الرئيسة علمتنا الأيام أن الشعوب أقوى من جلاديها وهمست في آذاننا الأحداث أن ساعة التغيير قادمة Contact Us
رسالتنا www.arabissues.com  (903)352-8872  E-Fax  (360)-283-6423 راسل الكاتب
كان إيجابيًا للغاية! بقلم: كلوفيس مقصود Jan 09-2010
تصريحات سيادة أحمد أبوالغيط وزير خارجية مصر فى أعقاب زيارة بنيامين نتنياهو للرئيس مبارك ركزت على كون رئيس وزراء إسرائيل أبدى رغبة فى أن يتحرك «باتجاه المفاوضات مع الفلسطينيين».. وأضاف فيها أنه يعتبر أن الاجتماع «كان إيجابيا للغاية». على السطح تبدو هذه التصريحات واعدة. لكن ما الأسس التى استند إليها سيادة رئيس الدبلوماسية المصرية ليوحى بأن نتنياهو «كان إيجابيا للغاية؟». ومادامت مسوغات هذا التفاؤل النسبى لم يتم الإعلان عنها فإن تغييب المعلومات بهذا الموضوع من شأنه أن يفرز الكثير من التكهنات، مما يعنى استمرار التساؤل، خاصة أن رئيس وزراء إسرائيل مهد لمقابلة الرئيس مبارك بإعلان خطط لبناء نحو 700 مسكن جديد لليهود فى مناطق فى الضفة الغربية تعتبرها إسرائيل جزءا من القدس.

أمام هذا القرار الإسرائيلى يتساءل كل منا: ماذا حصل حتى تكون الزيارة «إيجابية للغاية» مثلا؟ وبرغم تغيب معلومات عن فحوى هذه الزيارة التى باغتت معظم شعوبنا وقد يكون معظم حكوماتنا، إلا أن الاستنتاج المنطقى يمكن أن يعود أن التطمينات تعود إلى إقناع السلطة الفلسطينية بأن زيارة وزيرى الخارجية والمخابرات إلى واشنطن فى مستهل العام الجديد من شأنها أن تؤول إلى تقديم رسائل ضمانات للفريقين الإسرائيلى والفلسطينى من البيت الأبيض قام بإعدادها مندوب الرئيس أوباما جورج ميتشل. كما أن استئناف المفاوضات فى إطار «الضمانات الأمريكية المقترحة» من شأنها أن تحقق رغبة نتنياهو فى عودة الرئيس محمود عباس إلى طاولة المباحثات المسماة خطأ بـ«المفاوضات».. فإسرائيل راغبة فى «استئناف مفاوضات» لأنها تعتبر أنها تحول دون المزيد من النقد الأمريكى لسلوكها، وهو ما تسوقه إسرائيل على أنه ضغط من الرئيس أوباما عليها. وإسرائيل عندما تعرف الانتقاد كونه ضغطا، عندئذ يتم استنفار اللوبى الإسرائيلى فى الكونجرس، ويتحول الأكثرية فيه إلى قوة ردع من شأنها شل إرادة أية ضغوط محتملة فى أثناء عام 2010، حيث موعد انتخابات مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ، وبالتالى مراهنة إسرائيل على عودة أكثرية موالية لها إلى الكونجرس من الجديد فى نوفمبر المقبل.

هذه الاعتراضات التى استولدتها الأوصاف الاستفزازية لنتائج زيارة نتنياهو للرئيس مبارك قد تندرج فى خانة تسهيلات للراعى الأمريكى، وبالتالى هى مقدمة إلى عودة «المباحثات» مسماة خطأ بـ«مفاوضات».. وباستطاعتنا الجزم بأنها ــ مثل سوابقها منذ أكثر من خمسة عشر عاما التى تميزت بكونها تمرينات عبثية، إضافة لكونها أبعدت الشعب الفلسطينى عن الاقتراب من فرص تقرير مصيره بتأمين حقوقه، بل بالعكس فإن الكثير من حقوقه خاصة حق المقاومة كاد أن يجهض لولا «تجذر الشعب فى أرضه الذى استمرأت إسرائيل استباحته والتمدد الاستيطانى فيه».

لذلك كلما توضحت الوقائع القائمة والمستجدة على الأراضى الفلسطينية، تجذر الاستغراب وتعززت أحقية الاستنكار والرغبة فى الإدانة، وبالتالى التزام العمل الجاد لاستعادة استقامة معادلة خيار وحدة المقاومة الفلسطينية بتنسيق عربى ملزم، وضاغط، وفاعل يحصن ثقافة المقاومة ووحدتها ويطالب بالحقوق الوطنية التى أكدتها الشرعية الدولية. إلا أن الوصول إلى كل من استقامة المقاومة وتعبئة الجهود والطاقات القومية يتطلب بشكل سريع الإعداد لوضع إستراتيجية مدروسة لتحرك سياسى وإعلامى واقتصادى يعيد إلى القضية الفلسطينية وحدتها، وبالتالى مناعتها وقدرتها على استقطاب الاحتضان الوجدانى الضاغط لاستعادة أهليتها للإلهام، كما ظهرت بعض معالم التجاوب والإسناد فى أثناء ارتكاب إسرائيل مجازر غزة فى مثل هذه الأيام من العام المنصرم.

لكن إذا كان ما نتمناه وما يستحقه الشعب الفلسطينى ليس قابلا للانجاز الفورى أو العاجل، فإن هذا لا يعنى أن الأجواء الدولية والشعبية غير مستعدة لاستعادة حيوية التزامها والطاقات المتوافرة لديها وتنظيم أطرها وفرز مرجعيات موثوقة توجه نضالاتها لمساندة قادرة على التصدى للمشروع الصهيونى فحسب، بل بتوفير المناعة لمجتمعات أوطاننا التى بدورها وبالسياق ذاته تمكن الدول العربية من التمسك بتوجهاتها القومية والحيلولة دون التفكك العبثى داخلها، وهو ما يوفر لهذه الأمة فرص تجسير الثروات المتوافرة فى خدمة متطلبات التنمية المستدامة وحماية البيئة من التلوث وتأمين حاجات الإنسان كأحد مقومات حقوق الإنسان.. كل ذلك من خلال إفراز الحكم الرشيد وإنهاء الشروط المكبلة لطاقات عربية تعانى الكثير من التهميش ناهيك عن ممارسات الإخراس والقمع وتفشى حالة عامة من الإحباط.

هذه الفرص المتوافرة لاستعادة نجاعة الالتزام القومى هو ما تعمل إسرائيل الحيلولة دونها، كونها تدرك أن التوجه الوحدوى من خلال المباشرة بالتنسيق الملزم فيما بين أوطان الأمة العربية هو الكفيل لمجابهة محاولات إسرائيل الإمساك بالقرارات المتعلقة بمصير المنطقة العربية، وافتعال حالات التبعثر الحاصلة فى العديد من أقطارنا، وإمعانها فى التهديد لكل ما يعيق عنصرية كيانها، وتمدد استيطاناتها، ومحاولاتها تأكيد احتكارها للسلاح النووى. هذا لا يتم إلا من خلال أولويات عاجلة يجب تأمينها، وهى إعادة الوحدة الوطنية للشعب الفلسطينى ليس من خلال مصالحات هشة من شأنها إسقاط خيارات المقاومة، أو إسقاط المشاركة العربية فى صناعة القرارات المتعلقة بالحقوق الفلسطينية، وبالتالى عدم استئثار القوى المطبعة التعامل مع مستلزمات القضايا المركزية للعرب، وفى طليعتها فلسطين.

صحيح أن معظم هذه الأهداف لن يتحقق بسهولة ولا يمكن الاستهانة بالمعوقات القائمة والمتجذرة فى الواقع القومى الشامل. لكن بنفس الوقت لا يجوز التسليم بأن ما هو حاصل هو الدائم، فهذا من شأنه أن يؤول إما إلى الاستكانة أو إلى الانفجار، ونحن بصدد مشاهدة بعض تداعيات كل منها. لهذا السبب ينبع إصرارنا على أن ننفذ إلى وعينا ضرورة الوعى بمسئولية الكلمة، ومن هنا تعبيرنا عن مخاوف حقيقية من الزيارة التى قام بها نتنياهو للرئيس مبارك.. ومن هنا حرصنا ألا يكون التعامل الرئيسى مع القضية الفلسطينية من خلال جهاز المخابرات المصرية مع الاحترام لكونها إحدى الطرق ــ وليس الوحيدة ــ لمساندة ودعم أهداف حركة التحرير لشعب فلسطين.

إن إصرارنا على مسئولية الكلمة وشفافية النتائج التى أدت بوزير خارجية مصر وصف المباحثات بأن رئيس وزراء إسرائيل «أبدى رغبة فى أن يتحرك» وأن الاجتماع «كان إيجابيا للغاية» فى ضوء الخلفيات وأسباب الإخفاق منذ اتفاقات أوسلو وخريطة الطريق وغيرها من عمليات الإلهاء والتحريف وضياع الوقت والفرص، فإن مفردات يستعملها وزير خارجية دولة مصر ــ مصر جسر التواصل بين مغرب الأمة ومشرقها، مصر الدولة الرائدة، مصر المخزون الرئيسى للطاقات الشعبية، مصر محور العمل العربى المشترك، مصر بالنسبة لشعوب الأمة هى أم الدنيا ــ أجل لا يجوز ولا يجب أن يستطيع وزير فيها أن يصرح بما هو بمثابة تخدير لإرادة الأمة، تعطيل لدور فاعل، استغباء لوعى الجماهير، وتستر على من احترفوا التزوير للحقائق وتلاعبوا بالمصطلحات وأمعنوا فى ممارسة المجازر ونحن اليوم فى الذكرى الأولى لمجزرة غزة. أجل كلمة مصر يجب أن تكون مستوعبة للحقيقة وإلا فليست الكلمة كلمة مصر.. مصرنا.. مصر العرب.
 قضايا عربية www.arabissues.com
arabissues@gmail.com

* حقوق الطبع والنشر غير محفوظة بشرط ذكر اسم الكاتب و الموقع عند النقل
* كل كاتب يعبر عن رأيه  "وذنبه على جنبه" والموقع  وإدارته لا علاقة  لهما بما ينشر