|
فلسطين بعد ستين عاماً أو بعد مائة وستين عاماً أو أكثر من ذلك |
د. عدنان علي رضا النحوي |
|
May 22, 2008 |
بسم الله الرحمن الرحيم
لا أظنّ أن التاريخ البشري شهد قضية مثل قضية فلسطين ، وما تحمل من ظلم وعدوان كبير ، واستكبار في الأرض من المجرمين ، وفساد في الأرض واسع ، وما تحمل في الوقت نفسه من هوان المسلمين وتخاذلهم وتفرّقهم :
|
أمـة الحقِّ ! ما دهاك فأصبحـتِ |
|
شظـايـا تنـاثـرت في النجـادِ |
|
كُلّما رُمْتِ مُلْتقىً كنـتِ في السـا |
|
حـةِ أَوهى من حفنـةٍ من رمـادِ |
|
*** |
|
*** |
|
يا ديـار الإسـلام ! مالك أَصْبحـ |
|
ـتِ شتـات الأهـواء والأنجـادِ |
|
كيف مُزِّقْتِ ؟! كنتِ عهداً مع اللـ |
|
ــه وجمع القلـوب والأعضـاء |
|
كُنْتِ عزْمـاً لنُصْـرَة الله ساحـاً |
|
وربـى مـن مـلاحـمٍ وجهـادِ |
|
كُنْـتِ ظـلاَّ مـن الهجيـر نديّـاً |
|
ومــلاذاً لـخـائـفٍ وشِـرادِ |
|
كُنْـتِ أمـنـاً للخائفيـن وعونـاً |
|
لـضـعـافٍ وعـزَّةً لـجـوادِ |
|
كُنْتِ نـوراً على البسيطـةِ مُمْتـ |
|
ـدّاً وهديـاً مع الليالـي الشِّـدادِ |
|
كيف ضاعت منكِ الأماني فأصبحـ |
|
ــتِ غُثـاءَ الهـوانِ والأحقـادِ |
|
أطْبَـقَ المجرمـون فـوْقَ ربانـا |
|
واستباحـوا الحِمى وساحَ البـلادِ |
|
*** |
|
*** |
ليست القضيةُ كبرَ الأعداء وشديد عدوانهم وإجرامهم فحسب ، ولكنها في الدرجة الأولى هواننا نحن المسلمين وتراجعنا عن رسالة الإسلام ، وعدم وفائنا بعهدنا مع الله ، وهو عهد مفصّلٌ بيِّن في الكتاب والسنة ، مؤكَّد مع جميع الأنبياء والمرسلين والمؤمنين المسلمين الذين اتَّبعوهم على دين واحد هو دين الله ، دين الإسلام .
وأكثرنا في شعاراتنا لوم الأعداء ولومهم ومجابهتم حقٌ ، ولكننا لم ننظر في أنفسنا ، كأننا نريد من أعداء الله أن يُشْفِقُوا علينا ونحن متفلّتون ، غير مستمسكين بدين الله ! ولم نعد كالذين وصفهم الله فقال عنهم :
( وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ )
[ الأعراف :170]
شغلنا أنفسنا باتهام الأعداء ومثالبهم ، ولم نلتفت لأنفسنا وأخطائنا وانحرافاتنا ، ولم نبذل الجهد لإعداد القوّة التي تحمى الديار ، ولا الجهد لبناء الأُمة المسلمة الواحدة صفاً كالبنيان المرصوص .
بعد هذا التاريخ الطويل نسبياً لقضية فلسطين لا يُعقل أن يكون الحديث استعراض الأحداث ، فقد كُتِبَ عنها الكثير الكثير . ولكننا نريد أن نخرج بالفهم السليم والوعي الصحيح للأحداث ، لنحدّد الصواب والخطأ على ميزان حقٍّ ، ونرسم الدرب والأهداف على صراط مستقيم .
وأول ما نذكر به أنفسنا والدرس الذي يجب أن نتعلمه هو أن مع وجوب دراسة الأعداء ومعرفة أساليبهم وجرائمهم والتنديد بها ، يجب في الوقت نفسه أن لا ننزّه أنفسنا عن الخطأ ، ويجب أن ننصح أنفسنا بصدق وصراحة وأمانة :
|
مالـي ألـوم عدوّي كلما نزلـتْ |
|
بي المصائـب أو أرميـه بالتُّهـمُ |
|
وأدّعـي أبداً أني البـريء ومـا |
|
حملتُ في النفس إلا سقطة اللَّمَـمِ |
|
أنـا الملـومُ فعهـدُ الله أحملُـهُ |
|
وليـس يحمله غيري من الأمـمِ |
ويجب أن نتذكر بأن كل ما يجري في هذا الكون يمضي على قضاء من الله نافذ وقدر غالب وحكمة بالغة وسنن لله ماضية ، وعدل قائم لا ظلم معه أبداً .
ولنستمع إلى قوله سبحانه وتعالى :
( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) [ الشورى :30]
فأعتقد أن الخلل فينا نحن المسلمين ، وأنه خلل ظاهر للعيان ، فهل نتوب ونؤوب ونعود إلى الله صادقين !
في مسيرتنا خلال هذه السنوات برزت مظاهر واضحة نوجزها بما يلي :
1. غلبة الضجيج والشعارات والمظاهرات والارتجال ، وغياب الرَّوِيَّة والتفكير ، وغياب التناصح .
2. غياب الدراسات المنهجيّة العميقة التي تحمل الأهداف وتحدّدها بصورة واضحة على أن تكون الأهداف ربانيّة ، وتكون الدراسات إيمانيّة ملتزمة بالكتاب والسنة ، إلا القليل ! .
3. على أساس من الروية والتفكير ، وصدق التناصح ، والدراسات المنهجية الإيمانية ، والأهداف الربانية ، كان يجبُ أن توضع خُطّة العمل والمسيرة لتحقيق الأهداف الربانيّة ، والتي من أولها وأهمها بناء الأمة المسلمة الواحدة صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص ، الأمة التي تتابع المسيرة لتحقيق باقي الأهداف عبادة لله وطاعة له .
أعداؤنا لا يعملون ارتجالاً ، وإنما يضعون خطة تحدّد لهم الأهداف الإجرامية والوسائل والأساليب والمراحل على ضوء الإِمكانات التي يطورونها والقوى التي يزيدونها . ولنأخذ مثلاً عملياً : فقد كان عدد اليهود في فلسطين سنة 1944م بحدود 528.702 ، وكان عدد المسلمين في الوقت نفسه في فلسطين 1.061.277 .
واليوم أقام اليهود لهم دولة أصبح عدد سكانها سبعة ملايين نسمة من اليهود والعرب . والعرب يبلغ عددهم 1.13 مليون نسمة .
كيف استطاع اليهود بناء دولتهم بالمكر والخداع ، وبناء القوة ، وجمع الأنصار على مستوى دولي خلال فترة ليست بالقصيرة . وكوّنوا لهم صفّاً من القوى الدولية لا يتنازل عن دولتهم ، صفاً متراصّاً ! كيف أمكن لهم أن يقيموا دولتهم وسط بحر محيط من المسلمين ؟ أين كان المسلمون ؟!
وفي المقابل تمزّق المسلمون شيعاً وأحزاباً ، وأصبحت قضية فلسطين تنتقل من مرحلة إلى مرحلة : من قضية إِسلامية ، إِلى قضيّة عربيّة عُزِل عنها العالم الإسلامي ، إلى قضية فلسطينية ، عُزِلَ عنها العرب والمسلمون . ونرى هنا المفارقة الكبيرة : اليهود يجمعون حشودهم وصفوفهم وقواهم والقوى المؤيدة لهم ، ونحن نعزل قوانا واحدة واحدة ، تحت شعارات مختلفة .
