في مواجهة مبادرة الردع الاسرائيلية

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

April 22, 2007


... وكأن اسرائيل قررت اتخاذ مبادرة بدورها لردع مفاعل المبادرة العربية وتجلت مبادرتها بدعوة العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني الى القاء خطاب في الكنيست "لتوضيح عناصر المبادرة العربية". بمعنى آخر خسرت اسرائيل تكليف مصر والاردن الاتصال بها لعرض بنود المبادرة العربية وقرارات القمة في شأنها لتتمكن من الرد عليها كأنها مبادرة غامضة وبالتالي تستوجب المزيد من "الاستيضاح وايقاع المبادرة العربية في المصيدة التي وقعت فيها كل مساعي "مسيرات السلام" منذ اتفاقات كامب دايفيد عام 1979 الى "خريطة الطريق" مرورا بأوسلو وواي ريفر وكامب دافيد في عهد الرئيس الاميركي بيل كلينتون. وهذا يعني ان قرار تكليف حكومتي مصر والاردن "الاتصال" باسرائيل كان خطأ ويعوّق تفعيل المبادرة لكونه يوحي ان مبادرة القمة هي نقطة بداية، او كما قال العاهل الاردني "التأسيس" بدلا من ان تكون صيغة الحل المقبولة عربيا، والمتوافقة مع مقتضيات الشرعية الدولية وفق ما عبرت عنها قرارات الامم المتحدة في الجمعية العمومية ومجلس الامن والمحكمة الدولية.


وهذه المبادرة العربية مطروحة للمجتمع الدولي كي يدرك انها تنطوي على نهاية مطاف لما يعتبره العرب الحد الادنى لسقف الحقوق العربية عموما والفلسطينية خصوصا. اسرائيل وحدها تعتبر النواحي المطلبية في المبادرة هي الحد الاقصى، وبالتالي يجب استدراج العرب الى المزيد من التنازلات حتى تنال موافقة اسرائيل على التعامل معها. والاهم هو أن يعرف العالم ما هو الالتزام العربي، ولكن على المجتمع الدولي وخصوصا الادارة الأميركية ان تنتزع من اسرائيل توضيحا نهائيا لما تطالب به اسرائيل وليس ان تجتر التعميات المعهودة بعدم اعلان حدودها وعدم اقرارها بأنها "محتلة" وانها رافضة العودة وأنها مصرة على ضم القدس عاصمة "ابدية ازلية" وابقاء نظام التمييز العنصري للمواطنين العرب فيها.


بازاء الوضوح في المبادرة العربية والغموض المتواصل في مبادرة اسرائيل الرادعة لها، على القمة العربية طرح المبادرة على جلسة خاصة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة ومجلس الامن وذلك على اساس "اللهم اشهد اني قد بلغت" وان تكون هذه مبادرة خطوات التفعيل، لا ان نباشر اضفاء صلاحيات لمن يقوم بالخطوة الاولى من النظامين العربيين اللذين لهما علاقات ديبلوماسية مع اسرائيل. نقول هذا من منطلق التقويم لواقع التطبيع الذي ترجمته حاجة لدى العرب اكثر مما هو معادلة تبادلية فلم يأت الا بمزيد من خرق حقوق الفلسطينيين ومزيد من العدوان والعناد في تنفيذ توسعها واستيطانها داخل الاراضي المحتلة وخرق كل مواثيق حقوق الانسان ولاسيما منها حق العودة.


لذا لا بد من اعادة النظر فورا في قرار جعل الخطوة الاولى الاتصال الاردني – المصري باسرائيل، واستبداله بعقد جمعية عمومية للأمم المتحدة وثم التعجيل في خطوات تفعيل المبادرة بحملة ديبلوماسية واعلامية ذات بعدين، تنويري وتفنيدي، وهكذا نزيل الالتباس الذي دفع وزيرة الخارجية الاسرائيلية ليفني الى القول ان "عربا آخرين لا مجرد من "لنا علاقات معهم" عليهم ان يأتوا".

• • •

الى هذا الاجراء الفوري على القيمين على تفعيل عناصر المبادرة استيعاب الاطار الاقليمي الذي يحوط، والذي قد يعرقل عددا من الخطوات المطلوبة للمبادرة. في هذا المجال يلفت مثلا ان وزير الدفاع الاميركي ريشارد غيتس، خلال زيارته لاسرائيل قبل اربعة ايام اكد للمسؤولين الذين قابلهم "ان مبيعات الاسلحة المتطورة للمملكة السعودية ودول خليجية اخرى لن تشكل تهديدا لتفوق اسرائيل العسكري، بل انها ضرورية لمواجهة التهديد من ايران". واشار الوزير الاميركي الى "ان ايران تشكل تهديدا لاسرائيل اكثر من الدول العربية التي قد تتسلم اسلحة متطورة". وطلب من اسرائيل على ما ورد في "النيويورك تايمز" امس (21 نيسان) "اقناع حلفائها في الكونغرس الا يعارضوا هذه الصيغة"، رغم ان الاعتراض الاسرائيلي "سجل بهدوء" على ما قال المسؤولون الاميركيون.


نشير الى هذه المعلومات كي ندرك مدى التنسيق الاستراتيجي الحاصل بين اسرائيل والولايات المتحدة، مما يعني ان على القيّمين على المبادرة اولا الا يتركوا للادارة الاميركية تعريف طبيعة العلاقات العربية – الايرانية، خصوصا في ضوء كلام الوزير الاميركي وذلك بمقارنة "الخطر الايراني" بادمان اسرائيل عدوانيتها على فلسطين ومصالح الامة العربية. وهذا مفصل مهم جدا، اذ يفترض حق السيادة للدول العربية المعنية ان تحدد طبيعة علاقاتها مع كل من ايران والولايات المتحدة من دون ترك التفسير لأي منهما لطبيعة علاقات العرب مع الغير.


هذا يعني ان خطوات تفعيل المبادرة العربية يجب ان تحاول جديا البقاء في منأى عن الانجذاب الى حالة التوتر والنزاع الاميركي – الايراني، لأن اسرائيل تريد فرض مشروعها من خلال توظيف التباينات والاختلافات بين ايران وبعض الدول العربية لترشيح نفسها رائدة "الاعتدال" بالمفهوم الاميركي السائد، وإعطاء الانطباع ان "المخاوف العربية من ايران" هي الواقع، وليس التوافق العربي الذي تعبر عنه المبادرة العربية. أما اشارة المسؤول الاميركي الى ضرورة ألا يعارض حلفاء اسرائيل في الكونغرس الصفقة الاميركية مع دول الخليج، فتفرض على القيمين على تفعيل المبادرة القيام بحملة عربية جماعية موحدة حيال الكونغرس، خصوصاً ان الاكثرية الديموقراطية في مجلس الشيوخ والنواب لا تزال في حال تأييد اسرائيل، الا ان العلاقات الوثيقة بين اسرائيل والمحافظين الجدد واليمين المتمثل بنائب الرئيس ديك تشيني يجعل معظمهم في حال استعداد، وإن لم يكن تقبل فوري، للاستماع جدياً الى مواقف عربية مدروسة بشرط ألا ينزلق الموقف القوي الى مواقف فرعية أو اتصالات جانبية تؤول الى افقاد فاعلية التنوير والتفنيد من جهة، وافقادنا الاحترام الذي بدونه لا تفعيل مسؤولاً للمبادرة.

•••

ورغم ان المشاكل العالقة في عدد من الاقطار العربية قد تشكل مدخلاً الى ارباك مسيرة تفعيل خطوات المبادرة، خصوصاً في ما يتعلق بتركيا وقيادة كردستان العراقية وموضوع دارفور والتدهور في الصومال والتباعد بين موقفي الحكومة والمعارضة في لبنان، الا ان حق العودة للاجئين الفلسطينيين قد يكون مع عروبة القدس المحتلة، البند الأهم في أولويته.


الا ان الصعوبات التي تواجه هذا الموضوع، أو البند الرئيسي في المبادرة، صار أكثر الحاحاً، خصوصاً ان لجوء أكثر من مليوني عراقي الى دول عربية يجعل قضية العودة مركزية، لا في ما يتعلق باوضاعهم المأسوية الانسانية فحسب، بل لأن استباحة حق الفلسطيني في ارضه ووطنه وحق العراقي فهما يستعملان معالجة "حق العودة" مجدداً كأولوية انسانية اضافة الى كونها اولوية قومية. وكما قال مفوض الامم المتحدة لشؤون اللاجئين رئيس وزراء البرتغال السابق انطونيو جيناريس اخيراً: "اننا في حاجة الى ان نساعد كلاً من سوريا والاردن وفي الوقت نفسه ان نبقي حق العودة لجميع اللاجئين. واضاف: "بدون هذا الأمل، يتحول اليأس خطراً". واضاف المفوض العام للاجئين في ما يتعلق بحق العودة للفلسطينيين اللاجئين: "ان هذا أقسى حالة لهم".
ان تزامن الحالة شبه الجماعية للاجئين العراقيين ومثلهم الفلسطينيين يشكل بعداً اضافياً لتجعل المبادرة العربية واقع اللجوء، وان اختلفت الظروف التاريخية، بنداً رئيسياً في التحرك المطلوب... وفي سرعة قبل أن تصبح مبادرة الردع الاسرائيلي بأكاذيبها هي السائدة. والأهم الا نوازي السرعة المطلوبة بالتسرع، فالوقت يدهم، وعلينا ادراك ان المبادرة العربية هي فرصة قد تكون الاخيرة لاختراق الساحة العالمية واعادة فتح ملف القضية الفلسطينية في مواجهة "الأبارتايد" الاسرائيلي.


الى القيمين على تفعيل المبادرة العربية: بدون وحدة جادة للموقف لن يكون للموقف الفعل المطلوب.


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net