| أمانة " الكلمة " و " الفكرة " |
الدكتور عدنان بن علي رضا النحوي |
|
’April 16, 2007 |
( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ) [ الأحزاب : 72 ]
مهما اختلف في تعريف هذه الأمانة التي حملها الإنسان ، فإنها ستظل دائماً في إطار ممارسة منهاج الله في الواقع البشري في الحياة الدنيا . إنها الممارسة الإيمانية في ميادين الحياة كلها .
ولقد كان من تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان أن حَمَّله هذه الأمانة . ويظل الإنسان في دائرة التكريم وهو يجاهد صادقاً ليوفي بهذه الأمانة العظيمة . فإذا تخلّى عن هذه الأمانة وأعرض عنها فإنه يصبح ظلوماً جهولاً .
ولقد جاءت الآيات الكريمة وَ الأحاديث الشريفة تُلحُّ بهذه القضية إلحاحاً كثيراً ، لتبرز لنا خطورتها في حياة البشرية كلها . وربطت بعض الآيات والأحاديث هذه الأمانة بالعهد الذي يُبرمه المؤمن في حياته الدنيا . سواء أكان العهد كلمة يلفظها ، أم عقداً يبرمه . ونأخذ هنا قبسات من منهاج الله ، ليعود المسلم إلى منهاج الله فيرى الصورة بكامل تفصيلاتها :
( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) [ المؤمنون : 8 ]
( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) [ المعارج : 32 ]
وعن أنس رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له )
[ رواه أحمد وابن حبان في صحيحه ] 1
إن الأمانة هي محور العهد الذي أخذه الله من بني آدم من ظهورهم من ذريتهم في عالم الغيب . إنه عهد الإيمان والتوحيد الذي جعله الله في فطرة كل إنسان ، إلا حين تنحرف الفطرة وتتشوّه فإن الأمانة تضيع والعهود تغيب .
( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولـوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون . وكذلك نفصّل الآيات لعلهم يرجعون ) [ الأعراف : 172 ـ 174 ]
وتمتد الأمانة في حياة الإنسان إلى جميع الميادين في الحياة الدنيا ، ويظل المؤمن الصادق هو الذي يرعى الأمانة بأدق صورها ، ويجاهد نفسه وكبره وغروره ، ويجاهد أهواءه وشهواته ، حتى يظل على عهده مع الله ، ويوفي بالأمانة ويجاهد دون ذلك .
يرتبط الوفاء بالأمانة التي حملها الإنسان بأمر النصر الذي ينزله الله على عباده . فالنصر من عند الله وحده ، يهيئ الله أسبابه كلها ويمضي بها قدره حتى يتحقق . فارتبط النصر إذن بالوفاء بعهد الله :
( ... وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ... ) [ البقرة : 40 ]
وأما وعد الله فثابت في أكثر من آية :
( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )
[ غافر : 51 ]
( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) [ النور : 55 ]
هذا هو وعد الله ينجزه لعباده المؤمنين وينزل النصر عليهم ، حين يوفون هم بعهدهم مع الله ، وذلك بالوفاء بالأمانة التي حملوها .
ومن أجلِّ أبواب الأمانة " أمانة الكلمة " و " أمانة الفكرة " وأول معاني أمانة الكلمة أن تأتي الكلمة مشرقة بالطهر غنيّة بالصدق ، نابعة من الإيمان والتوحيد ، خاضعة لمنهاج الله ، تحمل الحقَّ وتنصره ، وتصد الباطل والفساد .
إن أول الوفاء بأمانة الكلمة أن تكون طيبة ينتشر طيبها من صدقها ووضوحها وجلائها . وتلك صفة الكلمة عند المؤمنين :
( وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ) [ الحج : 24 ]
( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمـاء . تؤتي أكلها كلَّ حين بـإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) [ إبراهيم : 24،25 ]
والكلمة الطيبة لا تعني أنها الضعيفة الخائفة ، اللينة بضعفها المستسلمة بخوفها . كلا ! إنها الكلمة القوية الصادقة . إنها الكلمة التي تلين حين تدعو وحين تتألف القلوب ، وهي الكلمة القوية حين تصدّ الفتنة والفساد ، والعدوان والظلم . إنها عبق في لينها وشدتها .
ولقد أعلى الله سبحانه وتعالى منزلة الكلمة وبيّن عظيم خطرها ، كما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ... وهل يكب الناس في النار على وجوههم ، أو قال مناخرهم ، إلا حصائد ألسنتهم ) [ رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ] 2
ذلك عندما لا تكون الكلمة موفية بالأمانة والعهد ، ولا نابعة من الصدق والحق ، ولا تكون " الفكرة " نقيّة صافية نابعة من جوهر الإيمان وبركة منهاج الله . إنها تكبُّ عندئذ صاحبها على وجهه في النار . ذلك عندما تفارق الكلمة الوفاء وتدخل في ميدان الغدر والخداع ، والغش والظلم والعدوان .
