|
مفاتيح القدس لأهلها .. وما زالت تنتظر ؟ |
د. محمد ناصر الخوالدة |
|
Jun 26, 2008 |
قصة
قصيرة
كان المطر يهطل كأفواه النوافير , ولكنه ككل مطر سرعان ما انقطع , وصحا الجو , وشعت الشمس فوق الحقول , وغاصت السحب القاتمة الدكناء , باتجاه الشرق , ومن هناك بداء يدوي هزيم الرعد . وتعالى من جميع الأرجاء خرير الماء , وانحدرت الجداول من التلال باتجاه الأسفل .
أما في وادي البلدة حيث كان ينساب في السابق ماء ساقية رفيعة كالخيط فقد أخذت تصطخب ألان مياه نهر كامل , عكر , عريض , رهيب , وهرع أهل البلدة وقد وضعوا الكوفية على رؤوسهم أو اعتمروا بكيس ما , وهم حفاة لجمع حاجياتهم , أو لفتح منفذ لتصريف المياه المجتمع , أو للتجمهر عند بطن الوادي لمشاهدة هذه المياه , وتحت الأشجار أكتست الأرض بالأغصان التي طوحت بها العاصفة .
أبو زيدان عند باب المقهى ينظر خارجها , ولاحت في الأسفل عربة يجرها حصان أشهب معقود الذيل , وقد بلله المطر , فبدأ ظامر رشيق , ووقف في مقدمة العربة رجل ذو شاربين أسودين , ممتلئ الجسم وقصير القامة , ولما اقترب عرفه أبو زيدان , انه مرشد , وهو شخص يعمل منذ زمن قريب حوذيا يتقل الحمولات على عربته بالكراء ويمكن للمرء أن يلتقي به في الطرقات حتى في اسواء الأوقات . وكان المطر قد غسل مرشد على نحو جيد أيضا , فتهدل شارباه , ولمع وجهه الأسمر , ولما وصل المقهى أوقف العربة وأرخى سير الجواد , ونزع عنه الأعنة , وقدم له بعض التبن .
وبعد ذلك ألقى نظرة على سيل الماء المتنامي في الوادي ودخل المقهى , واستقبله أبو زيدان بقوله :
_ مرشد , إلى أين تنطلق في مثل هذا الطقس ؟
_ إلى أخر البلدة
_ ولكن كيف ستجتاز الجسر , لقد غمرت المياه الجسر عند منطقة البركة , انك ستغرق هناك .
فرد مرشد باقتضاب :
_أعطني كاسة شاي على كيفك .
ونزع الشماغ ( الحطة ) والعقال عن رأسه , وعصر الشماغ ثم وضعهما مجددا على هامته , وكان عابس الوجه يبدو وكأنه غاضب لأمر ما , وقال وهو يرشف كاسته:
_ هل سأغرق ؟ يا له من شأن خطير , إن العالم لن ينتهي إذا ما مات شخص بائس من أمثالي . ألم تسمع يا أبو زيدان ، بقصة ذلك ألنوري , فعندما جاء الشتاء وهبت الرياح الزمهرير التفت ألنوري نحوها وصاح :
_ أنت أيتها الريح ! هل ستصبحين غنية إذا ما أخذت روح نوري ؟ .
وهذه هي حالتي أنا أيضا , لاسيما الآن وقد أسود كل شيء أمام ناظري ...
وفطن أبو زيدان إلى أن مرشد قد بات بدون عمل منذ أكثر ثلاثة أعوام , وله أسرة فوق ذلك , ولا يستطيع بعمله الحالي أكثر من إعالة نفسه , ولا شك أن هذا هو مصدر تعاسته .
ولذا قال له :
_ ألم تتمكن يا مرشد من العثور على وظيفة . فعلى الأقل إنك تحمل شهادة جامعية ,اعتقد بأنك مهندس , مما يؤهلك أن تحصل على وظيفة ما , هل الدنيا انقطعت الآن .
_ أعطني كاسة شاي بالنعناع ... أجل , هناك مثل هذه الوظيفة كما تقول , ولكن توجه لتحصل عليها , وسوف ترى الكثيرين أمثالك , ثم أن أحدهم وهو من طينتنا مستور الحال , مزهو بنفسه , مر قبل مدة من الزمن قرب بيتنا , وكنت وقتها في الإسطبل أتدبر أمر الحصان , فسمعني وأنا أصرخ بالحصان , فقال عني : أنه إنسان شرير لقد سمعته كيف يعنف جواده , فشعرت بالخوف منه .
