شراء البيوت من البنوك مباشرةً كما عليه العمل في الولايات المتحدة (Foreclosure )

  د. معن القضاة

 kqmain@hotmail.com

May 30, 2008


 

أولاً: صورة المسألة

 

        يتملك البنك البيت المرهون لحسابه بسبب إخفاق المشتري الأوّل في دفع الأقساط الشهرية المستحقّة للبنك، ثم يقوم البنك بإعادة بيعه لعميلٍ اخر، ويتم ذلك عن طريق إقراضه المبلغ المتفق عليه لشراء البيت، ويستردّ البنك القرض على المدى البعيد بالتقسيط ، وبزيادةٍ ربويّةٍ متفق ٍعليها.

 

ثانياً : تأصيل المسألة

 

   في المسألة عقدان،عقد بيع ٍ وعقد قرض. أما البيع فظاهرٌ، وأما القرض فلأن البنك يقوم بإقراض العميل مبلغاً بفائدةٍ ربويةٍ، فيدفع العميل ثمن البيت، وتبقى ذمّته مشغولة ً بالدّين ، والبيت مرهوناً للبنك (البائع والمقرض في أنٍ معاً) إلى حين سداد ما عليه من الدّين.

 

ثالثأً : النازلة في المسألة

 

   الجديد في هذه المسألة أن البائع هو المقرض، وأن إقحام القرض في المعاملة أمرٌ تفرضه الأعراف  الاقتصادية في الولايات المتحدة، حيث يُعتبر البنك مؤسسة ً ماليّة ً تمويلية ً تستربح من وراء الإقراض الربويّ وما يدور في فلكه من خدماتٍ تكميليةٍ ، وليس مؤسسة ً تجارية ً تتملك العقارات وتبيعها. وإنما تملّك البنك البيت استثناءً من الأصل لأن ذلك هو مقتضى عقد الرهن المبرم بينه وبين عميله السابق الذي لم يف ِ بالتزامه.

 

  ولذلك، لا يرغب البنك أبداً  في بيع البيت بالتقسيط لأنه إذا ترتّب على هذا البيع أي إجحاف ٍ لحقوق المساهمين أو فشلٍ في تحصيل الثمن من العميل الجديد لأي سببٍ من الأسباب فإن البنك معرضٌ للمسائلة القانونية من قِبَل مساهميه تحت ما يسمى  بقانون (تصرفات الرجل الرشيد) ، ومعناه أن من لم يتصرف في أموال غيره بمقتضى الرّشد والحكمة فإنه مُدانٌ قانونياً.

   ولا يُستثنى من ذلك إلا إذا أراد العميل أن يشتري البيت نقداً، فعندئذٍ يجوز للبنك بيع البيت، لكنّ ذلك لا يحدث عادةً في أمريكا لأن الناس يفضّلون الشراء بالتقسيط حتى وإن تمكنوا من الشراء نقداً، وذلك لاعتباراتٍ قانونية ٍ واقتصادية ٍ وضريبية ٍ.

 

 

رابعاً : حقيقة عقد الدّين في هذه المسألة

 

  يمكن الحكم على مدى اعتبار الدّين المبرم في هذه النازلة عقد قرض ٍ تناط به أحكام القرض في الشريعة الإسلامية من خلال ملاحظة الحقائق التالية:

 

1- الدين مرتبطٌ  بشراء البيت محل التفاوض، فهو ليس مقصوداً لذاته.

2- لا يقبض المدين ( أو المشتري) المال، ولا يملك حرية التصرف فيه إطلاقاً.

3- البائع والمقرض جهة ٌ واحدة ٌ لها نفس الذ ّمة المالية.

4- حاجة  البنك لللإقراض تمشّيا ً مع النظام المصرفيّ العام ، وحرصاً على تحصيل حقوق مساهميه، واحتياطاً من الوقوع تحت المسائلة القانونية، وليس لرغبته في الإقراض.

5- وقوع البيت في ملكية البنك وضمانه إياه، ورغبته في التخلّص منه بالبيع بأقل الطرق مؤاخذة ً من الناحية القانونية، وهي الإقراض مع البيع.

 

  ومن المعلوم أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني وليس للألفاظ والمباني. فلو وهب زيدٌ لعمرو ٍبيتاً على أن يهبه مائة ألف ٍ وقعت المعاملة بيعاً وإن نُصّ على الهبة ،ولو زاد البائع في ثمن السلعة لبيعها بالتقسيط وقعت الزيادة ربحاً وإن سُمّيت ربا، ولو دفع المدين زيادةً للدائن بسبب تأخّره في الدفع وكانت الزيادة مشروطة ً  وقعت ربا ً وإن سميت غرامة تأخير ٍ.... وهكذا.

 

وفي المسألة موضع النظر، وباعتبار الحقائق السابقة ،  يمكن القول أن الدّين ليس مقصوداً لذاته ، إذ لا يقبض المقترض فيه المال ، ولا يقع في ضمانه أصلاً، ولا يتمكن من التصرّف فيه، فلم يبق إلا القول أنه  عقد ٌ صوريّ ٌ لا وجود له حقيقة من الناحية الشرعية، حتى وإن وجد من الناحية المصرفية والقانونية.

 

  هذا،  ولا يقدح في الفقه السابق  أن البنك ليس ملزماً قانونياً بالإقراض وأن بإمكانه أن يبيع بالتقسيط ، فإن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً ، وقد جرى العرف العام على أنّ البنك يُقرض ولا يبيع بالتقسيط. كما أن  اضطرار البنك  للإقراض ليس هو سبب القول بصوريّة عقد الدّين وعدم الاعتداد به شرعاً كما تقدّم ، وإنما  قََصد ُ البيع وعدم قصد الدّين هو السبب، ولطالما اعتد الشارع الحكيم بالمقاصد ولم يلتفت إلى الظواهر، فهو قد حرّم بيع العينة بالنّظر إلى القصد منها مع استيفائها شروط البيع، وكذلك فعل في نكاح المحلِّل للسبب ذاته.

 

 

خامساً : حكم المسألة

 

   يتجاذب المسألة حِلّ ٌ وحرمة ٌ، حرمة ٌ بسبب إبرام عقد قرض ٍ ربوي ّ من الناحية المحاسبية والقانونية اقترن بعقد البيع، وحلّ ٌ بسبب صوريّة هذا العقد من الناحية الشرعية، وعدم ترتُّب أحكام القرض عليه ، ومنها جريان الربا فيه.

 

   ومع استصحاب قاعدة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني)، وإعمالاً لقصد الشارع الحكيم في التيسير على المكلفين، فإن القول بإباحة هذه المعاملة هو الأصح، فالمعاملة بيع ٌ بالتقسط وإن سميت قرضاً ربوياً ، والدّين وفوائده ثمن ٌ للبيت.

 

وعليه، فإذا تملّك البنك البيت تملكاً قانونياً ، ووقع في ضمانه، وترتب على إعادة بيعه إبرام عقد قرض ٍ ربويٍ مقترنٍ بعقد البيع ، وكان المُقرض هو البنك البائع، ولم يتدخل طرف ٌ ثالث ٌ له ذمّة ٌ ماليّة ٌ مختلفة ٌ عن ذمّة البنك لتمويل الصّفقة، وكان القرض مقيداً بشراء البيت محل التفاوض ، ولم يملك المشتري حرّية التصرّف في القرض، ولم يقبضه، ولم يقع في ضمانه ، فالمعاملة مباحة ٌ.

 

 

سادساً : اعتراض ٌ وجوابه  

 

    قد يُعترض على الفقه السابق بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ٍ وسلفٍ، وأن هذه المعاملة فيها بيع ٌ وسلف .

 

  والجواب على ذلك أن محل ّ النهي في الحديث هو أن يكون البائع مقترضاً من المشتري وليس مقرضاً له ، وأن يكون إعطاء القرض شرطاً لإتمام البيع، وليس الحال كذلك في مسألتنا.

 

  أما أن البائع مقترض ٌ، فقد قال الزيلعي في نصب الراية (ج 4 ص 471-476)  باب  بيع الطريق وهبته:

 

(... أما السلف والبيع ، فالرجل يقول للرجل : أبيعك عبدي هذا بكذا وكذا على أن تقرضني كذا وكذا ).

 

 وإلى ذلك ذهب ابن الهمام في فتح القدير (ج1 ص 446) في معرض حديثه عن الشروط المفسدة للعقود حيث قال (... وكذلك لو باع عبداً على أن يستخدمه البائع شهراً أو داراً على أن يسكنها أو على أن يقرضه المشتري درهماًًًًًًً أو على أن يهدي له هدية ً، لأنه شرط ٌ لا يقتضيه العقد وفيه منفعة ٌ لأحد المتعاقدين، ولأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ٍ وسلف...).

 

  وأما اشتراط القرض لإتمام البيع، فالقرض ليس شرطاً في مسألتنا ، إذ لو بدى للعميل أن يشتريَ البيت نقداً ما منعه البنك من ذلك . كلّ ما في الأمر أن عمل الناس على خلافه لاعتبارات ٍ سبقت الإشارة لها، بل ولا يشترط البنك على العميل أن يقترض منه لا من غيره، فإن من حقّ العميل أن يقترض من غيرالبنك البائع  إذا أراد.

 

 

   وحتى على افتراض أن البائع هو المقرض - كما ذهب إلى ذلك ابن قدامة في المغني- فإن بين المسألتين من الفروق ما يجعل الاستدلال بالحديث موضع نظر.

 

 قال رحمه الله في المغني (ج 4 مسألة رقم 3131) في التعليل لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ٍ وسلف :

 

(... ولأنه إذا اشترط القرض زاد في الثمن لأجله، فتصير الزيادة في الثمن عِوضاً عن القرض وربحاً له، وذلك رباً محرّم، ففسد كما لو صرّح به).

 

  فلا القرض مشروطٌ  في مسألتنا هذه ، ولا ثمن البيت زِيد فيه لأجل القرض، بل وليس البائع مخاطباً بأحكام الشريعة حتى يعنيه التهرّب من الربا ابتداء ً.

 

  فيظهرمن المناقشة السابقة  أن المسألة ليست مناطاً للحديث ، وأن الحديث خارج محل النزاع ، وأن الفقه في هذه المعاملة الإباحة ُ ، والورع التّرك، والله أعلى وأعلم.  

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد

 

  فلقد نظرت اللجنة الدائمة للإفتاء في مسألة شراء البيوت من البنوك مباشرة ً بالطريقة التي تتم في الولايات المتحدة، وقدّم بعض الأعضاء أوراق عملٍ للنقاش وتبادل الرأي، واستغرق بحث هذا الموضوع عدداً من الجلسات ، كما قامت اللجنة باستشارة اللجنة الاستشارية العليا نظراً لحداثة هذه المعاملة وكثرة سؤال المسلمين عنها، خاصة ً بعد الكساد الذي يشهده سوق العقارات في الولايات المتحدة ، وكثرة الراغبين من المسلمين في الشراء بطريقة ٍ مباحة.

 

  وقد تعددت أراء أعضاء اللجنة حول حكم هذه المعاملة بناءً على مدى الاعتداد بعقد القرض الذي يمنحه البنك لعميله لإتمام صفقة البيع، وما إذا كان هذا العقد حقيقيا ً تناط به أحكام الدّين في الفقه الإسلامي ومنها جريان الربا فيه ، أو أنه عقد ٌ صوريٌ لا وجود له من الناحية الشرعية حتى وإن اعتد به من الناحية القانونية.

 

  فالقائلون بحظر المعاملة استصحبوا الأصل وهو النص على وجود عقد دين ٍربوي ٍ مرتبط ٍ  بعقد البيع.

 

  والقائلون بالإباحة استصحبوا المقصود من الصفقة وهو بيع البيت وليس الإقراض، ووضعوا لذلك عددا ً من القيود فقالوا:

 

  إذا تملّك البنك البيت تملكاً قانونياً ، ووقع في ضمانه، وترتب على إعادة بيعه إبرام عقد قرض ٍ ربويٍ مقترنٍ بعقد البيع ، وكان المُقرض هو البنك البائع، ولم يتدخل طرف ٌ ثالث ٌ له ذمّة ٌ ماليّة ٌ مختلفة ٌ عن ذمّة البنك لتمويل الصّفقة، وكان القرض مقيداً بشراء البيت محل التفاوض ، ولم يملك المشتري حرّية التصرّف في القرض، ولم يقبضه، ولم يقع في ضمانه ، فالمعاملة مباحة .ٌ

 

 وهناك فريق ٌ ثالث ٌ لم يترجح عنده أيّ ٌ من الرأيين السابقين، فاثر التوقف عن الإفتاء في هذه النازلة لمزيد ٍ من النظر والتأمل.

 

  وفيما يلي أسماء كل فريق :

 

أولاً : القائلون بالإباحة بالشروط المذكورة أعلاه

 

1- الدكتور وليد المنيسي

2- الدكتور معن القضاة

 

ثانياً : القائلون بالحظر :

 

1- الدكتور محمد ساعي

2- الدكتور موفق الغلاييني

3- الدكتور أحمد شليبك

4- الدكتور حاتم الحاج

 

ثالثاً : المتوقفون عن الإفتاء في المسألة :

 

1- الدكتور صلاح الصاوي

2- الدكتور وليد بسيوني

 

  والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

 

                                                                   اللجنة الدائمة للإفتاء

 

 

رأي الدكتور حسين حامد حسّان   اضغط على الرابط

            


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة arabissues@gmail.com