ومن الوفاء بأمانة الكلمة وحمايتها ، حماية الكلمة الطيبة وحماية حقها أن يُعتدى عليها ، وحماية صاحبها .
إن " الفكرة الصادقة " و " الكلمة الطيبة " هي من أعظم ما يقدمه المؤمن في حياته . إنها باب من أبواب الجهاد في سبيل الله . وإنها خفقـة من خفقات الحياة . إنهـا الحياة التي يعرف بها الناسُ صاحبها ، والعزم الذي يتقدم به في دربه ، والأساس المتين الذي يلتقي عليه الصادقون ، والنور الذي يشقُ الظلمات . فمن اعتدى على " الكلمة الطيبة " و " الفكرة الطيبة " فكأنه زلزل أساس اللقاء بين المؤمنين ، وأطفأ النور والضياء .
إن " الفكرة الصادقة " و " الكلمة الطيبة " قطعة من الإنسان المؤمن ، من كبده وقلبه ودمه ، إنها تخرج من أعماق أحنائه ، وأعماق نفسه ، فمن اعتدى عليها فقد اعتدى على الحياة ، على القلب ، وكأنه سفك الدم وأحلّ القتل الظالم . إنها جريمة كبيرة في حق الإنسان .
إن " الفكرة الصادقة " و " الكلمة الطيبة " شرف الإنسان المؤمن ومروءته وعرضه . وهي جوهر حياة الإنسان . ولا بأس أن نذكر ما قاله شكسبير : " من سرق حافظة نقودي فقد سرق شيئاً تافها ، ومن سرق شرفي فقد سرق كل شيء "
إن حماية الفكرة والكلمة حماية لحياة الناس جميعاً ، وأمن المجتمع ، وصون الأعراض ، وحماية الروابط والعلاقة . إن حماية ذلك كله جزء من بناء الأمن ، والوفاء بالأمانة .
والمسلمون يجب أن يكونوا أحرص الناس على حماية الفكرة والكلمة وحقوقها وحقوق صاحبها . ولكن بعض المسلمين اليوم ضيع من هذه الأمانة ومن الوفاء بها الشيء الكثير .
نشرت إحدى المجلات مقالاً وصلها من كاتب يطلب نشره . نشرت معه الأصل الذي سرق الكاتب منه مقالته حرفاً بحرف . فأي خزي أكبر من ذلك .
تقدم شابٌّ لنيل شهادة الدكتوراه في بحث عن الشورى . فنقل نقلاً حرفياً واحداً وثمانين صفحة من كتاب في الشورى لمؤلف آخر دون أن يشير إلى ذلك . ولما عرفت الجامعة ذلك درسـت الموضوع وحقَّقت فيه ، وكذلك الجهات المختصة ، وأوقفت أمر الشهادة .
شاب يشترك في ندوة شعرية فيلقي من جملة ما يلقيه واحداً وعشرين بيتاً يأخذها بحرفيتها من ديوان شاعر آخر ، وينسب الأبيات لنفسه .
مجلة تأخذ فقرات من كتاب تنقلها حرفياً أو تضيف كلمة وتحذف كلمة ، ثم تنشرها بتوقيـع كاتب آخر . وعندما يُراجع في ذلك صاحب المجلة يقول بكل هدؤء :
وماذا في ذلك كل الصحف تفعل مثلنا . فقيل له . كنت في خطأ فصرت في أخطاء جميع الصحف والمجلات التي تحترم الكلمة لا تفعل ذلك .
هذه نماذج مكشوفة من عدم الوفاء بأمانة الكلمة . ولكن الناس مَهَروا في الوسائل والأساليب . فمنهم من تعجبه " الفكرة " في كتاب ، فيأخذها ويغير من صياغـة صاحبها ، ويعيد نشرها ، كأنها كلمته . وحين يُسأل يقول : إنها خاطرتي ، وإنها " مثل وقع الحافر على الحافر " ! وإذا سُئل لماذا لم يُشِرْ إلى دراسة سابقة لهذا الفكرة وقد عُرِضَتْ عليه ، يصمت . وقد يقول يا أخي كله عمل لله وهذه أشياء بسيطة . ولما يجد أن الأمر قد وقف عند ذلك ، يتمادى ويبحث عن فكرة جديدة يسطو عليها ويعيد نشرها بصياغة تقترب أو تبتعد عن الأصل . إنها مهارة ولكنها مهارة المفسدين في الأرض ، مهارة الضّالّين ، لن تعود إلا بالشرّ على صاحبها .
وكأنما يتصور بعض الناس أن عزه أن يثبت وجوده في ساحة الفكر والبيان بأي طريقة ، فيتنافس الناس عندئذ الدنيا ، وتفسد النيّة ، وتفسد الكلمة ، ويبهت النور ! ما أكبرها من جريمة .
إن الله سبحانه هو الذي يبارك الكلمة ويطلق نورها ، وإن الإنسان يفسد على الناس بركتها ويُذهِب نورها بظلمه وعدوانه ، من خلال ابتلاء كتبه الله على عباده ، ليُمحِّص ما في الصدور ويكشف النيات ، ولتقوم الحجة لهم يوم القيامة أو تقوم عليهم .
وعندما يُعتدى على الكلمة أو الفكرة ، يُعتدى على غيرها ، فتتمزق الكلمات والأفكار بين هذا وذاك ، بعد أن كانت مترابطة متناسقة عند صاحبها .
ولو كانت " الفكرة " أو " الكلمة " جزءاً من منهج مترابط ، فأخذ هذا فكرة من هذا المنهج وعرضها بين الناس كأنها فكرته وموهبته ، لينال بها الثناء في الدنيا ، ثم أخذ آخر فكرة أخرى يعرضها بنفس النية والسعي وراء زينة الدنيا وعرضها بأسلوب غير كريم ، ثم فعل ثالث ورابع مثل ذلك ، فإن المنهج يتمزق إرباً ، وتضيع قيمته وفائدته ، ولا يجد من يدعو له ، فتكون الخسارة كبيرة . والإثم كبيراً ، يحمل رائحة الخيانة أكثر مما يحمل رائحة الأمانة ، وقد يقترب الإثم من الجريمة .
المسلمون أولى الناس أن يحترموا حقوق الإنسان كلَّها . وحق حماية أمانة الكلمة والفكرة من أهم هذه الحقوق . ولقد أصبح الحق معترفاً به بين الشعوب كلِّها حتى الوثنية منها ، ومنذ زمن بعيد . فما زلنا نقول حتى اليوم " نظرية فيثاغوروس " ، ننسبها لصاحبها ، لا يعتدي عليها أحد . وكذلك سائر النظريات العلمية والأفكار الفلسفية .
ولكن المفسدين في الأرض هم الذين يبحثون عن فكرة يسرقونها ويطيرون بها ، أو فكرة يحرّفونها ، ذلك كله ليكسبوا عرضاً رخيصاً وزخرفاً تافهاً ، ولكنهم يرتكبون جريمة كبيرة .
وعمل المفسدين في الأرض قديم . فقد حرّف أهل الكتاب كلام الله وبدّلوا وغيروا ، واشتروا به ثمناً قليلاً ، وارتكبوا جريمة كبيرة بحق الإنسانية كلها .
ومهما ظنّ بعض الناس أنهم ناجون في الدنيا . فإن حساب الله شديد ، وعذابه شديد .
ونذكّر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ... فإذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة ... ) [ رواه البخاري ] 3
وربما يدّعي بعضهم أن الهدف هو الدعوة إلى هذه الفكرة أو تلك ، إذ المهم أن تنتشر الفكرة بين الناس ليستفيدوا منها . إنها مغالطة كبيرة يلبس فيها الشيطان على ابن آدم فيضلّه :
أولاً : ما الذي يمنع أن تنشر الفكرة وتُعزى لصاحبها .
ثانياً : كيف يُعطى أحد الحق لنفسه بأن ينال الثناء والأجر من الناس على
كلمة أو فكـرة ليست له ، ثـم يعتبـر أن صاحب الكلمة ليس من
الضروري أن يلتفت إلى ذلك .
ثالثاً : إذا دعـا صاحب الفكـرة لفكـرته أو دعا غيره لها وعزا الفكرة
لصاحبها ، فهناك مجـال لأن تكون النيّة صادقة لله . أما إذا دعا
غيره ونسب الأمر لنفسه فقد فسدت النيّة وبطل العمل .
ما أعظم الأمة التي تصون حق الإنسان في كلمته وفكرته بأمانتها وأمانة أبنائها ، أمانة نابعة من إيمان وتوحيد ، وخشية من عذاب الله الشديد .
وما أجمل أن يكون هناك قانون يصد فتنة المفسدين المعتدين ، ويحمي الكلمة وثروة الأمة ، ويحمي صف المؤمنين من وهن الضُعفاء وفتنة المنافقين ، وتسلل الشياطين .
إن منهاج الله يوفر هذا القانون لمن يلتزم منهاج الله ، ولمن يتدبره ويعيه . وإظهار القانون النابع من منهاج الله يوفر الفرصة للكثيرين الذين لم تمتلئ صدورهم بالآيات والأحاديث .
إن الإسلام هو المنهج الحق والدين الحق الذي يكفل حقوق الإنسان كلها ويرعاها . والكلمة والفكرة حقٌّ لصاحبها ، ولا تنفصل عنه ، وحق لكل من يؤمن بها أن ينشرها ويدعو لها دون أن يعزوها لنفسه صراحة أو بالإيحاء .
فما زلنا حتى اليوم ، وسنظل أبداً ، نقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نروي الحديث الشريف . ونقول قال عمر بن الخطاب أو أبو بكر أو أي صحابيّ رضي الله عنهم ، دون أن يعزو أحد القول لنفسه ، إلا ما سرقه بعض مفكري أوروبا من مبادئ الإسلام بعد أن عزلوها عن الإسلام ونسبوها لأنفسهم .
وفي أقوال أبي بكر وعمر والصحابة رضي الله عنهم روائع من الفكر ، يتمنى الكثيرون لو كانت لهم ، ولكن المتقين يروونها وينسبونها إلى قائلها .
فحق الكلمة والفكرة حق لصاحبها ، وهو حق يرعاه الإسلام لأنه يترتب على هذا الحق مسؤولية يتحملها صاحب الكلمة . فكيف يحلّ لرجل آخر أن يأخذ هذا الحق فيعزو الكلمة لنفسه . وحين تنكشف المسؤولية يفرُّ ويتبرأ ! .
لابد من رعاية حق الكلمة والفكرة حتى تصان الحقوق والمسؤوليات ، وتعرف الحدود والواجبات ، ولا تضيع بين اعتداء هنا وهناك .
إن في الكلمة والفكرة مسؤولية وحساباً ، وليس حقاً مجرداً للتمتع والزهو والسعي إلى ثناء الناس ، ولا تنفصل الكلمة عن صاحبها في الدنيـا ولا في الآخرة .
واستمع إلى قوله سبحانه وتعالى :
( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ) [ آل عمران : 188]
فانظر في هذه الصورة : ( .. ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا .. )
فهؤلاء جعل الله لهم عذاباً أليماً : ( .. فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ) .
وفي الحديث الشريف : ( من ادعى دعوة كاذبة ليتكثر بها لم تزده من الله إلا قلة ) [ رواه ابن كثير في تفسيره ] 4
وفي الصحيحين :
( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ) [ رواه أحمد والشيخان وأبو داود ] 5
وعن أبي ذر رضي الله عنه عن الرسول r :
( من ادّعى ما ليس له فليس منا ، وليتبوأ مقعده من النار )
[ رواه ابن ماجة ]6
هكذا يرعى الإسلام حقوق كل إنسان ، ويحاسبه على مسئولياته حتى الكلمة والفكرة :
( .. وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم .. )
ويقول أحدهم لو أَنه أخذ فكرة أعجبته من كاتب ، ثم أعاد صياغتها ، ثمَّ نشرها باسمه كأنها فكرته ، أو كأنه يوحي إِلى الناس أَنّها من عنده ومن علمه الخاص ، فماذا في ذلك ؟ وهل هذه تعتبر سرقة ؟ ! .
فأجبته لو أنك سرقت سيّارة ، وأعدت طِلاءها ، وغيّرت لونّها ، ولو غيّرْتَ حتى رقمها ، ثم سِرْت بها بين الناس ، فما اكتشفوا سرقتك فهل يسقط عنك إثمُ سرقتك وجريمتك ؟ ! إن هذه الجريمة مضاعفة ، ذلك لأنها جريمة سرقة ، ثم جريمة تزوير ، ثم جريمة خداع الناس وغشهم ، ثم جريمة ظلم صاحب الحق .
إن التقيّ الذي يخشى الله لا يقرب هذه المحاولات أبداً . وإذا كتب فإنه يكتب من بضاعته ، وإذا أخذ من غيره كلمة أو فكرة أشار إِليها بوضوح ودقِّة وذكر المصدر والصفحة وسائر التفصيلات ، فنال بذلك الأجر المضاعف بدلاً من الوزر المضاعف نال أجر الصدق والأمانة ، ونال أجر نشر العلم ، ونال أجر الوفاء لصاحب الحق ، حتى لا يظلم أحداً حقَّـه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أحمد : المسند : 3/154 ، 210،251 ، الفتح : 14/118، 19/233ـ صحيح الجامع الصغير وزيادته : (ط : 3) ( حديث : 7056 ) .
(2) سنن الترمذي 41/8/2616 .
(3) البخاري : كتاب العلم (3) ـ باب (2) حديث رقم (60) .
(4) تفسير ابن كثير للآية السابقة .
(5) صحيح الجامع الصغير وزيادته : (ط:3) ، (ج :6 )، (حديث : 6551) .
(6) المصدر السابق : (ج :5) ، ( حديث : 6551) .
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |