| الدرس من اتفاق مكّة |
د. كلوفيس مقصود |
|
Feb 25, 2007 |
ما هو الخطأ، أو بالأحرى ما هي الخطيئة، التي ارتكبها خادم الحرمين الشريفين الملك
عبدالله بن عبد العزيز عندما رعى اتفاق مكة المكرمة بين منظمتي "فتح" و"حماس" الذي
آل الى العودة الى وحدة وطنية لن يكون بدونها للشعب الفلسطيني قضية ولا لحقه في
تقرير مصيره اي فرصة للانجاز؟ لماذا هذا الاستياء الاميركي المتلطي بمفردات العتاب؟
قد نفهم أسباب الغضب الاسرائيلي ولما قامت به المملكة العربية السعودية في هذا
الاتجاه، ولكن لماذا يتساءل بعضهم من غير الأميركيين والاسرائيليين في شأن هذا
الاتفاق؟ ان اتفاق مكة المكرمة كان تعبيراً بمنتهي الوضوح على التزام قوي له اولوية
على كل العلاقات الدولية ولا يمكن اخضاعه الى اي اعتبارات اخرى أكانت سياسية
استراتيجية ام اقتصادية. ميزة الموقف السعودي انه اعتبر التقاتل داخل فلسطين من
المحرمات، وكانت المبادرة تلقائية وفورية عبرت عن اولوية المسؤولية القومية على كل
ما عداها من علاقات ومسؤوليات.
صحيح ان المبادرة السعودية التي اعادت اللحمة الى الحالة الفلسطينية تناقض الثنائية
التي ارادت الادارة الاميركية ان تفرضها والتي تريد ان تختزل المخاض العسير في
الوطن العربي بانه صراع بين قوى الاعتدال والتطرف. فالمنطلق القومي يفترض ان كلما
كان هناك ابتعاد عن العدالة تناقصت فرص ما سمي بـ"الاعتدال". منها الثنائية التي
تحاول الادارة الاميركية فرضها تصر على ان العدالة تعني ويجب ان تعني ان يكون
الاعتدال في مواجهة التطرف. ان مبادرة خادم الحرمين التي انجزت اتفاق مكة بين
الفصيلين الرئيسيين ادت الى استقامة المعادلة المطلوبة وفعّلت منهجا من شأنه ان
يطبق في حالات عربية اخرى، في لبنان والعراق والسودان والصومال وغيرها، مع أخذ في
الاعتبار للتباينات في الظروف الموضوعية لكل من هذه الاقطار المأزومة.
ما يفسر الاستياء الاميركي من اتفاق مكة المكرمة هو ان الادارة في واشنطن اعتبرت
المبادرة السعودية محاولة عربية نجحت في بدء عملية فك الحصار عن الشعب الفلسطيني
المفروض عليه من اللجنة الرباعية، وتنامى الاستياء لأن رئيس السلطة محمود عباس تمرد
على محاولة "الرباعية" سجنه في دور تلغى معه جميع الحقوق الوطنية والانسانية
للفلسطينيين والمعترف بها من الشرعية الدولية. صحيح ان رئيس السلطة عوتب من جهات
عربية طرحت نفسها "وسيطة" وحاولت اقناع القيادة الفلسطينية بحصر الحوار استنادا الى
مداخلات "الرباعية" والانصياع لخريطة الطريق باعتبار ان من شأنها ان تكون واعدة
بضرورة الدولة الفلسطينية مما دفع الرئيس عباس الى الانتفاضة لأن الفلسطينيين "شبعوا
من الوعود" وعبثية "رؤيا بوش" والتي تكاد تقارب "رؤيا المحافظين الجدد" في "ديموقراطية
العراق".
لذا يتجاوز ما حققه اتفاق مكة الاتفاق بين الفلسطينيين الى انه أرسى خطاً يؤكد
اولوية المصلحة القومية والتمسك بهذه الأولوية كناظم مرن للتعاملات مع مختلف القوى
الاقليمية والدولية.
الدرس الذي يمكن الافادة منه ان المنهج الذي اتبعته المملكة العربية السعودية في
الشأن الفلسطيني يمكن استحضاره الى حد كبير في ما يتعلق بالشأن اللبناني. وفي لبنان
وصلت الحكومة والمعارضة الى مأزق مقلق للغاية، ومن تبعاته ردع احتمالين مهمين
يتعلقان بمستقبل لبنان، كياناً ورسالة وتنمية ومناعة. السؤال: هل يمكن المنهج الذي
اتبع في انجاز مكة ان يخرج لبنان من مأزقه الحالي؟ الى حد كبير ورغم التعقيدات
الجواب نعم. فالمصلحة اللبنانية، على غرار المصلحة الفلسطينية تقضي بأولوية الوحدة
الوطنية. لكن المنهج الذي اتبع في اتفاق مكة عجل في تحقيقه كون خطر التقاتل كان
قائماً. في الحالة اللبنانية هناك توجس سائد يتطلب، استباقاً، دعما فورياً وسعياً
دؤوباً للخروج من المأزق الخانق الذي يشكل خطراً حقيقياً. ونقطة الانطلاق هي كيف
يمكن تجاوز المعادلات الحسابية لتأليف حكومة الوحدة الوطنية من 19/10/1 او 19+11
الى ما اوسع واكثر جذباً وعاملاً لاحماً، لا "وحدة" تؤكد تكاذباً متبادلاً ومستندة
الى تهديدات مبطنة كأن فريقي الحكومة يتعايشان بشروط كانت هي اسباب، وجذور، المأزق،
بدلا من حكومة وحدة وطنية تلتزم معالجة جذرية لاسباب المأزق وسيادة القلق.
في هذا الاتجاه يبدو لي ان اي مبادرة توظف المنهج الذي اتبع مع الشأن الفلسطيني يجب
ان يوفر الايجابيات التي ظهرت في مؤتمر باريس 3 والتي من شأنها إرساء قواعد متينة
لدرء أخطار نواقص التنمية وكذلك أخطار الاستقطاب بين الثراء – الفاحش احياناً
والفقر الداهم، كما تعمل على تفعيل انجازات صمود المقاومة وبالتالي تعميم ثقافتها
لتكون مساهمة لبنانية ما في توفير المناعة العربية اجمالا ضد سياسات التطبيع
والميوعة التي تدعي المرونة، هذا الدمج لما انجزته كل من الحكومة وما انجزته
المقاومة، أي ما يسمى بـ"الاكثرية" و"المعارضة" يتطلب استعدادا لمراجعة نقدية لسلوك
كل منهما واعتماد نقد للذات واطلاق استراتيجية للتنمية الديموقراطية وتعميم المناعة
الاستقلالية الارادة.
وهذا يعني استيعاب حقيقتين، أولاهما ان لا مفر من علاقات سليمة بناءة مع سوريا، كما
على سوريا أن تنهي الالتباس بأن يكون بين لبنان وسوريا ما بين باقي الدول العربية،
أي علاقات ديبلوماسية. اقول هذا مع غصة وشعور بحرقة حادة، إذ اني مبدئياً أرى ان لا
لزوم لاستبدال العلاقات القومية الدافئة والقائمة بين الشعوب بعلاقات ديبلوماسية
عادية، ولكن اذا أدت هذه العلاقات الى طمأنة للقطرين السوري واللبناني، وبتردد شخصي
شديد أقول... فلتكن!
اذا المنهج الذي اتبع في مكة المكرمة يمكن تطبيقه في الحال اللبناني. صحيح انه
ستكون ممانعات من فئات لبنانية راهنت – او ارتهنت؟ على قوى دولية واقليمية وغيبت عن
نفسها ان هذه القوى غير العربية تتعامل من منطق اولويات مصالحها مع الآخرين،
وبالتالي يتحول التعامل استعمالا لتناقضاتنا في خدمة مآرب الغير. بمعنى آخر على
فريقي الاكثرية والمعارضة إرساء الوحدة الوطنية والحكومة المنبثقة منها على اساس
دمج انجازاتهما وليس على ترقيع عقيم.
يؤدي مسلسل من التهدئات المتقطعة. وهذا يوفر الطمأنينة المستمرة ويزيل المخاوف
الظاهرة والدفينة ويمنع لبنان من ان يبقى عرضة لتجاذبات دولية واقليمية، ان اتفقت
فعلى حسابنا وان اختلفت فعلى حسابنا ايضا.
المبادرة التي حققت اتفاق مكة عليها ان تصبح منهجا عربيا، ولعل القمة المقبلة في
الرياض تعيد الى العروبة الحصانة الموحدة بين مواطني الامة وتجعل التنوع الاثني
والمذهبي مدخلا الى الانفتاح بدلا من أن يتحول التنوع مهالك عرقية وطائفية ويستنزف
دماء سخية وصدقية مطلوبة.
القمة يجب ان تتجنب اجترارا لمعظم ما قامت، او بالاحرى لما لم تقم به القمم السابقة
وأن تخترق الواقع المحبط الى استراتيجية لواقعية جديدة تؤكد اعتماد الاولوية
القومية بدون تشنج، والتعامل مع المجتمع الدولي بكل اطيافه بمرونة خلاّقة.
ونتمنى في النهاية ان تخرجنا قمة الرياض من القاع الذي نجد اننا فيه، وان تكون
القمة... قمة.
كلوفيس مقصود
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |