| أيها الفلسطينيون... لا تدعوا الغضب يتحول قرفاً! |
د. كلوفيس مقصود |
|
June 21, 2007 |
أشعر بأن الكتابة تكاد تفقد جدواها. فالحضارة العربية التي أكدت اولوية "اقرأ" كما
ورد في القرآن الكريم، و"في البدء كانت الكلمة" كما في الانجيل، اصبحت مغيبة الى حد
مخيف. والدليل على ذلك ما يحدث حالياً من فواجع في الساحة العربية، وبخاصة في
المثلث المأزوم - فلسطين، لبنان والعراق.
ان هذا الانسلاخ القاطع والأليم بين عراقة الثقافة، وعبثية الحالة يكاد يخرجنا عنوة
من تاريخ أمتنا ومستقبلها ايضاً... وفي الوقت نفسه! فان المشهد الحالي يتلقى ضربة
استباقية لإلغاء مستقبل واعد للأمة وتهميشها وحتى الغاء لما أنجزت في ماضيها.
من هذا المنظور بدأ ينساب ادراك انه لم تعد للحرف حرمة، ولا للكلمة معنى، ولا
للرأي، أي رأي، وقع أو أثر... وكأن ما يكتب أو حتى ما يقال آخذ في التحول تشويشاً
على الواقع الذي أصبح الى حد كبير رهين سلاح المباغتة لدى الارهابيين المحترفين
والترهيب المعاكس المتميز بالفلتان العبثي الانتقامي الذي تمارسه الميليشيات
الطائفية كما هو حاصل في العراق يوماً بعد يوم، حيث بدأت الضحايا ومئات الآلاف من
اللاجئين الى الدول المجاورة يعانون شتى انواع الاذلال والعذاب والبعثرة، اضافة الى
الهائمين الذين يفتشون عن مأوى ولا يعرفون أين هم، وبالتالي اسقطوا مصيرهم من
مستلزمات بقائهم.
وبما ان الارهاب يتمترس وراء اللامبالاة بنتائج العمليات التي يقوم بها، تصبح
المساءلة الاخلاقية غير واردة والمعاقبة المتوقعة - اذا حصلت - بمثابة انتحار
مرغوب. فالارهاب يستسيغ التخويف لكون الانصياع لثقافة الموت أدى الى ازدراء لنعمة
الحياة.
•••
واذا كان الغزو الاميركي للعراق شكل عنصراً جاذباً لجعل العراق ساحة لتصفية حسابات "القاعدة" مع الولايات المتحدة، فإن الاحتلال الاميركي عجز عن التمييز بين إرهاب "القاعدة" وشرعية المقاومة، مما أدى الى الفوضى في استراتيجيات الحرب وسياسة الانكار التي اتبعتها ادارة بوش وتشيني واعتمدت الرضوخ الى تلفيق ادعاءات الادارة مقياساً للوطنية الاميركية، مما ساهم في تعجيل التمرد الذي أدى الى اعادة التوازن واسترجاع الحزب الديموقراطي اكثرية رادعة لتمادي سياسة الاستباحة التي رسمها وعمل على تنفيذها المحافظون الجدد المتناقصة هيمنتهم الآن.
•••
ما يحدث في العراق صار معروفاً، والى حد كبير
مفضوحاً... كما اصبح قابلاً للتصحيح رغم الاخطار التي لا تزال قائمة، واستمرار
الغياب العربي المخجل رغم وجود رغبة عراقية واسعة في استحضاره. وبعد ما شهدته
فلسطين المحتلة من تفاقم الانقسام وسقوط اتفاق مكة المكرمة والممارسات المعيبة التي
رافقت عمليات الانتقام المتبادل وما بدأت تؤول اليه الاحداث من نتائج وخيمة على كل
من "فتح" و"حماس" كما على حاضرهما ومستقبل القضية الفلسطينية بمختلف ابعادها:
التحرير، القدس، العودة. وبخاصة على الذاكرة الجماعية لكل العرب وللوجدان
العالمي... واننا نتوجس اذا استمرت مسيرة الفرقة بين قيادتي الفصيلين وانحدارهما
الى السقوط من الطليعة التي تشكلت بفضل نضالهما في الماضي، رغم الاخطاء الكثيرة
وبعضها جسيم، ان يفقدا ثقة جماهيرهما ويتركا شعب فلسطين هائماً بدون بوصلة ومتابعاً
نضاله بدون مرجعية.
صحيح ان وعينا ارتبط بمركزية القضية الفلسطينية في الفكر والممارسة والالتزام، الا
اننا لم نعد نشعر بغضب عارم كما كنا عندما كانت المقاومة ترتكب اخطاء. كان الغضب
يحرضنا على التصحيح. والغضب تعبير عن مشاركة في المصير لذا كان كثر منا يتغاضون عما
يعتبرونه اخطاء قابلة للنقد، وبالتالي للتصويب. وكانت هناك دائماً اسباب تخفيفية
لتهدئة الغضب. وكنا فخورين بوصف فلسطين ليست مجرد قطعة من الأمة مغتصبة ومحتلة.
مسؤوليتنا استرجاعها، وكان الغضب حيال العراقيل التي نشأت وضعف الالتزام عند ثبوته
واستمرار الانقسام والامعان في سلبياته. وكنا نحرص على أن يكون الغضب رافداً لمناعة
المقاومة مع ادراكنا فلسطينيين وعرباً ان النظام العربي لم يتحمل مسؤولياته القومية
في المستوى المرغوب، ولا يزال. الا ان الحوار والمناقشة وحتى المناكفة أبقت
ايجابيات الغضب.
أما الآن فالغضب امام المشهد الفلسطيني الراهن يقارب دفع الغاضبين الى حالة تقارب
القرف، وهذا عار على القيادتين وعلينا ايضاً!
نقول ان مجرد الاقتراب من الشعور بالقرف امام مشهد التمزق في طلائع النضال
الفلسطيني من شأنه ان يدفع الملايين من الملتزمين والذين يوفرون احتضانا لفلسطين
القضية الى الاستقالة وهذا عيب اكبر من العيب الحاصل.
كيف لا ونحن نشاهد اسرائيل بشخص رئيس حكومتها ايهود اولمرت في زيارته لواشنطن يوصي
بالافراج عن اكثر من نصف مليار دولار احتجزته حكومته ابتزازا على اثر انتخاب "حماس"
منذ اكثر من عام ونصف عام واعطائه للسلطة برئاسة محمود عباس. كذلك تستمر مشاركة
الامين العام للأمم المتحدة بان كي – مون في معاقبة حكومة "حماس" كأنه طرف في حين
يجب ان يكون القيّم على حقوق كل الفلسطينيين.
من جهة اخرى كيف نفسر لأنفسنا اصرار "حماس" على ان تبقى "حكومة" في جزء من ارض
فلسطين المحتلة، ثم كيف نفسر ان الرئاسة الفلسطينية ترضى بتعيين حكومة صلاحياتها
الفعلية محصورة في الضفة الغربية باستثناء القدس؟
أليست هذه صيغة كيانين في فلسطين المحتلة؟ اليست هذه مساهمة في التقسيم؟ الا يعطي
هذا السلوك لكل من "حماس" و"فتح" مدخلا الى "فتحين" و"حماسين" وبالتالي تصبح
المأساة وسيلة للتنكيت من المتربصين وهل ان الشعب الفلسطيني يمكن، بعد التضحيات
الكبيرة ان يتعايش مع هذه الظاهرة المرضية والقاتلة، اذا استمرت؟
وقبل ان يتحول الغضب ادماناً للقرف ثمة فرصة قد تكون الاخيرة لاخراج فلسطين من
المصيدة الخانقة التي اوقعتها فيها كل من "حماس" بتشدد انتقامها و"فتح" بارتهاناتها
المتزايدة هي استنفار فلسطين وعلمائها ومفكريها ونشطائها ومناضليها واصدقائها سواء
منهم الذين همّشوا وغيبوا، ومنهم من بقي على استقامة الالتزام والمقاومة، وهؤلاء
مرشحون لحملة الانقاذ المدروسة. وكل من "فتح" و"حماس" تحتاج الى هذه الخميرة التي
حان الوقت لدورها التنويري. ومن يدعو الى ارجاع الغضب الكامن الى دائرة الفعل؟
ايها الفلسطينيون لا تسمحوا للغضب المضيء بأن ينزلق الى هاوية القرف وظلامها...
وايها العرب ايضا.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |