الحيـــــــاد الايجــــابي اللبــــناني:
مـــــن أيــــن وإلى أيــــن؟

 

د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

Feb 22, 2007


يبدو ان مبادرة ما قيد التداول، تتعلق بدعوة لبنان الى تبني سياسة الحياد الايجابي في المجالين العربي والدولي اذا أمكن. وقد اشار الاستاذ غسان تويني الى هذه المبادرة في حديث تلفزيوني الى محطة NBN الاسبوع الماضي. ورغم ان الاقتراح الذي تتضمنه المبادرة لا يزال قيد الدرس، اعتقد انها جديرة بالبحث الجدّي، ولعلها تعيد الى لبنان وهجه في حضوره العربي، اضافة الى كونها تنطوي على احتمال أن تبقي لبنان في منأى عن تجاذبات واختراقات لا تزال تهدد الوحدة الوطنية. كما ان سياسة واضحة في الشأن القومي تساهم في تعزيز مناعة الدولة في حضورها المتميز على الساحة الدولية.


لكن حتى تكون سياسة الحياد الايجابي قابلة للحياة، لا بد من تحديدها بدقة وشرح معناها بما يلبي غاياتها واهدافها.


ولقد جاءت ممارسة سياسة الحياد الايجابي اثناء الحرب الباردة لتوجد فسحة لا تضطر فيها الدول والمجتمعات الحديثة الاستقلال في القرن الماضي الى اختيار الانضمام الى احد الحلفين، الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة، أو الاتحاد السوفياتي. وكان لجواهر لال نهرو دور رائد في تعبئة الدول الحديثة الاستقلال لتأكيد معنى السيادة والاستقلال بما يتجاوز الرموز الملتصقة، بما تعنيه، الى ما هو أعمق وأشد اصالة، اي استقلالية الارادة وسيادة الاولويات القومية. فلا الديموقراطية الرأسمالية ولا الاشتراكية الشمولية تلبيان حاجات التنمية الانسانية، بل حرية الاختبار من موقع ما سمي في ما بعد سياسة عدم الانحياز. صحيح ان الدعوة الى مثل هذه السياسة في مرحلتي الحياد الايجابي وعدم الانحياز اعتبرت "غير واقعية"، الا انها ظلت صامدة وأدت دوراً رئيسياً في ردع الاملاءات الآتية من موسكو او واشنطن. كما ان حركة عدم الانحياز استولدت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تضامناً يؤكد اولويات التنمية. وأخذت قيم سياسات الحياد الايجابي تتكيّف مع المتغيرات وبخاصة معادلة "الشمال والجنوب" التي رسخت الاقتناع بأولوية تعجيل التنمية الانسانية، وتالياً البدء بمكافحة الفقر ودفع منظمة الأمم المتحدة الى تفعيل انتاج المعرفة وتمكين المرأة ودعم ثقافة الحريات الديموقراطية، اضافة الى ضرورة ايجاد آليات للديبلوماسية الوقائية للحيلولة دون تفاقم الازمات والحروب العبثية وويلاتها على شعوب الجنوب.


•••
نشير الى هذه الخلفية لنؤكد ان الدعوة الى الحياد الايجابي ترسيخاً للوحدة الوطنية، تجيز للحكم وللمعارضة التنافس على ترجمة استقلالية الارادة ولدفع اولويات التنمية والبيئة والاستقرار، وتالياً ممارسة الحرية وتأمين العدالة وجعل المواطنة - لا الطائفية - المدخل الى علاقة مباشرة بين المجتمع والدولة. اذذاك يتم الحكم الرشيد من خلال المساءلة والمحاسبة عند الضرورة. اذاً نستطيع الجزم بأن سياسة الحياد الايجابي في معناها المتطور هي توجهات داخل المجتمع اللبناني، وهنا تكمن احتمالاتها الواعدة.


ولكن حتى تستقيم المعادلة المطلوبة وتربط البعدين الداخلي والخارجي، لا بد ان يجاب عن اسئلة تتعلق، بما تنطوي عليه مبادرة الحياد الايجابي حتى يتم تفعيل المبادرة.


لقد أشار غسان تويني باقتضاب في تعريفه للمبادرة الى كونها "حياداً ايجابياً" في خضم التباينات والتناقضات في الوضع العربي الراهن. ولمّح الى أهمية ان يكون لبنان في منأى عن تداعيات هذه التناقضات على مصالحه وسلمه الاهلي، وبالتالي على وحدة استقلالية ارادته. كما اشار الى ان هذا المفهوم محصور بالواقع العربي الاقليمي، وفي المطلق يبقى لبنان في حياده الايجابي عربياً كما يبقى في حالة نزاع مع اسرائيل.


هذا حتماً يشكل نقطة انطلاق منسجمة ما مع تمليه المصلحة الوطنية كما المصلحة القومية، لكن ألا يعني هذا ان الحياد الايجابي اللبناني لا يمكن ان يكون حيادياً بمعنى الامتناع عن الاسهام في تعريف المصالح القومية، خصوصاً في ما يتعلق بدور الدول العربية في ما يفرزه النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي من مواقف شديدة التباين بين عدد من الدول العربية؟ والحال هذه يصبح "الايجابي" في الحياد اللبناني دافعا للاسهام – وهو قادر – على دفع الدول العربية المتباينة مواقفها الى مزيد من وحدة سياساتها في هذا الشأن المصيري، والا يكون هذا الاسهام مكتفيا بتبني حقوق الشعب الفلسطيني فحسب، بل يجب استنباط الوسائل وبلورة مستقبل الدور العربي الرادع للتمادي الاسرائيلي في التمدد الاستيطاني وما ينتج من ذلك من اخطار تهدد ما يتعدى شعب فلسطين والجولان، الى التحريض على غزو العراق من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة. وفي هذا المجال يتمتع لبنان بامكانات فكرية واعلامية وديبلوماسية ورصيد من الحضور المعنوي.


• • •


ان هذه المبادرة الطموحة ليست مستبعدة التحقيق، بل انها قابلة للحياة. وقد تواجه صعوبات ممن يدعون "الواقعية"، وهم في الحقيقة قابعون في التبعية، وهم قلة. نقول هذا عندما نكتشف توقاً عالمياً الى التحرر من المكبّلات القطبية الاحادية التي عبر عنها اخيراً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في برلين كما عبرت عنها الى حد ما نتائج انتخابات الكونغرس الاميركي الاخيرة. واكثر من ذلك، فما يحصل في العديد من دول اميركا الجنوبية وفي ايطاليا واسبانيا وغيرهما في اوروبا واسيا وخصوصا الصين وماليزيا واندونيسيا، يمهد لهندسة عالم متعدد القطب مع الاقرار بتميز الولايات المتحدة بحيث لا تعود تلجأ الى الاملاء، بل تضطر الى الاقناع. المبادرة اللبنانية في هذا الاتجاه هي خميرة الواقعية الجديدة التي من شأنها ان توفر السلام العادل والتنمية والاطمئنان، وبالنسبة الى اللبنانيين المواطنة المطمئنة، والى لبنان الاستقرار المغيب، والى العرب العودة للوحدة بعد التبعثر.


فالى الداعين الى الحياد الايجابي للبنان، اسرعوا ووسّعوا الآفاق.



 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net