_ أقال أنك شخص شرير لمجرد صراخك بالحصان ؟
_ بلى , ولكنك إذا لم تنهر الدابة فأنها سوف ترفسك أو أنها ستعضك . ومع ذلك ما حيلتي , إذا كان الله قد وهبني صوتا كهذا , ,إذا ما عمدت إلى التحدث بهدوء كحالي الآن وسمعني أحدهم لقال أنني أتشاجر وأخاصم .
دعك من الوظائف والناس يا صاح ... هات , صب لي كاسة شاي أخرى .
ولبث مرشد صامتا برهة ثم قال :
_ من حسن الحظ أن العجوز ما زالت بخير , والدنيا يبدو فيها الخير , فهناك من الأصدقاء ما زال صديق ؟ وهناك مثل مفاده نياله ايللي عنده أم . إنها الوحيدة التي تعتني وتفكر فيك كذلك يمكن أن تعتني بأطفالك , ولولاها لن يعرف أحد كيف سأتدبر شؤوني ...
ومكث أيضا بعض الوقت دخن خلاله سيجارة , كان قد طلبها مني واجترع كاسة شاي كبيرة ثم نهض , وحاول أبو زيدان ثنيه عن عزمه :
_ انتظر إلى أن يمر سيل الماء ... لن يمكنك العبور .
فرد مرشد مشيرا إلى جواده :
_ هل ترى هذا التنين , انه ينطلق إلى حيث تدفعه , وأنا لا أهاب شيئا .
ودب فيه فيض من الحماسة وزاح حطته وعقاله إلى الخلف , وهو لم يكذب حين قال انه لا يخشى أي شيء , إذ صعد إلى العربة وأصلح شاربيه الطويلين وهز لجام حصانه .
ونظرا لمجيء السيل انقطع الاتصال بشطر البلدة من الطرف الآخر , ولهذا لم يقصد مقهى أبو زيدان هذا المساء , سوى عدد قليل من الناس , وبعد رحيلهم فكر أبو زيدان انه لن يطرق بابه آخرون , ولذا تصفح دفتر سجله , واستعد للإغلاق . وفي هذه اللحظة بالذات توقفت عربة في الخارج ولم يند عنها سوى صرير خافت نظرا لكثرة الوحول , فقال أبو زيدان لغلامه .
_ انظر من القادم !
واطل الغلام برأسه من الباب وأجاب :
_ هناك شاب ينزل من العربة .
ورفع أبو زيدان رأسه , وظهر على عتبة الباب شاب وسيم , ولاح من ورائه شاربا مرشد الكبيرين ووجهه الأسمر , وسمع صوته يقول قبل أن يدلف إلى الداخل :
_ مساء الخير يا أبو زيدان ! فرد هذا عليه وهو ينقل نظراته بينه وبين الشاب :
_ انك لم تستطيع العبور أليس كذلك ؟
_ لقد اجتزت المكان عند البركة , ولكنني واجهت سيلا أكبر . إنني سوف أحدثك عن ذلك بعدئذ . أما الآن فأنظر يا أبو زيدان , ألا ترى أن البلل قد أصاب الشاب . لا بد وان لديكم نارا , فدعه يصطلي , ونظر الشاب في خوف , لقد كانت ثيابه تقطر ماء , ورفع بصره في فزع نحو أبو زيدان , انه فتى شديد القوام , ينم وجهه عن عز ووسامة , ولكنه ذو عينين عسليتين صغيرتين , أما عمره على الأكثر لا يتجاوز السادسة عشرة عاما .
وقال أبو زيدان :
_ من هو ؟
_ سأقول لك ... أنها .. كوميديا مكتملة . ناولني فنجان قهوة مرة ! حينما انطلقت من هنا إجتزت السيل عند البركة دون أن اشعر , ولما وصلت إلى وادي السكنة هالني ما رأيت , ويبدو أن المطر هناك كان أغزر لان ماء السيل غدا كالبحر أو كأنه نهر النيل , واحترت فيما أصنع , ورحت أتسأل : ما العمل ؟
وأوقفت العربة لاستجماع أفكاري , وعدا ذلك فقد حل الغسق , وهبط الظلام , وانشقت إحدى السحب ولمع وميض البرق . وصرت أرى الماء من جهتي , أما الطرف الآخر فلم يعد يرى ... ورشف من فنجان القهوة بصوت مسموع حاد !
_ وماذا حدث بعدئذ ؟
_ احترت في أمري , ونظرت في أحد الأوقات فشاهدت جانبا , أنسانا مقبلا بمحاذاة الماء , كان فتى , أرايت ما العمل ... ورحت أراقبه : لقد تابع سيره بمحاذاة الماء ثم توقف , وبعدئذ بان عليه العزم , وكأنه ينوي الإلقاء بنفسه , وارتد من جديد , وندت عنه همهمة كمهر صغير . لقد كان يبكي , فقلت لنفسي : وراء الأكمة ما وراؤها هات فنجان قهوة آخر ! .
_ ولكن كيف ... أو لم تقع عينيه عليك ؟
_ كلا , أنه لم يفطن إلى وجودي حتى ذلك الحين , ولكنه عندما رأني انقلب على عقبيه وأنفلت هاربا , فصحت به : قف ! بيد انه واصل عدوه , ولكنني ما أن صرخت به بصوتي الجهوري مرة أخرى : " قف " حتى تسمر في مكانه , وحتى لا اشتط كثيرا في الحديث , أخذته وعدت به بالعربة .
_ ومن هو هذا الفتى , ألم تسأل عنه ؟
_ أنه من طينتنا يا أبو زيدان , كان يشتغل مع والده في المدينة , في شركتهم التجارية كما قال , وذكر لي انه يتعذب كثيرا , وأنا أقول لك الحق : وهل من السهل أن تنهي دراستك المتوسطة , وأن لا تكمل مسيرتك التعليمية ؟ فهو يريد أن يكمل تعليمه , ووالده يريده أن يعمل معه في الشركة , ضاربا له الكثير من الأمثلة عن الشباب الجامعي , والعاطل عن العمل , ولذا وصل به الآمر إلى حد أنه انطلق هاربا في أحد الأيام إلى حيث تقوده رجلاه .
_ هرب ؟
_ في نفس اليوم , قبل هطول المطر ولما اجتاز وادي السكنة فاجأه المطر .
_ وعما كان يبحث عند السيل ؟
لوح مرشد بيده وأجاب :
_ وما الذي يبحث عنه أنسان يائس يا أبو زيدان ...
- وهل كان ينوي إغراق نفسه ؟
- المهم أنني ثنيته عن عزمه عندما حدثته ونحن في الطريق . ولقد كلمته طويلا , وقال لي انه كاد أن يقوم بحماقة , وانه لن يفكر ألبته في مثل هذا الآمر , وانخرط في البكاء, وكما تعلم فان البكاء يخفف ما في النفس , صب لي كاسة شاي ثقيلة مع الميرامية .
فسأله أبو زيدان :
- وماذا نوي صنعه ألان , إلى أين ستمضي به ؟
- إلى البيت طبعا , وسأدعوه يرتاح يوما أو يومين , وقد أخبرني أين يعيش , ولذا سأقوده من ثم إلى داره , وانفرج الباب الصغير في أقصى المقهى ودخل الغلام حاملا شيئا للأكل , فقال مرشد :
- ماذا يا وليد , ألم تعود تشعر بالبرد ؟
ابتسم الفتى , فقد تحسنت حاله , وفارق الشحوب محياه , وتفتحت أساريره قليلا , كما زال خمول عينيه .
_ اجلس لتناول شيء من الطعام , إن أبو زيدان إنسان طيب , وقد قرر أن يقرينا , اجلس أنت يا أبو زيدان , ألن تجلس لتأكل سوية ؟
فرد أبو زيدان :
_ تفضلوا , كلوا أنتم .
_ جئنا إذن بإبريق الشاي , وجلسا بجانب بعضهما , ولم يبتسم مرشد , وأنما بدا جهم المنظر , رزينا , كيسا , مفرط العناية , سارح الفكر بالمفارقة العجيبة بينهما , فهو الحاصل على أعلى درجات العلم , ولا يحد كيف يكرسها عمليا , وهذا الذي يتوفر له العمل , ويريد إكمال تحصيله العلمي .
_ تناول من هذه السندويشات يا وليد , وكل إنك متعب , لبد من الغذاء , وبعدئذ سوف نمضي .
