|
فلنخرج خطابنا من التلعثم |
د. كلوفيس مقصود |
|
May 21, 2007 |
قبل أن أبدأ هذه العجالة
ورد نبأ الاتفاق على "وقف القتال" بين حركتي "فتح" و"حماس". الواقع ان هذا الخبر
مثل الاقتتال ذاته اغضبني لكونه يجيء مكرراً وبالتالي لا يدين الاقتتال ولا يعتذر
للشعب الفلسطيني ولا تقوم القيادات في الفصيلين بأي مراجعة لاسباب تجدد الاقتتال
ودوافعه وتكرار "اتفاقات وقف القتال".
تتصرف كل من "فتح" و"حماس" كأن ضبط الفلتان الأمني رهن بمزاجية سلطوية وان الرئاسة
والحكومة سوف تبقيان في منأى عن المساءلة والمحاسبة، لذا صار لزاماً على جميع
المعنيين فلسطينيين وعرباً أن يركزوا جهودهم السياسية والفكرية والاعلامية والدولية
على النفاذ الى الدوافع التي آلت الى الاقتراب الخطير من الهاوية، وصار مفروضاً
ايضاً أن نخرج أنفسنا من المسايرة والمبايعة العمياء ومن الابتعاد عن الالتزام
المتواصل لضرورة، وحتمية، تحرير فلسطين وتخليص القضية الفلسطينية من احتمال تحولها
مسلسلاً لمشاكل عصية على الحل، وبالتالي تصبح مدخلاً الى مزيد من التقوقع في دولنا
العربية والى تفاقم الاهتراء في اطر العمل الفلسطيني.
جميع المعنيين يتساءلون لماذا وصلنا الى هذه الاوضاع؟ من العيب ان نحمل الشعب
الفلسطيني وحده مسؤولية ما يعانيه لكوننا جميعاً مسؤولين، وإن بدرجات متفاوتة، عن
الكوارث التي لم تعد محصورة بفلسطين بل تمس اقطاراً عربية أخرى، وسرعان ما تفقد
فلسطين القضية مركزيتها فيصل التفكك في الوطن الى التفتيت في المجتمعات العربية.
فالحرص على فلسطين ليس مجرد التزام مبدئي بل مصلحة وطنية ومجتمعية لسائر الاقطار
العربية.
لذلك صار لزاماً علينا ان ننفذ الى جذور الازمة القائمة في الحالة الفلسطينية لأن
ما هو حاصل في فلسطين في شقيها المحتل والمغتصب يندرج في المشروع الصهيوني الذي
يتقصد الانهيار الكامل للعقد العربي بدءاً من دول الطوق ثم يتعداها الى مواقع
القدرات الحالية والمستقبلية للحؤول دون تصليب مناعة الاوطان والمجتمعات التي تتكون
منها الأمة العربية.
•••
اعرف ان التلعثم يحدث في النطق. اما المشهد الفلسطيني الحالي فيشعر الواحد منا بأن
عجزنا عن الكتابة الواضحة ناتج من تلعثم في فهم ما يحصل واستيعاب دوافعه. ونتساءل
كيف ان ما اعتبرناه منذ وعينا من المحرمات صار مجازاً، وان ما ترسخ في اقتناعاتنا
كونه مستحيلاً صار ممكناً ومكرراً الى درجة يمكن تصريفه، والعياذ بالله، بصفته نمطاً
سائداً. بمعنى آخر ان مجرد التكهن بأن اقتتالاً فلسطينياً قد يحصل كان يعتبر كفراً،
وكانت الادانة فورية وفاعلة. ولكن لن نسمح لما نعتبره تلعثماً ان يعطل الحاجة الى
مصارحة انفسنا - جميعاً كوننا نعتبر فلسطين هوية نضالية - هل لا تزال هذه المقولة
قائمة؟ قائمة ومكبوتة احياناً. ومقموعة معظم الاحيان. ولاقتناعنا بأننا شريحة من
هذه الهوية علينا ان نشارك في عملية المراجعة النقدية والمصارحة بأن تجربة
استقلالية القرار الفلسطيني التي اعتمدت في قمة الرباط عام 1974 قد اخفقت. ان
استقلالية القرار الفلسطيني هذه مهدت في الواقع لتطبيعات مبكرة وساهمت في ما يعتبر
الخروج الجماعي من النظام العربي عن استعداداته لمواجهة المشروع الصهيوني. وهذا
بدوره أدى الى وقوع القضية الفلسطينية في مصيدة اتفاقات اوسلو، وبالتالي تحول
القرار المستقل انسلاخاً عن المخزون الذي انطوى عليه الالتزام القومي العربي مما
اجاز ممارسة دول عربية "استقلالية" قراراتها. وكانت حصيلة هذا التدهور تآكل ثقافة
المقاومة بكل ابعادها. حتى عندما تمكنت المقاومة اللبنانية من انجاز اربك اسرائيل
واستحضر تناقضاتها اندفع النظام العربي نحو تطويق هذا الانجاز، مشيراً الى ان مشروع
اي مقاومة جادة تحاصر فوراً وتستبدل ببدائل مجتزأة.
•••
المؤلم حقاً هو هذا العبث بمعاناة الشعب الفلسطيني المصمّم على تجذر انتمائه وبلورة
صموده وامعانه في التمسك بحقوقه الوطنية والانسانية والذي يجد نفسه مغتربا عمن سلم
مصيره اليهم من القيادات الآخذة بدورها في فقدان الثقة التاريخية بها. لذا، المطلوب
حالا الخروج من المأزق ببلورة ثنائية الاحتلال الاسرائيلي والمقاومة الفلسطينية.
هذا يعني ان لا الرئاسة رئاسة ولا الحكومة حكومة ولا السلطة مشروع دولة ولا تبوؤ "حماس"
مسؤولية حكومة هو مقاومة. الالتباس القائم يجب ان يزول وبالتالي تسترجع الحقيقة
القائمة سلامة المعادلة، وان تكون منظمة التحرير اطار الشعب الفلسطيني بكل شرائحه
واذا كانت ثمة محادثات او مفاوضات فلا تكون محصورة بمن هم يرزحون تحت الاحتلال.
بمعنى آخر اعادة تعريف الشعب الفلسطيني بكونه يعاني الاحتلال واللاجئين والدياسبورا.
كل هذه الشرائح التي تعيش تجارب مختلفة عليها ان تعيد التعرف بعضها الى بعض. لقد
اثبتت تجارب العقدين الاخيرين ان النضال الفلسطيني يحتاج الى مرجعية وليس الى "وزراء
وسفراء"، الى قادة يستعيدون صدقية "ثورة ثورة حتى النصر" وليس "سلطة سلطة حتى القبر".
علينا ان نعتبر الوحدة الوطنية الفلسطينية الاولوية واعادتها الى كونها اولوية
عربية، ثم اولوية الوجدان العالمي. ويجب ان تصير تعريفا للواقعية الجديدة خصوصا ان
من خططوا للقضاء على حقوق الشعب الفلسطيني بدأوا بمسيرة التبعثر والانحلال. وما هو
حاصل للمحافظين الجدد وآخرهم معلمهم وولفوفيتز هو بداية لمسيرة التصحيح ومؤشر الى
ان التفاؤل ممكن وان الشعب العربي الفلسطيني لن يستقيل.
المهم ان نخرج خطابنا من حالة التلعثم وسياساتنا من التبعية والتطبيع وان نستعيد
ثقافة المقاومة حتى يسترجع العرب الاحترام الذي كادوا ان يفقدوه. والاهم ان نسترجع
المقدرة على صناعة تاريخنا فلا ننبهر بسطوة من يعملون على صناعة تاريخنا ومستقبلنا.
كلوفيس مقصود
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |