لبنان – على ترسيخ المذهبية الطائفية مرادفة للبقاء واستمرار المهنة واقصاء الغير.

•••

لكن ما حصل في اليومين الاخيرين – وقبلها في جولة رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط في القرى والدساكر في المنطقة التي يمثلها، هو ان خطابه المهدىء ساهم في شكل رئيسي، في ترجيح الاعصاب على العصبيات، والتعقل على استحضار الغرائز، كما ساهم في تمكين الدولة في مرحلة كادت جاهلية الانتقام أن تبعثر مكونات المجتمع وتنهي كل احتمالات الحوار في ما بينها وحتى المتسمة بالتكاذب. فاذا تشرذم المجتمع استحال قيام دولة.

•••

لذا فأن مأساة قتل الزيادين تتحول بالضرورة شهادة، لكونها حلقة بين المرفوض السائد والمطلوب الضروري. الغصة بالنسبة الينا جميعاً تبقى في حلقة وجداننا، او ما تبقى منه، والحرقة تبقى عند اهل الزيادين، وبالتالي يجب عدم الاكتفاء بالتعزية، بل الاعتذار أيضاً، والاعتذار يجب ان يكون عملية تفكير في، اننا، وبالاخص زعماء الطوائف، لم نجب حتى الآن عن الاسئلة الملحة التي طرحتها جريمة قتل الزيادين.

•••

رغم هذا السواد الذي يفسّر حالة القنوط التي يختبرها اللبنانيون اجمالا، ورغم الافق السياسي بسبب تهميش مشاريع تسوية واعدة، وبالتالي الاوضاع المأزومة التي تفرز نعرات مذهبية طائشة، ورغم الاحتقان الذي يدفعنا الى استدراج التدخلات التحريضية، فان استفاقة الضمير في الايام الاخيرة ردعت المهاترات حول مواضيع الرئاسة والمحكمة، وخصوصاً النزاعات المتفرقة التي يمكن حصولها. والمطلوب الآن ان يتحول خطاب وليد جنبلاط والتجاوبات مع مضمونه، حواراً هادفاً وليس لتسجيل نقاط، بحيث يصبح التوافق حول القضايا العالقة هو الذي يحدد مسيرة الحوار، لا ان يكون الحوار كما كان سابقاً بمثابة الحوار من اجل الحوار، اي انه عاجز عن اي استهداف او انجاز.
لذا، كيف نترجم ما نعنيه مقولات "شركاء المقاومة" و"شراكة الضاحية وطريق الجديدة" و"تعامل الجميع كان ايجابياً"؟
اعتقد انه يعني، او يجب ان يعني الانفراج من الانسداد، وان مضامين الخطابات الاخيرة هي مدخل لاختراق مطمئن، وان الضاحية هي بعد مؤسس للبنان متجدد، وان الطريق الجديدة هي الطريق الجديدة حقاً لتغلب الحكمة.
العزاء يكمن في ان شهادة الزيادين لن تكون مثل ما سبقها، اي عبثية، ونرجو ان يشكل هذا التمني، او بالاحرى هذا التقويم، بلسماً لجرح آل غندور وقبلان.


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net