_ ولكن السيل ؟ كيف سنعبر النهر ؟
_ نحن لن نتجه صوب الماء , فطريقنا يمر من الجهة الأخرى , عبر الهضبة .
وبعد أن انتهيا من الطعام أخذ الشاب يستعد لصعود العربة , وفي هذا الوقت فك مرشد دبوس جيب بنطاله وأخرج محفظته ودفع الحساب , وخرج أبو زيدان لوداعهما , وأمسك مرشد بالأعنة و بسوطه , ولم تمض لحظة إلا وأصبح النور المنبعث من باب المقهى ورائهما , وبعد ذلك غاصت العربة في الظلام , وغاب صريرها بين الوحول , ومن الجانبين التمعت في الحلكة صفحة ماء السيل وكان ما يزال واسعا , وتناهى من الوسط حيث يمر الجدول صوت تلاطم الأمواج , ولكن الماء ظل ساكنا , رقيقا عند الأطراف يعكس السماء ونور بعض النجوم , وقد خيم الظلام على البلدة , أما أبو زيدان أغلق المقهى , وذهب إلى البيت .
وبعد مضي شهر وبعض الشهر جاء مرشد على غير انتظار في أحد الأيام إلى مقهى أبو زيدان , وبدا جليا من النظرة الأولى أنه قد تغير , إذ أصبح أكثر مرحا , ورشاقة أيضا , وكان قد عقف شارباه , في الطرفين إلى الأعلى , وأفتر ثغره عن ابتسامة , وأقبل أبو زيدان يسأله :
_ أين ضاعت أخبارك يا مرشد ؟ ما الذي جرى لذلك الفتى ؟ وأين هو الآن ؟
_ عند أهله في البيت , وأين يمكن أن يكون .
وضحك مرشد واستطرد يقول , وقد رأى أبو زيدان يتأمله بدهشه :
_ لماذا تحدجني بنظراتك , أنت تذكر المطر الغزير أليس كذلك ؟ ياله من مطر طيب , أنظر أي محاصيل تم جمعها هذا العام . وأنا البائس , شاهدت الخير فيه أيضا .
_ ماذا , أنت ... هل حققت أمنيتك في الوظيفة التي طالما تنتظر ؟
_ لا باس ,لا بأس , لقد كانت ... لماذا تتفرس في ؟ في تلك الأمسية , ألم أخبرك , أنني اصطحبته إلى بيتنا , فقد فكرت في مكوثه عندنا يوم أو يومين للراحة , حسنا . ولكنني أتصلت بأهله , ورويت لهم الحكاية .
_ وبعدئذ ؟
_ حضر والداه , وأخذاه , وطلب مني والده حضوري الضروري لطرفه , وبعد يومين , لوحت بالسوط فوق الجياد وتوجهت إلى مدينتهم , وعند اجتماعي بوالد الشاب , والذي بدوره كان قد بين لوالده أحوالي والمفارقة بيننا , ومع حضوري قدم لي والده سائر الأوراق اللازمة لعقد عمل , وكان قد حفزه أمرين في ذلك , الأول , إنقاذي وارشادي لابنه , والثاني , وهو ما شده الطريقة التي اكتسب منها ما يعيلني على الرغم من درجتي العلمية , فعدت وأحضرت أوراقي الثبوتية , وحصلت على الوظيفة وانتهى الأمر , لكم حمل ذلك المطر من خير وتوفيق , ومن حسن حظ عائلتي أنهم يروا بي , رب أسرة كباقي البشر , يصحو مبكرا , ويأتي مساء من عمله , جئني بكأسة شاي دبل بالنعناع هذه المرة .
فقال أبو زيدان ضاحكا :
_ لقد كنت في السابق تشرب كاسة الشاي الصغيرة وبسرعة وتسجل على الحساب , فأصبحت تفضل الدبل مع النعناع الآن .
_ أنه الحال يا أبو زيدان , ويقولون أن الحظ يلعب دورا في حياتنا , ما رأيك؟
أبتسم مرشد وفتل بأصابعه شاربيه الطويلين , ولم يطل مكوثه في المقهى ولم يشرب غير كاسة الشاي هذه . وخرج , وأخرج السوط من جيب بنطاله ولوح به ,فضحك أبوزيدان مرة أخرى .
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@yahoo.com |