أُولئك لم يلجـؤوا إِلى الله ، ولم يضعوا نهجهم إلا على أسس شيطانيّة ماديّة ، ولكنهم على هذا الأساس فكّروا ودرسوا وخططوا !
ونحن لم نلجأ إلى الله ، ولم نضع نهجاً ولا خُطّةً ، ولا جمعنا صفّاً ... ! فكيف يأتي النصر ، وكيف نسترجع الديار ونحررها ؟! والله قد فتح السموات والأرض لكل من يريد أن يعمل !
ربما ظن بعضنا أنه لو لجأ إلى هذه الدولة أو تلك ، واستمدّ منها السلاح والمال ، تحت نفس الأُسلوب : ضجيج الشعارات وغياب النهج والخطة ، والانتقال من فتنة إلى فتنة ، وانقسام الصفوف ، وزيادة انقسامها ، معتمدين على هذه الدولة أو تلك ، التي لم تمدّهم بصدق الإيمان وحسن اللجوء إلى الله ، ولم تمدّهم بخطة أو نهج إلا لإثارة الفتنة هنا وهناك ، ربما ظنّوا أن هذا قد يقودهم إلى النصر ! كـلا ! ربَّما يوفّر لهم ساحات إعلامية يظهرون بها ، ومتعاً يستمتعون بها ، وإن كلّ ذلك إلا مرحلة عابرة إلى حسرة طويلة .
لا خلاف أن على المسلمين أن يستيقظوا ويفيقوا من غفوتهم وسباتهم ، وأن لا يُخْدَعوا بالشعارات التي تُخدّر ! وأن يعرفوا مسؤولياتهم التي سيحاسَبون عليها بين يـدي الله ، ومسؤولياتهم التي كلّفهم الله بها فتخلّوا عنها ، وتفرَّقوا شيعاً وأحزاباً ، كل حزب بما لديه فرحون ، والله يقول :
( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ آل عمران :105]
والقضية الأخرى التي يجب أن نعيها اليوم ، أن القضيّة لم تعد قضيّة فلسطين ، إنها أصبحت قضية العالم الإسلامي كله . إنها كانت كذلك منذ البداية . إن المجرمين في الأرض أدركوا بعد تجربة طويلة لهم مع الإسلام ، أنه لا يمكن التفاهم مع هذا الدين لتأمين أطماعهم وعدوانهم وظلمهم . أدركوا أنه دين حق لا يقبل المساومة على الحق . فلم يعد أمامهم من مجال كي يُؤَمِّنُوا إِشباع أطماعهم ونهب خيرات الشعوب ، بعد أن سدَّ الإسلام أمامهم كل سبل العدوان والظلم والنهب ، إلا أن يُزيحوا الإسلام من طريقهم ليخلوَ لهم طريق الظلم والنهب والعدوان والإفساد في الأرض . إنهم يعبدون أطماعهم الظالمة الإجرامية ، ولا يؤمنون بدين إلا أن يستغلُّوه لتوفير أطماعهم التي يعبدونها من دون الله .
فجمعوا كلّ تجاربهم مع الإسلام ابتداء من بعثة محمد r إلى معركة الأحزاب وسائر معـارك الإسلام في تاريخه الطويل ، والحروب الصليبية وغيرها ، فوضعوا على أساس ذلك خطتهم المفصّلة ونهجهم الطويل ، لتدمير العالم الإسلامي ، لِيَشُقُّوا طريقهم إلى كل الخيرات والثروات والكنوز . وما تركوا وسيلة من وسائل الإفساد والفتنة والانحرافات الفكرية ، وتوهين اللغة العربية ، وإبعاد المسلمين عن الكتاب والسنة ، وغرس الفرقة بينهم ، ونشر الحزبية لتمزّق الأمة أو تزيد في تمزيقها ما تركوا من ذلك شيئاً إلا فعلوه بتعاون تام بينهم وتنسيق كامل .
ففُتِح العالم الإسلامي أمامهم وفتحت القلوب ، فضربوا ضربتهم الكبيرة بإنهاء الخلافة الإسلامية واحتلال معظم العالم الإسلامي من شمال أفريقيا إلى بلاد الشام والعراق إلى الهند وباكستان والسودان وغيرها ، وتمزيقها إرباً إرباً .
وكانت إقامة دولة لليهود في فلسطين جزءاً رئيساً في هذا المخطط الإجرامي الكبير ، لتكون دولة اليهود قاعدة رئيسة في عدوانهم المستمر على العالم الإسلامي . ولذلك نجد أن جميع الدول الغربية أمريكا وأوروبا وروسيا واليابان والصين واستراليا وغيرها تدعم دولة اليهود دعماً مكشوفاً معلناً ، دعماً غير عاديٍّ ، يُمثِّل دعم صفّ متماسك متساند في دعم دولة اليهود ، صورة فريدة لا تجد لها مثيلاً في التاريخ أبدا .
هذه حقيقة رئيسة يجب أن ندركها بعد هذه السنين الطويلة . وهذه الدولة اليهودية ، هي القاعدة الرئيسة للتخطيط والانطلاق للمضي في تدمير العالم الإسلامي شيئاً فشيئاً . ونرى اليوم كيف أن قاعدة التدمير ماضية تتسع وتمتدّ من بلد إلى بلد في نجاح متقطع النظير . ونرى كذلك أن بعض أبناء الإسلام أنفسهم أصبحوا عنصراً رئيساً في تنفيذ هذه المخططات الإجرامية ، ويتولّى قَتْلَ إخوانه وأبناء شعبه . ونرى كذلك كيف أن بعض الناس أصبحوا يُشترون بثمن بخس ، وبعمالة قذرة مكشوفة دون حياء .
انظر ماذا يجري في السودان والصومال وتشاد وفلسطين ولبنان وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان والعـراق وسائر أنحاء العالم الإسلامي : صراع ممتد ، ومجازر فوارة ، وفواجع ونكبات ، آخذة بالاتساع .
والحقيقة الأخرى التي تنكشف لنا أن خيوط القضية ، قضية فلسطين ، كلها بيد الدول الكبرى التي تحرّك القوى العاملة كما تشاء ، بالاستدراج أو الإرهاب أو الإقناع ، أو أي وسيلة أخرى . وقد يبدو لنا موقف يضجُّ بالوطنية والشعارات المدوّية ، وفي حقيقة الأمر يكون الموقف نتيجة توجيه قوى أخرى هي التي تمدّ هذا الموقف بالمال والإعلام والدعم والتأييد ، مما يزيد الأمة تمزيقاً ، كل فريق ينعق بما يُملى عليه ، متخفياً تحت شعار الوطنية أو الديمقراطية أو العلمانية ، أو المصلحة العامة . أَّما الإسلام ، حتى من حيث الشعار ، بدأ يختفي شيئاً فشيئاً ، حتى صدق فيهم قوله سبحانه وتعالى :
( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) [المؤمنون :53]
والحقيقة الأخرى أنه لم يعد بالإمكان عزل قضية فلسطين عن سائر قضايا العالم الإسلامي في ذلّه وهوانه ، ومشكلاته وصراعه ، وتمزّقه وهوانه ، فبالنسبة للمجرمين هي قضية واحدة ، أما بالنسبة للمسلمين ، فقد شغل كل فريقٍ بمشكلته مما أوهن الجميع !
والحقيقة الأخرى كذلك أنه عمَّ في العالم الإسلامي النزعات الإقليمية والعائلية والقومية والحزبية ، وجميع أشكال العصبيات الجاهلية التي أصبحت هي التي توجّه الأدب والكلمة والسياسة والاقتصاد ، والتربية والتعليم .
لقد مرّت قضية فلسطين خلال هذه السنوات الطويلة : الستين عاماً أو الأربعة وتسعين عاماً ، بمراحل متعدّدة ، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن ، وَهنٌ عام طاغ بين المسلمين ، وتفرّق جاهلي مسيطر أهْلَكَ العقول والنفوس ، والصراع ممتدٌّ بين الفلسطينيين أنفسهم ، الصراع الذي لا يجد فرصة لقاء أو تفاهم ، لأن كل فريق اتخذ أسساً وقواعد ثابتة لديه تختلف عما لدى الآخر ، وتبادل الاتهامات والسباب أبعد كل فرصة للتّفاهم .
وإننا نلمس التناقض الشديد في التصريحات والمواقف . فحين يصدر في وسائل الإعلام شدة الاتهامات بالخيانة ، نسمع في الوقت نفسه الدعوة إلى الوحدة الوطنية والتلاقي . والأعجب من ذلك أن الجميع يتصلون بأمريكا وأوروبا وغيرهما للتفاهم والتفاوض سرّاً ، وآخـرون يجرون ذلك علناً ونهجاً معلناً !
ولكن الضربة الشديدة إلى قضية فلسطين هو التنازل العمليُّ والحقيقيّ ، بغضّ النظر عن الشعارات الإعلامية ، مثل تحرير فلسطين كلها ، ويتستَّر بعضهم في عجزهم وفشلهم في تحقيق شعار التحرير الذي انطلقوا به جميعاً ، خلف ادعاء الهدنة الطويلة المدى ، أسلوب لا يصلح في ميدان السياسة الدولية ، أُسلوب مكشوف يعلن العجز والاستسلام ويخدم الأَعداء ! كأنما كان شعار تحرير فلسطين كلها من الشمال إلى الجنوب ، ومن الشرق إلى الغرب شعاراً يهدف إلى جمع الأنصار والمؤيّدين في سوق التنافس والمزايدات على ذلك . وكأن العمليات الفدائية التي دوّى بها الإعلام كانت كذلك وسيلة لجمع الأنصار ، وإثبات الوجود في الساحة ، فمعظم العمليات لم تكن قـادرة على تحرير فلسطين ولا على القضاء على إسرائيل ، ولا على إلقائها في البحر ! لم تكن هذه كلها إلا مزايداتٍ وتنافساً على الدنيا ، لا يصاحبها نهجٌ واضح عملي ، ولا خطّة مدروسة .
ولا نعتب على هؤلاء وهؤلاء الذين مضوا دون نهج ولا خطة فحسب ، ولكننا نعتب ونأسى على واقع الأمة كلها ، الأمة التي لم يظهر منها أحد يخاطب هـؤلاء وهـؤلاء ويسألهـم : أين نهجكم وخطتكـم لتحقيق الأهداف التي تُعلنونها ؟؟؟!!!
فلننظر إلى نتائج فترة قصيرة ، فترة الانتفاضة الأولى بكل شعاراتها ، وفترة الانتفاضة الثانية بكل دويّها ، فماذا كان الجنى ؟! انتقلت دولة اليهود خلال هذه المرحلة من مساحة 56% من أرض فلسطين حسب مقررات هيئة الأمم المتحدة إلى ما يقارب اليوم من 90% من أرض فلسطين اليوم ! لقد انتقلت هذه النقلة الكبيرة بالتدبير والنهج والتخطيط ، ونحن مع دويّ شعاراتنا رجعنا إِلى الوراء !
بعد ستين عاماً منذ سنة 1948م ، نرى أن جميع الشعارات التي أُعلنتْ لم تتحقّقْ ، وأن اليهود حقّقوا الكثير الكثير من أهدافهم المعلنة والمخفيّة ! ومن الخطأ الكبير أن نقول بعد " ستين عاماً " ! فقضية فلسطين كانت بدايتها قبل ذلك بكثير . قد لا نستطيع تحديد نقطة البداية بالدقة ، ولكنه من المؤكد أنها بدأت على الأقلّ مع ظهور أربع حركات أو إشارات :
أولاً : اهتمام كثير من الدول الأوروبية بالحركة الصهيونية وعودة اليهود إلى فلسطين ، مثل انكلترا وفرنسا وغيرهما . فبريطانيا من أقدم الدول التي أبدت اهتماماً واضحاً ونشاطاً جاداً في هذا الاتجاه . فنجد " بالمرستون " يبذل مساعيه لدى السلطان العثماني لإعـادة اليهود إلى فلسطين ، وذلك سنة 1840م . ولما فشل أصدر تعليماته لقناصل انكلترا في الدولة العثمانية لحماية اليهود . ثم توالت الدول الأخرى . وكذلك وعد نابليون بونابرت اليهود بإعادتهم إلى القدس وبناء هيكلهم ([1]) .
