لئلا يكون اللقاء في فرنسا مرآة لحوار معطّل

  د. كلوفيس مقصود

 glsouth@american.edu 

Jul 20, 2007


القلق عند اللبنانيين وصل الى درجة ان اقصى طموحات معظمهم هو التهدئة. هذا ليس ما اعتبره العالم دائما دور لبنان وميزته ناهيك برسالته، لذلك نريد من لقاء سان-كلو ان يفاجىء اللبنانيين بمعاودة بلدهم دوره ورسالته وبأن تميزه ممكن ويجب ان يكون قدره. لذلك اكدنا ان قادة الصف الثاني يجب ألا يعتبروا ان دورهم "ثانوي". من هذا المنظور، وعلى رغم رواسب الماضي والمواقف المتشنجة التي لازمت مواقف كل طرف من ثنائية "الاكثرية والمعارضة"، يكون امام لقاء سان-كلو اليوم فرصة فريدة لانفتاح متبادل يؤول الى دفع قيادات "الصف الاول" للتصميم على اخراج الازمة من الاشتباك.

•••

نشير الى هذا الامكان لأن ثمة فرصة متاحة للتوافق غيّبتها حالة عربية عاجزة وفراغ عملت قوى اقليمية ودولية على ملئه. الا ان مبادرة فرنسا الى دعوة من يسمون "الاطراف اللبنانيين المتنازعين" الى لقاء سان-كلو، بعد تعثر موقت، يشكل عملية اختراق تعمل رئاسة نيكولا ساركوزي من خلالها على تأكيد تميز الدور الفرنسي عن الدورين الاميركي والاقليمي من دون المس بثوابت علاقات فرنسا دوليا. وقد ظهر هذا جلياً في زيارات الرئيس ساركوزي لدول المغرب العربي كما في دور زوجته في الافراج عن المعتقلين البلغار والطبيب الفلسطيني في ليبيا وبدعوة رئيس دولة قطر الى ان يكون ضيفا في احتفالات 14 تموز امس.
من هذه الزاوية يصبح نجاح لقاء سان-كلو انجازا، كما يدل على استقلالية مطلوبة عن السياسة الاميركية التي تتعامل مع لبنان كونه تعويضاً  جزئيا عن الورطة الاميركية المتفاقمة في العراق. وعلى رغم ان الرئيس ساركوزي يعمل جادا على استقامة العلاقة الفرنسية مع ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش، الا ان دعوته كل اطراف الطاقم السياسي بمن فيهم "حزب الله" رسخ تمايزا واستقلالية يحتاج اليهما لبنان. واذا رافق هذا التوجه تفاهم ما بين المملكة السعودية وايران يصبح ممكنا خروج لبنان من كونه ساحة للتجاذب في النزاع الايراني – الاميركي. ولعل الاتفاق بين ايران والوكالة الدولية للطاقة يشكل صمام امان لاستكمال التنسيق بين لقاء سان-كلو ومجهود الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى.
فمبادرة فرنسا التي عبّر عنها لقاء سان-كلو دون استثناء احد، واعادة تفعيل الدور العربي يشكلان حصانة للبنان تحول دون التدخل وتشجع التعامل الندي مع مختلف القوى الدولية والاقليمية. وبمعنى آخر ان لقاء سان-كلو، على رغم محدودية المتوقع منه، يشكل خطوة رئيسية نحو استعادة لبنان مناعته التي بدونها يبقى البلد الحبيب عرضة للاستباحة، ومواطنوه للاستقالة والاغتراب وادمان قلق متفاقم.

• ● ●

يجيء هذا اللقاء في ظرف يواجه لبنان، وبخاصة مؤسسة الجيش، تحديا من قوى ارهابية تزيد المشكلات السياسية تعقيداً، مما يفرض على لقاء سان-كلو وبخاصة على القادة المشاركين فيه مسؤولية تتجاوز مجرد معاودة الحوار والتشاور الى ما هو اعمق واشمل واكثر الزاما لكون الارهاب لا يرحم، والتوجه نحو الوحدة الوطنية الحقيقية وبالتالي انضاج الحوار الى رؤية مستقبلية تعالج معضلات الحاضر مستنيرة بهذه الرؤية من اجل التمهيد لنظام تتأمن فيه استدامة التطور والتجدد والتنمية والمناعة، بحيث تمنع الارهاب من ان يحصر طموح اللبناني في الاكتفاء بالبقاء.
وهذا بدوره يتطلب من الطاقم السياسي القائم، بأكثريته ومعارضته، الخروج من التقوقعات الطائفية المصطنعة، واخراج المواطنين من حالة الخوف بعضهم من بعض فتتم اعادة التعارف والتمازج وعند ذلك لا تبقى الحكومة والمعارضة في حال الخصومة والعداء، بل التمسك بشرعية الحكم وشرعية المساءلة.
ولا بد من وعي حقيقة قد يحاول بعضهم تغييبها عن وعينا الجماعي، هي ان المقاومة فكريا وعقائديا نقيض للارهاب، وبالتالي ان ثقافة المقاومة عنصر مكوّن للبنان الجديد ويجب الا نبقى محصورة في منطقة او حزب او طائفة. كما ان التعددية في الآراء وتحديد الخيارات وحق التجمع والتسابق على الخدمة تحول دون هيمنة النظم الشمولية ويتضمن حقوق الانسان وحاجاته، وهذه التعددية تصبح مبدعة في وحدة وطنية، ومدمرة في غيابها.
يستتبع هذا بالتالي رجاء الا يكون لقاء سان-كلو مرآة لحوار معطل وانشطارا في مؤسسات الدولة، بل محفزاً للحمة وطنية كلنا في اشد الحاجة اليها وفي شوق عميق الى دفئها.
     


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net