حماية الفطرة

الدكتور عدنان بن علي رضا النحوي
 

daralnahwi@hotmail.com

April 21, 2007


الحقّ الأوّل للإنسان

     

     لقد انتشر تعبير " حقوق الإنسان " في العصور الحديثة ، واتسع صداه بعد الثورة الفرنسية ، ليعبر عن شيء بدأ حقيقة مع وجود الإنسان ، ووضعت أسسه رسالة الأنبياء ، وأخذ نهجه وتكامله مع دين الإسلام في دعوة محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الإنبياء والمرسلين ، وحياً من عند الله في منهاج رباني قرآناً وسنَّة .

 وقد نشطت لهذه القضية بعض المؤسسات والمؤتمرات الدولية ، ولكنها لم تستطع أن تعطي القضية كامل شمولها على النحو الذي أقره الإسلام . ولست هنا لأستعرض هذه الحقوق ولكنني أودُّ أن أشير في هذه العجالة إلى قضية واحدة ، وحق واحد أغفلته المؤسسات وتجاهلته المؤتمرات ، حين جعل بعضها الرغيف والرغبة والهوى محور الحقوق ومدار الصراع .

هذا الحق الذي أعنيه هو رعاية الفطرة التي يولد عليها الإنسان ، رعاية تسمح لها بالنمو السليم دون أن تنحرف أو تضعف أو تتشوه ، حتى  يستطيع الإنسان أن يؤدي الأمانة التي حملها ، ويقوم بواجب الاستخلاف الذي أُنيط به ، ويؤدي العبادة التي خُلِقَ لها . إنَّها قضيّة أمانة واستخلاف وعبادة . إنها قضية حياة الإنسان على الأرض ، وقضية امتدادها للدار الآخرة. إنها أهم حق يجب السعي والجهاد من أجله .

وتظهر خطورة هذه الرعاية وأهمية هذا الحق حين نعلم أنه يرتبط بأخطر قضية تمسّ حياة الإنسان ، قضية الكفر والإيمان ، قضية تقرر مصيره الحقيقي .

فالإيمان بالله واليوم الآخر ليس ثمرة تجارب في المعمل ، ولا نتيجة معادلة رياضية ولا هو حصيلة مناظرة فلسفية . وهو كذلك ليس أمراً مقصوراً على العلماء والعباقرة . ولكنه هو طبيعة الفطرة السوية في الإنسان المكلف شرعاً مهما كان مستواه وعمله . ولقد جعل الله سبحانه وتعالى حقيقة الإيمان في فطرة الإنسان، وجزءاً من طبيعة سوية ، لا يضطرب فيها الإيمان ولا يضمر إلا إذا اضطربت الفطرة وضمرت خصائصها النقية . وتأتي الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة لتقرر هذه الحقيقة الأساسية في الحياة والفكر ، ثم تأتي التجارب والعلوم لتكشف عن آيات الله الممتدة في الكون لتثبت الإيمان :

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)

           [ الأعراف : 172- 173]

ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى في سورة الروم :

       ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )                                  [ الروم : 30ـ32]

وكذلك يؤكده الحديث الشريف :

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصٍّرانه أو يمجسّانه. كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ )

ثم يقول أبو هريرة اقرأوا إن شئتم : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها )

أهم القوى المغروسة في الفطرة :

يمكن أن نعدّد أهم ما نعرفه من هذه القوى التي أودعها الله فطرة الإنسان ، كما يلي :

· الإيمان والتوحيد .

·  طاقة الفكر والتأمل .

· الطاقة العاطفية والشعور .

·  الغرائز والميول والشهوات ، كالناحية الجنسية وغيرها ، والخوف والشجاعة ، والبخل والكرم ، الكبر والتواضع ، القوة والضعف ، الحزم والتردد ، الصدق والكذب ، المراء والوضوح ، الرويّة والتسرّع ، الجدّ والمزاح ، الرضا والغضب ، إلى غير ذلك من السجايا والميول والغرائز.

هذه القوى وسواها تتفاعل في ذات الإنسان بطريقة ربَّانيّة ، ويكونُ هذا عطاءُ الإنسان من فكر وأدب وعلم وغير ذلك ثمرة هذا التفاعل . ويكون من وظائفها ومهامها استقبال المعارف والآيات عن طريق السمع والبصر والفؤاد والحواس .