ثانياً : قيام المؤسسات والشركات الصهيونية : الاتحاد الإسرائيلي العالمي ، الاتحاد اليهودي الإنجليزي ، جمعية محبيّ صهيون ، جمعية الاستعمار اليهودي ، وهذه كلها في القرن التاسع عشر ([2]) .
ثالثاً بناء أول مستعمرة لليهود في فلسطين في غفلة كاملة من المسلمين : مستعمرة " بتاح تكفا " سنة 1878م ([3]) .
رابعاً : مؤتمر بال 1897م ، وقيام الوكالة اليهودية لتشرف على حركة الاستيطان في فلسطـين . ويدعـم ذلك كله أغنياء العالم من اليهود وما أكثرهم ([4]) .
الذي يهمنا من هذا الموجز أن اليهود كانوا يعملون على نهج وخطة لا ارتجال فيها ، ويخوضون في الوقت نفسه ميادين : الاقتصاد ، الإعلام ، السياسة والعلاقات الدولية ، بناء القوة العسكرية الحقيقية .
إننا حين يعلن بعضنا اليوم في وسائل الإعلام : فلسطين بعد ستين عاماً ، يغفلون فترة واسعة من تاريخ قضية فلسطين . ويصحب هذا الإعلان : " فلسطين بعد ستين عاماً " و " المجازر مازالت ممتدة " ! والأولى أن يقول إِنه بعد مضي أكثر من مائة وستين عاماً واليهود يعملون ويبذلون ، والمسلمون في غفوة كبيرة ، أو في تنافس على الدنيـا وزخرفها ، أو في صراعات بينهم أفقدتهم كثيراً من قواهم .
فعسى أن يعود المسلمون اليوم ، ليستفيدوا من مراجعة مسيرة طويلة فيفكروا ويؤمنوا وينهضـوا وينطلقوا إلى العمل المنهجي والتخطيط الإيماني العملي ، عسى أن يرزقنا الله النصر إن عَلِم أن في قلوبنا الصدق .
كان اليهود وأعوانهم هدفٌ محدّد اجتمعوا عليه صفّاً واحداً ، وكان لهم خطتهم المدروسة ، ولم يلجؤوا إلى وعود الشعارات ، ونحن تفرّقنا أهدافاً وشعارات وأهواء ، لم تجمعنا قضية فلسطين .
وما بقي المسلمون ممزّقين على غير صدق مع الله ، فلا أظنّ أن الله يهبهم النصر . فلله سنن ثابتة في هذه الحياة .
|
إذا لـم تقم في الأرض أمة أحمـد |
|
فكل الذي يجري في الساح ضائـع |
وحسبنا في هذه اللحظات أن نثير هذه النقاط التي نراها رئيسة في قضية فلسطين ! مع أن هنالك قضايا كثيرة تستحق الوقوف عندها ، وتأخذ مجلدات ومجلدات لا مجال لها في هذه العجالة .
الموقع : www.alnahwi.com
(1) تراجع الكتب التالية للمؤلف : ملحمة فلسطين ، على أبواب القدس ، ملحمة الأقصى ، ملحمة الإسلام من فلسطين ، فلسطين بين المنهاج الرباني والواقع ، ملحمة التاريخ .
(2) المرجع السابق .
(3) المرجع السابق .
(4) المرجع السابق .
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |