هل القمة قادرة على احتواء النقمة؟

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

March 24, 2007


منذ اتفاق مكة شاعت توقعات بأن القمة العربية سوف تضع أسساً لضمان حلول عدد من القضايا التي لا تزال مستعصية على المعالجة، لكن الانجاز الذي أدى الى قيام حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية أتاح إقفال ثغر في الجسم السياسي العربي استنزفت كثيراً من مصداقية العرب وفاعليتهم، اضافة الى دماء شعوبهم المهدورة، خصوصا في العراق وفلسطين والصومال والسودان. اعتقد العرب ان اتفاق مكة أرسى قاعدة للتعامل مع معظم، ان لم يكن كل، المشاكل العالقة والتي قد تنشأ مستقبلا، وبالتالي استبشروا خيرا بآلية لديبلوماسية وقائية قد تنشأ، ويعود الى الجامعة العربية دورها الفاعل والى الاقطار العربية رغبة صادقة للتنسيق الجدي في ما بينها مما قد يقلص احتمالات التشرذم الحاصل قوميا وداخل العديد من أقطار الأمة العربية.


لكن التوقعات الواعدة لم تعد بالوضوح المطلوب كأن ما كان منتظرا من القمة يندرج في باب التمني اكثر من قراءة دقيقة للواقع. واستتبع بروز هذه الفجوة بين التمني والواقع ان تساؤلات عدة ورغبة عارمة في الاستيضاح فرضت نفسها. وصار لزاما إما الاجابة عنها وتوضيح ما يرافق الاعداد للقمة من بعض ملابسات ومداخلات تقلص فرص جعل قراراتها مرجعية موثوقاً بها والتأسيس لمناعة فقدناها نتيجة ما اختبرناه من تبعثر في العلاقات القومية، وبالتالي تناقص في مصداقية ما نقول، وتآكل في جدية المواقف والقرارات التي نتخذها. ولذا حتى لا نبقى في المصيدة التي نجد انفسنا فيها، وبالتالي لتستعيد القمة المنعقدة بعد يومين نجاعة ما انجزته السعودية في الشأن الفلسطيني لا مفر من شفافية اجوبة ووضوح في معادلات تتسم بالغموض والإبهام.

•••

نبدأ بالشأن الفلسطيني لكونه يختزل معظم الاشكاليات وتداعياتها الناشئة عن ا لصراع العربي – الاسرائيلي، الذي تشكل القمة – او كادت - الفرصة لاعادة النظر في السياسات التي اتبعت للتعامل معه، والتي آلت الى المزيد من تفاقم النزاع الفلسطيني – الصهيوني، والى انعكاسات هذا التفاقم على استقرار المنطقة ومستقبل السلام والتنمية فيها. لقد كنا في ما مضى نتحدث عن إحكام الطوق على اسرائيل لردع تماديها في "روتنة" استباحتها لحقوق الفلسطينيين خصوصا والعرب اجمالا، واذ بها تقفز فوق الطوق وتسعى بدورها، وبمساعدة اميركية واضحة، الى كسر ما لا نزال نعتقده طوقا – وقد تحول وهما – من خلال تعزيز علاقات مع احتياط التأبيد الذي احتضن قضايا العرب دوليا (وقد اعود لاحقا الى هذا الموضوع عندما اشير في مقال مقبل الى انطباعات عن زيارتي الاخيرة للهند).

•••

إذاً في الشأن الفلسطيني لا بد من مراجعة لحصر "المعالجة" بآلية الرباعية التي تأخذ على عاتقها، او بالاحرى، تحتكر تحديد معالم التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية. وفي هذا الموضوع لا بد من طرح العديد من الاسئلة على القمة بغية دفعها الى الاجابة، وبالتالي اتخاذ القرارات الناجعة، والتي من خلالها يستعيد العمل العربي المشترك اولا صفته عملا مشتركا، وتالياً كونه أكثر التصاقاً بالمعاناة ومشاعر الاحباط السائدة في ما سمي خطأ "الشارع العربي"، وبالتالي ترجح القمة اولوية استرجاع ثقة الشعوب بها كي يبحر العرب وسط الاعاصير العاتية الى شاطىء هدوء واستقرار مرحليا، ثم السلام العادل.
وفي ما يتعلق بـ"الرباعية"، صار لزاما على القمة اعادة تفعيل العلاقات مع الكثير من الدول وقطاعات الرأي العام العالمي، بعدما بدونا من خلال المراهنة على الادارات الاميركية للتوصل الى الحلول كأننا كنا نعاقب من يؤيدنا ونكافىء من يقف حجر عثرة معرقلا حقوقنا. واذا كانت "الرباعية" بمثابة تجسير، خاصة انها ضمت اليها الامين العام للامم المتحدة. وفي هذا الصدد اعتقد ان على القمة ان تطالب الامين العام للامم المتحدة بالانسحاب الفوري من "الرباعية"، ويصبح هذا الطلب اكثر الحاحا عندما تدرك ان "الرباعية" هي التي فرضت الحصار على حكومة "حماس" المنبثقة من انتخابات حرة في الاراضي المحتلة، ووجه الغرابة هو ان يكون الامين العام السابق والحالي عضوا فيها. لماذا؟ لان الامين العام هو عرفا وتعريفا القيّم على كل قرارات الامم المتحدة، اي الامين عليها، وقد ساهم بموافقته على قرار الحصار وغيره من الاجراءات التعسفية في تهميش وتمييع وفي بعض الاحيان في الغاء العديد من قرارات الامم المتحدة الصادرة عن الجمعية العمومية ولجانها او مجلس الامن او عن محكمة العدل الدولية. وان بقاء الامين العام في اللجنة الرباعية يقلص عمليا فرص اللجوء الى مؤسسات الامم المتحدة. والامين العام يساهم بعضويته في اللجنة الرباعية في احراج العرب لدى تعاملهم مستقبلاً مع المنظمة الدولية. هذا الموضوع في غاية الأهمية، وأعتقد ان على القمة ان تأخذ ملابسات حضور الامين العام في "الرباعية" على مجمل الجد، ولعل مطالبتها بهذا الشأن يجعل القمة العربية تساهم في اعادة مركزية الأمم المتحدة الى تأكيد حقوق الشعب الفلسطيني بدلا من التهميش الذي تعانيه في الحالة الراهنة، والتي تمعن في التهميش لكون امين عام الامم المتحدة رضي بدور "هامشي" في الرباعية ويمنحها بالتالي، او يمنح تحيزها الفاضح، شرعية غير مستحقة، اضافة الى كونها مناقضة للشرعية الدولية التي يفترض ان يكون مؤتمناً عليها.

***

... ثم جاء ما يمكن وصفه بالبدعة اي نشوء "الرباعية العربية". كيف تم انشاؤها؟ هل انبثقت من قرار لمجلس الجامعة العربية؟ على ماذا تنطوي وكالتها؟ ولماذا تجتمع مع وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس قبيل القمة؟ قد يكون لهذا الاجتماع بعض الفوائد الغائبة عنا، فما هي فائدة اجتماع "الرباعية العربية" مع السيدة كوندوليزا رايس؟
قد يأتي جواب "الرباعية العربية" ان الدول العربية التي تتشكل منها هذه "الرباعية" هي دول سيدة ولها علاقات ثنائية مميزة بالإدارة الاميركية والتساؤل بالتالي عن ضرورة او نجاعة في غير محله. قد يكون هذا الرد منطقياً، وكون طرح السؤال يندرج تحت بند "التطفل"، فالإنطباع السائد ان هذا الاجتماع قبيل القمة ربما يساهم في تمييع، ان لم يكن اجهاض، قرارات مطلوبة تتوقعها الشعوب العربية. كما ان سياسة المحاور من شأنها اداء دور اعدادي في التوقيت الآني لخلق حالة من الارتباك يحرف القمة عن اولويات التزامات قومية برهن اتفاق مكة عن امكان صيرورتها والحاجة الملحة الى ترجيح الوحدة القومية على ما تنطوي عليه سياسة المحاور من اجترار لما نحن عليه من عجز. لذا يبدو بديهياً ألا يسود هذا الانطباع، فتفقد مؤسسة القمة دورها الممكن، والذي ننتظر ان يفاجئنا انظمة وشعوباً بأن يعوّد الامة على رعاية دافئة لما تزرعه القمة من بذور اذا اينعت فقد تؤول الى اخراجنا من المصائد – والمصائب – التي اوقعنا الانقسام فيها.