       ولندرك خطورة الأمر بصورة أكثر وضوحاً ، فإننا نشبه الفطرة ونعتبرها مستودعاً أودع الله فيها ما يشاء من قوى وميول وغرائز ، مما عرَّفنا سبحانه وتعالى ببعضها وجهلنا بعضها الآخر .

       إن أهم ما غرسه الله سبحانه وتعالى في الفطرة هو الإيمان والتوحيد ، وشهادة أن لا إله إلا الله ، وشهادة أنّ محمداً رسول الله : أما بالنسبة لشهادة أن لا إله إلاَّ الله ، فهي جلية ثابتة في الآية :

( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )                    [ الأعراف :172ـ174]

       ويأتي الحديث الشريف ليبين هذه الحقيقة الهامة أيضاً :

       فعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة ، أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به ؟ فيقول : نعم ! فيقول الله : " كذبتَ قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إِلا أن تشرك )

[رواه أحمد والشيخان ]

هذا بالنسبة لشهادة أن لا إله إِلاّ الله ، أما شهادة : أن محمداً رسول الله ، فنجدها في الآية الكريمة من سورة آل عمران عهداً موثقاً أخذه الله من الأنبياء والرسل جميعاً ليكون جزءاً من رسالتهم ودعوتهم :

       ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ )               [ آل عمران : 81 ]   وهكذا ثبتت الشهادتان عهداً وميثاقاً بين الله ورسله ، أساساً للإيمان والتوحيد ، وأساساً مغروساً في الفطرة السليمة .

ثم جاءت بعد ذلك آيات الله في الكون لتقود الفطرة وتنمّي القوى وترعى الإيمان ، وذلك من خلال جهود الإنسان في التأمل والبحث والتجارب :

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )                                 [ فصلت : 53]

ويرى الإنسان هذه الآيات المبثوثة في الكون ويتدبرها من خلال سمعه وبصره وفؤاده ، تدبراً يحمل المسؤولية :

(وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)                                                           [  الإسراء : 36 ]

       وكل عمل يقوم به الإنسان ، أو فكرة يفكر بها ، أو أمر يعزم عليه ، هو عمل صالح يدخل في ساحة التقوى ما دام مرتبطاً بالإيمان مرويَّاً به . فإذا انعزل العمل عن الإِيمان أو انقطع ريُّ الإِيمان أو ارتوى من غيره ، فإنه يدخل ساحة الفتنة والفجور والفساد . واستمع إِلى آيات الله البيّنات توضح ذلك :

( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا )                                              [ الشمس : 7 10]

إن العمل نفسه قد يكون طاعة لله وتقوى ، وقد يكون فتنة وفجوراً وإفساداً، فإذا زكَّى الإنسان نفسه وصدقت نيته كان عمله في ساحة التقوى ، وإلا كان فجوراً . وكيف يكون ذلك ؟‍!

       إنها النيّة ! فهي المفتاح الذي يفتح نبع الإِيمان ، لتطلق منه الريَّ ، إذا كانت النيّة صادقة خالصة لله سبحانه وتعالى ، واعية لنهج الإِيمان والعمل تقبل عليه . أما إِذا فسدت النيّة فإنها لا تستطيع أن تفتح نبع الإيمان ، أو أنها تغلقه ، أو تفتح  ريّاً فاسداً ، فإما أن لا يرتوي العمل من نبع الإيمان ، وإما أن يرتوى بغيره.

فحين تصدق النية وتتوجه خالصة لله سبحانه وتعالى ، فإن الإنسان يزكِّى نفسه : (( قد أفلح من زكاها )) ، ويفلح في مسعاه .

       وحين تفسد النيّة ويرجو بها الإنسان غير وجه ربّه ، أو يطلب الدنيا ويسعى لها ، فإنه يكون قد دسّى نفسه ، أي أخفاها بالضلال والنيّة الفاسدة :

( وقد خاب من دسّاها ) .

       ويأتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عنه عمر رضي الله عنه ليُبْرِز لنا أهميةّ النيّة وخطورتها في حياة الإنسان وعمله كله . فبها يرتبط قبول العمل عند الله أو عدم قبوله . وصِدْق النية وصلاحها يستدعي أن يكون العمل خاضعاً لأحكام منهاج الله :

       ( إنما الأعمال بالنيّة . وإنما لكل امرئ ما نوى . فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه )                             [ رواه الشيخان ]  

       فالعمل ذاته قد يكون تقوى وقد يكون فجوراً . فالشهوة الجنسية نفسها إذا انضبطت بضوابط الإيمان وأحكام منهاج الله كانت خيراً وتقوى ، وأدت المهمة التي خُلِقت لها . وأما إذا تفلَّتت من ضوابط الإيمان وأحكام منهاج الله فإنها تصبح فجوراً ، وتُفسِد في الأرض ، و لا تؤدي المهمة التي خُلِقَتْ لها ولا الأمانة التي حملها الإنسَان . وقس على ذلك حب الوالدين وحب الأهل والأرحام ، وحب الوطن ، والكراهية والكرم والشجاعة وغير ذلك من القوى والميول والرغبات تكون بِرّاً وصلاحاً أو فتنة وفساداً .

       ولا ينحصر أثر الفطرة وما أودع الله فيها من قوى وغرائز ورغبات ومواهب على أوجه النشاط العادي للإنسان . ولكنه يمتدّ إلى الأعمال المتميّزة ، أعمال الإبداع والعبقرية في مختلف ميادين الحياة من فنٍّ وأدب وعلوم وصناعة وفكر وغير ذلك . فهناك فرق كبير بين عطاء الموهبة حين ترتوي من نبع الإيمان والتوحيد كما ترتوي سائر القوى ، وبين عطائها حين لا ترتوي من نبع الإيمان والتوحيد . لذلك كانت النيّة أحد الشرطين الرئيسين الضرورين اللذين لا يقبل الله عملاً من عبده إلا بتوافرهما . والشرط الثاني هو مطابقة العمل لشرع الله وأحكامه .

       ومن أهم القوى في فطرة الإنسان بعد الإيمان والتوحيد والنيّة ، قوّتان هامَّتان هما : قوّة الفكر والتفكير أو التفكُّر ، أي العقل ، وقوّة العاطفة . وتعمل هاتان القوتان معاً في آن واحد ، ولكن على نسب مختلفة من كلِّ منهما على حسب الموضوع الذي يدور في الفكر ويؤثّر في العاطفة كالعلوم والأدب والسياسة وغير ذلك .

       ومع مسيرة الإنسان في الحياة ينال تجارب وخبرة وزاداً من مختلف العلوم. وتمرّ هذه التجارب وهذا الزّاد على مصفاة الإيمان والتوحيد ما دامت النيّة تعمل خالصة لله ، وما دام الإيمان والتوحيد يعمل في الفطرة السليمة . حتى إذا صفا هذا الزاد من التجارب والعلوم ، استقرَّ على كلِّ قوة من القوتين : الفكر والعاطفة ، على شكل شحنات تغذّيهما . ومع مسيرة الحياة يظل الواقع يمد هاتين القوّتين بهذه الشحنات . فكأنَّ القوتين قُطبان كهربائيان تتجمع عليهما الشحنات الكهربائية ، على حكمة لله غالبة ، وسنن لله ماضية ، قد نعلم بعضها ونجهل بعضها الآخر . حتى تأتي اللحظة المناسبة على قدر غالب من الله ، وحتى تنمو الشحنات نمُوّاً يجعلها قابلة للتفاعل . فإذا ظلّت النيّة تعمل عملها ، وفتحت نبع الإيمان والتوحيد ومصفاتهما ، وإذا ظل هذا النبع الغنيّ الطاهر يروي الفكر والعاطفة وما عليهما من شحنات ، كما يروي سائر القوى العاملة في الفطرة ، ويروي الزاد والتجارب ويُنقّيهما ، ويروي الموهبة ليظلَّ عمل جميع القوى في ساحة التقوى ، إذا حدث هذا كله ، تأتي اللحظة المناسبة على قدر غالب من الله ، فتأتي الموهبة المؤمنة المرويَّة بالإيمان ، فتطلق التفاعل بين القطبين وما عليهما من شحنات ، وينطلق من هذا التفاعل ومضة الإبداع ، تحمل العطاء الإيمانيَّ المتميّز ، عطاءً غنيّا على قدر غِنَى الفكر والعاطفة ، والإيمان والتوحيد ، والزاد وشحناته ، وعلى قدر غِنَى الموهبة أيضاً. إنَّ هذه العوامل كلها تعمل في ذات الإنسان ، في داخله ، في فطرته ، ليقدم الإنسان عطاءه . ويكون الإنسان مؤمناً ، وعطاؤه عطاءً إيمانياً مادامت الفطرة  سليمة سوية لم تنحرف .

       وقد يحدث أن تنحرف الفطرة أو يضعف الإيمان ، فلا يكون الريُّ متوازناً، فتنمو بعض القوى والغرائز والميول على حساب غيرها ، فيختلُّ الأداء ويضطرب ، ويدخل بعضه أو كله في ميدان الفجور .

       وحين سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله r عن عبدالله بن جدعان ، وهل يقبل الله عمله وقد كان يصل الرحم ويقري الضيف ؟!  فقال : ( لا ! إنه لم يقل يوماً قط اللهم اغفر لي يوم الدين )          [ الإمام أحمد : المسند 6/120 ]

       وقد يصدر عمل طيبٌ كما يبدو لنا من رجل نظنّ أنه ليس أهلاً لهذا العمل. فيكون هذا العمل من أثر البقيّة الباقية من فطرته التي انحرفت أو شُوِّهتْ ، فيبقى جزءٌ ما يعمل فيها ، فتصدر بعد ذلك بعض الأعمال التي تبدو لنا في ظاهرها طيبة ، والله أعلم بخلقه وحسابهم على الله .

من هذا العرض السريع لطبيعة الإيمان وامتداده في الفطرة الإنسانية ولقيام الآيات المبثوثة في الكون دالة على وحدانية الله ، لا يراها الإنسان إلا من خلال فطرته وسلامتها ، من هذا كله نرى أنَّ الإيمان بالله واليوم الآخر يمتدّ في حياة الإنسان مع مختلف مستوياته ووسعه وطاقاته ، حتى أصبح لا عذر لأحد بالكفر .

       (  إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً )                                      [ النساء : 48 ]

       بهذه الصورة الحاسمة الجلية يعرض منهاج الله قضية الإيمان وحق رعايتها فجعل أول المسؤولين عن رعايتها الإنسان نفسه : ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها   )  . لا يعفى من ذلك أحد أبداً : ( ... إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك عنه مسؤولا )  . ثم جعل بعد ذلك المسؤولية في عنق الوالدين : (  وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) .

 وهذه الإشارة في الحديث لا تحصر المسؤولية في الوالدين فحسب ، وإنما هي إشارة إلى مسؤولية الأمة كلها عن هذه الرعاية . حين تؤكد الآيات والأحاديث هذه المسؤولية كما في الحديث الشريف : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ...) فهي إذا مسؤولية المعهد والشارع ووسائل الإعلام . هي مسؤولية العلماء وأهل الرأي ، هي مسؤولية أولي الأمر والسلطان .

       وحين تنحرف هذه القوى تنعكس آثارها على الزوجين ، ثم على الأبناء ، لتنحرف بذلك فطرة الأبناء انحرافاتٍ شتّى كما جاء في حديث رسول الله r   .

       وتأتي الآية الكريمة : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )                  [ الروم : 30 -32]

لتؤكد أهمية الفطرة الثابتة التي فطر الله الناس عليها ، إنها فطرة واحدة لا تتبدل في أسسها : : " لا تبديل لخلق الله " . وكيف تتبدّل هذه الفطرة وهي رحمة من الله على عباده ، رحمة واسعة ؟! ثم تبين لنا الآية الكريمة أهم الوسائل والركائز الضرورية لحماية الفطرة : الإنابة إلى الله ، والتقوى ، وإقامة الصلاة ، وسائر الشعائر التي فرضها الله . إن هذه هي أسس الحماية . فإن ضعفت أو تخلخلت أو ذهبت أَثَّرَ ذلك على سلامة الفطرة .

       وتبين لنا الآية الكريمة وكذلك الحديث الشريف نتائج انحراف الفطرة في الواقع : الإشراك بالله : ( ولا تكونوا من المشركين ) ، ( وأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسانه ) ، وكذلك تفريق الدّين حتى ينقسم الناس شيعاً وأحزاباً يحارب بعضهم بعضاً ، ويفرح كل حزب بما لديه، وتشتد الفتنة وتضعف الأمة ويهون أمرها في الحياة الدنيا ، وتنال غضب الله وعقابه في الدنيا والآخرة ، إذا لم تتدارك نفسها بالتوبة والإنابة والتقوى وإقامة شعائر الدين وسائر قواعده ، لتكون أمة مسلمة واحدة ، صفاً واحداً كالبنيان المرصوص .

       لهذا كله كانت حماية الفطرة على سلامتها كما خلقها الله أكبر حق للإنسان، وأوَّل حق له . وهي مسؤوليته أن يُطالِب بها ولا يتنازل عنها ، وأن يجاهد في سبيل ذلك . وهي كذلك مسؤولية جميع مستويات الأُمة ومؤسساتها أن تخطط لذلك بوسائل التربية ومناهجها ، والقوانين وتوجيهها ، ووسائل الإعلام ، وغير ذلك .

       والفطرة ليست " عضلة " في جسم الإنسان ، ولا هي مادة ذات شكل وحجم ووزن وموضع في الإنسان . إنها أمر من عند الله أعلمنا بها الله سبحانه وتعالى . إنها مجموعة قدرات وطاقات ، وغرائز وميول ورغبات ، أودعها الله في كيان الإنسان ، تتفاعل مع أجهزة الجسم : من قلب ودماغ وجهاز عصبي ، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله .

 من هنا : من هذا الحق ، حق حماية فطرته ، تنطلق سائر الحقوق والمسؤوليات ، وتترابط الحقوق والمسؤوليات ، من خلال فطرة سوّية سليمة قادرة على استقبال رسالة الله وتدبّرها والإيمان بها والخضوع لها والتزامها ، رسالة الله التي خُتمت بمحمد صلى الله عليه وسلم ليُبلِّغها للناس كافة ، للعالمين ، رحمة من عند الله . إنها منهاج الله ـ قرآناً وسنة ولغة عربية .

حين ندرك هذه الخطورة لحماية الفطرة ستتغيّر أسس التربية والبناء ، وقواعد الإعداد والتدريب، سيختلف النظام الاجتماعي ، وستنتظم العلاقات بين الأفراد ، وبين الشعوب ، لتخضع كلها إلى منهاج ربّاني معجز ، فيه وحده نجاة الإنسان في الدنيا والآخرة ، وفيه وحده الحقوق الكاملة والمسؤوليات الكاملة للإنسان ، وهو البيان العالميّ الحق المتكامل لحقوق الإنسان . وهو أسبق بيان وأصدقه وأكمله ، وكلُّ بيان أتى بعده كان فيه النقص والخلل والاضطراب .

 وعندما لا تُصان الفطرةُ التي فطر الله الناس عليها ولا تُرعى ، يفقد الإنسان كثيراً من حقوقه التي شرعها الله له :

1ـ يفقد سلامة الفطرة وهذا هو حقه الأول والأكبر .

2ـ تتمزّق الأسرة وتتقطّع الأرحام .

3ـ يذهب السكن والبرّ ، والرحمة والمودة ، ويفقدها الإنسان وهي من أهم حاجاته وحقوقه .

4ـ تضطرب المسؤوليات وتضيع ، وتضطرب الحقوق وتضيع في داخل الأسرة .

5ـ إذا حصل هذا في الأُسرة وأفرادها ، فإن الفتنة تمتدّ إلى المجتمع والأمة كلها ، وتضطرب الحقوق والمسؤوليات ، وتنتشر الفتنة والفساد في الأرض .

وهذا الذي نراه اليوم في الغرب ، حيث تَولّى الناس عن الإيمان والتوحيد ، فتمزّقت الأسرة ، وفسدت الفطرة وشوّهت بالآثام والمعاصي ، والزنا واللواط والخمور والجرائم المتوالية ، فامتدت الفتنة في الأرض كلها تحملها الشعارات والمبادئ الوضعية المتناقضة المضطربة .

 

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net