المحكمة والمحاكمة والحكم

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

May 15, 2007


لم يعد جائزاً ان يكون قيام المحكمة ذات الطابع الدولي مجالاً للبحث. على المحكمة ان تقوم ويفترض ان تكون حاجة لبنانية لردع اي ارتكابات اجرامية، مثل مسلسل الاغتيالات التي حصلت، ولضبط السلم الاهلي وطمأنة المواطنين الى المستقبل الذي يستحقونه.
الا ان التعامل مع مقتضيات تأسيسها يجب ان يأخذ في الاعتبار سرعة قيامها، ولا تكون مجرد انجاز قانوني كبير، بل يجب ان تستقوي قانونية المحكمة بشرعية التوافق – إن امكن اجماع اللبنانيين – على التزام نجاعتها والدوافع التي آلت الى قيامها.
هذان الاقتناع والالتزام هما من البديهيات التي علينا التسليم بها لان الاجماع حولها يجعل ما تنتجه من احكام خروجاً من القلق الذي يكتنف سلوكنا ويعطل التلاحم الوطني، وبالتالي يحررنا من حرقة الانقسام وفقدان المناعة لكل من الدولة والمجتمع.
واذ يبدو ان تأسيس المحكمة تحول موضوعاً محورياً، فهذا يعني ان قيامها لم يعد قابلاً للجدل. وهذا يعني ان اي ملاحظات جزئية او تعديلات في الشكل لا تعني، ويجب الا تعني التشكيك في دوافع المطالبين بعرض الاقتراحات التي قد ترى الاجماع حولها، وان يعامل من يرغب في تقديم اقتراحات بهذا الشأن على انه حريص على تمتين الاجماع. واذا كان من ملاحظات فيجب ان تعرض بدون اشتراط حكومة وحدة وطنية، لان هذا قد يفسر تأجيلاً وعرقلة لمسيرة قيام المحكمة من جهة، ويمهد للتهديد باللجوء الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة. فالملاحظات حق، كما ان الاشتراط المسبق لعرضها خطأ، واذا استمر يصبح خطيئة.
اذاً، كيف علينا ان نتعامل مع ما نعتقده ضرورة لصون المحكمة مما يوصف بـ"التسييس" او اعطاء الانطباع ان "الجدل" حولها ادى الى تسييسها. التسييس لا يأتي من الملتزم، بل من القوى التي تعمل على احتكار ملكيتها. من هذا المنظور لا مفر من تأكيد ما هو مفترض ان يكون مسلمات بديهية. بمعنى ان قيام المحكمة ذات الطابع الدولي ليس في ذاته حكماً. بل ان قيامها هو نقطة انطلاق لمسيرة محاكمة. والمحاكمة بدورها تفترض صدور نتائج التحقيق وعناصر تسلم الى المدعي العام وفريق دفاع، عندئذ تصدر الاحكام وتعرف الحقيقة وتؤخذ الاجراءات اللازمة التي تقتضيها الاحكام. وعلى رغم اني اعتبر ان التذكير بان قيام المحكمة نقطة بداية وليس نهاية مطاف، فان الخطاب الجدلي الذي – يحبط لدى الطاقم السياسي – اكثرية ومعارضة يدفعنا احياناً الى التذكير بالبديهيات. ثم ان اعطاء الانطباع بان قيام المحكمة هو بمثابة الحكم يحرج مسبقاً القضاة اعضاء المحكمة، وهذا بدوره يسيء الى ضرورة ان يعتبر جميع الاطراف المحليين والدوليين انها تتسم بالموضوعية والتجرد، وحتى عدم وجود افكار او احكام مسبقة. فالحرص على قيام المحكمة ينطوي على جعلها تنأى عن اي سجالات عقيمة وتركها للمعنيين، مسؤولين لبنانيين ودوليين من اجل استكمال تأسيسها.
واذا توافر مناخ لابقاء المحكمة في منأى عن الخطاب السياسي السائد، عندئذ تصبح المحكمة ذات الطابع الدولي عنصرا رئيسيا في تعزيز اللحمة الوطنية، وتصبح احكامها تمهيدا لاستقرار مرغوب واستئنافا لسياسات واعدة. ونأمل ان يحصل هذا بتعاون وثيق مع الشقيقة سوريا عبر اجهزتها مع القوى الامنية في لبنان باعتبارها كانت مسؤولة عن الامن عند اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولكن كول الجهاز الامني السوري كان مسؤولا لا يعني انه مدان بالضرورة. بل ان المسؤولية تعني انه مطالب بتوفير ما يتيسر له من معلومات للجان التحقيق، وبالتالي ان يكون مع الجهاز الامني اللبناني عرضة للمساءلة. فالمسؤولية تعني انه على استعداد للمشاركة في تقصي الحقائق وتوفيرها للسلطات المعنية. وكما اشار المحقق الدولي سيرج برامرتس، فان السلطات السورية المعنية قد ابدت تعاونا مع لجنته، وبالتالي كان مستغربا ان يقول الرئيس بشار الاسد في خطابه الاخير ان المحكمة شأن لبناني مع الامم المتحدة. صحيح انها شأن لبناني، لكن هذا لا يلغي واقعه ان الجهاز الامني السوري كان مشاركا في المسؤولية آنذاك، وبالتالي، فكون موضوع المحكمة شأنا لبنانيا لا يخرج الامن السوري من مسؤولية الاستجابة للمساءلة. من هنا لم يكن ضروريا ان يلح على ان سيادة سوريا اولوية، وهذا التأكيد سليم، لكن ان تصبح السيادة تخليا عن مسؤولية سابقة في لبنان، توحي ان التجاوب مع التعاون مع لجان التحقيق يشكل انتقاصا من سيادة سوريا. وهذا المفهوم المطلق للسيادة
ينطوي على اسقاط للمسؤولية الامنية التي شاركت سوريا في ممارستها من التاريخ... وكأنها لم تكن. ان هذا الاسقاط من شأنه ان يستدرج المتربصين بسوريا وبدورها القومي لزرع مزيد من بذور التشكيك التي تعرقل استئناف العلاقات القومية الدافئة التي يتوخاها اللبنانيون، والتي اذا تعطلت موقتا فلا يجب ولا يجوز ان تصبح حالة سائدة. المهم في هذا الشأن ان تساعد سوريا لبنان في سعيه الى تأمين العدالة حتى يتم ما يتوقعه المواطن اللبناني أي السلم الاهلي، لا العدالة على حسابه ولا الامن الاهلي على حساب العدالة، كما ورد في حيثيات قرارات مجلس الامن لقيام المحكمة.
لذا، كما ان المطلوب عدم تسييس المحكمة، كذلك نرجو ألا تكون مسيرة قيام المحكمة مدخلا لتجاذبات ومزايدات اقليمية ودولية تعمل على اختراق سيادة لبنان وسوريا معا، بل ورغم الصعوبات الراهنة، فان حرص الدولتين على سيادتيهما يجب ان يشكل صيغة الاستقواء المتبادل، وبالتالي وضع ركائز علاقات قومية تتميز بامكانات استئناف علاقات دافئة رافدا لتصحيح النتوءات المتكاثرة في الحالة العربية، وخصوصا في العراق وفلسطين.
التعامل مع المحكمة ذات الطابع الدولي من جانب سوريا ولبنان هو خميرة لاستقامة العلاقات العربية – العربية. فالمتربصون كثر، لكن فرص سلامة المسيرة اكثر، اذا قبلنا التحدي وتجاوزنا المرحلة.

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net