***

الاهم إذاً هو ان على القمة الاصرار على ان لا تفعيل لأي مبادرة، أكانت سعودية او غير سعودية، اذا ادخلت تعديلات على المبادرة العربية للسلام التي اعلنت في بيروت تصب في خانة "التنازلات" بخاصة تلك التي تطالب بها ادارة بوش بغية "اقناع" اسرائيل بالقبول بها. ان القمة العربية الساعية الى تأمين حقوق الشعب الفلسطيني دولة مستقلة عاصمتها القدس في الاراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967 وحق العودة لا مفر من ان تطلب الانطلاق من اعتراف واضح من اسرائيل لكونها سلطة محتلة (ولعل الرباعية العربية على ما نأمل استطاعت دفع الادارة الاميركية الى هذا الاعتراف) فالقمة العربية عليها تأمين القاعدة القانونية التي بموجبها تتم مفاوضات ممكنة: اما من دون إرساء القاعدة القانونية لما تنكره اسرائيل عن وضعها في الاراضي الفلسطينية، فسنكون اهم دليل على انها تعمل للاستمرار في شراء الوقت من اجل التمدد، وفي التعامل مع المقاومة الفلسطينية (السلمية او المسلحة) كأنها حركة تمرد على اسرائيل التي لم تعرّف بحدودها منذ انشائها! لكون هذا السؤال لم يطرح، ولكون الادارة الاميركية تتردد في طرحه، هذا ما يفسر اولا التغييرات الديموغرافية وسياسات القمم والتهويد في القدس وكذلك التشويهات الجغرافية التي فرضها الاستيطان والطرق الالتفافية وغير ذلك من الاجراءات التي لا تزال تسبب المزيد من الجرائم ضد الانسانية والاستباحة الروتينية لحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والانسانية. صحيح ان كل هذا معروف لكن القمة لا بد مدركة ان غياب الاصرار على التعامل مع اسرائيل بكونها محتلة يفسر عدم حصول اي تقدم او نتيجة لكل الاتفاقات من اوسلو الى خريطة الطريق الى "رويانوش" الى ما نحن عليه الآن. بل على النقيض تقول اسرائيل للادارة الاميركية انها مستعدة لأن تقوم "بتنازلات" كأنها تتنازل عن اراض تملكها وليس امتثالاً لقرارات دولية تخرقها وتحتقرها، وبدون اي ردع عربي تستمر في سياسة التهويد والتمدد والعمل على الغاء حق العودة.

***

صحيح ان الموضوع الفلسطيني قد يستحوذ على معظم محادثات القمة، ويعود ذلك الى ان فلسطين القضية هي الكاشفة لحقيقة المشروع الصهيوني، ليس في فلسطين فحسب بل في المنطقة، مما يعني ان هذا المشروع الساعي في شكل دؤوب الى تحريم حق العودة، اضافة الى جعل حق تقرير المصير ملغيا، يشكل تحديا واضحاً للقمة، بدليل رد الفعل على اتفاق مكة اسرائيلياً بالرفض القاطع واميركياً في محاولة تكريس انقسام ازاله الى حد كبير ما انجز في مكة، كما ان بعض البوادر الصادرة عن الاتحاد الاوروبي وروسيا قد تساهم في تخفيف المعاناة الانسانية، ولكن لا مفر من الإصرار العربي وبالتالي الدولي على الزام اسرائيل الاقرار بأنها محتلة، والا بقيت المحادثات محادثات وليست مفاوضات، وبقي العمل في هذا الشأن المصيري مجرد تمرينات في العبث.
ويبدو ان الموضوع العراقي والمآسي اليومية ونمو حالة اعتراض الكونغرس على الحرب سوف تكون الموضوع الرئيسي في اجتماعات اللجنة الدولية في العاشر من نيسان، وبالتالي قد يكون من المرغوب فيه التنسيق المحكم بين المشاركين العرب في الاجتماع تعويضاً لغياب عربي مهين في السنوات الأربع الاخيرة، وان تتمكن القمة بحضور جدي مسؤول وملتزم رؤيا واضحة لمستقبل عراق عربي مستعيد لدوره في وطنه الكبير.
***
أما لبنان فالافضل غيابه عن القمة من ان يتمثل بوفدين. ان المملكة السعودية حريصة على لبنان وعلى وحدته الوطنية وهي تسعى بجهد حثيث الى اخراج لبنان من مأزقه، واذا تمثل بوفدين فانه يبلغ القمة امعانه في البقاء في المأزق، فيفرط برصيده وتكون اطلالته معيبة اضافة الى كونها مخيفة. لذا الافضل غيابه. ويبقى ان الساعات المقبلة يجب ان تكون الفرصة لعقلنة قرار تمثيل لبنان في القمة بعد يومين.

 


 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net