شركات التمويل الإسلامية العاملة على الساحة الأمريكية

  د. معن القضاة
عضو اللجنة الدائمة للإفتاء في مجمع فقهاء الشريعة بأميركا

 kqmain@hotmail.com

Feb 12, 2007


دراسة مقدمة للمؤتمر الدوري الثالث لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا ,والمنعقد في نيجيريا في شهر( يوليو-2005م)



بسم الله الرحمن الرحيم



المقدمة:

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد:
فإن المسلم مطالب بطاعة الله سبحانه في كل مجالات حياته ، عقيدة وعبادة ومعاملات وأخلاقا ، وعليه سؤال أهل العلم فيما خفي عليه من أحكام الشرع .

وإذا قدر للمسلم أن يعيش خارج ديار الإسلام ، فإنه سيلاحظ التعارض بين الأنظمة الاقتصادية المعمول بها في هذه البلاد ، وبين بعض الأحكام الشرعية الاقتصادية التي يجب عليه الالتزام بها.

وبسبب هذا التعارض ، قامت هناك بعض المحاولات لتوفير البديل الإسلامي للجالية المسلمة ، توفيراً لحاجاتها ورفعا للحرج عنها ، لتمكن المسلمين من طاعة ربهم سبحانه في معاملاتهم خارج ديار الإسلام .

إن من واجب الجالية المسلمة –عموماً- شكر وتقدير القائمين على هذه المحاولات ، كما أن من واجب طلبة العلم الشرعي –خصوصاً- تقديم النصح والتوجيه ،و تقويم هذه المحاولات ، وبيان حكم التعامل مع هذه المؤسسات عند وجود المخالفات .

وفي الولايات المتحدة الأمريكية ، كثرت هذه المحاولات ، وكثر الإقبال عليها –ولله الحمد- من المسلمين المقيمين في أمريكا ، وكثر سؤال أهل العلم عن حكم الشرع في هذه المعاملات والعقود، وعن مدى التوافق بين الأحكام النظرية التي بيّنها العلماء ,وبين التطبيق العملي لها من قِبل هذه الشركات على أرض الواقع.

ومجمع فقهاء الشريعة بأمريكا هو أحد المرجعيات الشرعية للجالية ، ويتلقى العديد من الأسئلة حول هذا الموضوع ، ولذلك رأت أمانة المجمع تكليف بعض طلبة العلم بالكتابة وتحقيق القول في هذه المعاملات ، وبيان الحكم في هذه العقود ، نشراً للعلم وأداءً للأمانة .

هدف البحث:
هذه المحاولة هي بحث تطبيقي ميداني ، وليس دراسةً نظرية لأحكام المعاملات المعاصرة .
وبيان ذلك أن المقصود الأعظم من معرفة أحكام المعاملات هو فعل ما يجوز وترك ما يحرم طاعةً لله سبحانه ، ولقد بذل علماؤنا الأجلاء في المجامع الفقهية المختلفة جهوداُ حثيثة للتأصيل لهذه المعاملات وبيان الطريقة الصحيحة لتطبيقها نظرياً ، والخطوة التالية لذلك ، هي أخذ هذه القرارات والفتاوى وإسقاطها على الواقع للحكم على معاملةِ بعينها وشركة بذاتها حول مدى مشروعية التعامل معها بناءً على حظ عقودها من الصحة شرعاً ، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، وهدف هذا البحث هو إنزال الحكم على الواقعة ، وليس البحث عن حكم المعاملة أصلاً, وهو ما يسميه بعض الأصوليين (تحقيق مناط الحكم )



منهج البحث في جمع المعلومات:
يعتمد البحث في الحصول على المعلومات على المصادر التالية:
1. مواقع الشركات على شبكة الانترنت.
2. العقود التي تبرمها الشركات مع عملائها .
3. الاتصال الشخصي مع القائمين على الشركات ومرجعياتها الشرعية – إن وجدت – عن طريق الهاتف والبريد الالكتروني .
4. استشارة أهل العلم الذين سبق لهم بحث هذا الموضوع .

صعوبات واجهت البحث :
هناك العديد من الصعوبات التي تواجه الأبحاث والدراسات الميدانية ، أهمها ما يلي:
1. المسئولية القانونية في الولايات المتحدة عن إصدار فتاوى حول مشروعية التعامل مع شركات بعينها ، واحتمال مقاضاة المجمع بتهمة التشهير والإسائة ، خاصة عند القول بعدم جواز التعامل مع هذه الشركات.
2. فهم المصطلحات الاقتصادية باللغة الإنجليزية ، وترجمتها للعربية لمعرفة دلالاتها الفقهية وتأثيرها في الحكم حلاً وحرمةً .
3. صعوبة الحصول على المعلومات التفصيلية للعقود ، نظراً لامتناع بعض الشركات عن إعطائها ، أو تأخرها في ذلك ، خاصةً عند علمها أن هذه المعلومات مطلوبة للمجمع لغايات البحث العلمي وتقويم المعاملات ، وليس للتعامل مع الشركة .


الضوابط الفقهية للبحث :
يلتزم هذا البحث بالضوابط التالية فقهاً :
1. الأصل في المعاملات والعقود المالية الإباحة مالم تخالف نصاُ أو تأت بمحرم نهت عنه الشريعة .
2. الأخذ بالأيسر من أقوال العلماء وقرارات المجامع ما دام الاجتهاد صحيحاُ .
3. التدقيق في فهم المعاملة و طريقة تطبيقها عملياُ قبل الحكم عليها ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره .
4. التركيز في الحكم على المعاملات الواقعة فعلاُ بعيداُ عن التفصيل فيما لم يقع ، والأخذ بخلاصة ما ذهبت إليه المجامع الفقهية .ولذلك ، فلا غرابة من قلة مصادر ومراجع هذا البحث .

خطة البحث :
ينقسم هذا البحث إلى عددٍ من المباحث بعدد الشركات التي تمت دراسة عقودها فعلاُ، وكل مبحث ينقسم إلى المطالب التالية :
• المطلب الأول : التعريف بالشركة ونشاطها التجاري .
• المطلب الثاني : أنواع العقود التي تبرمها .
• المطلب الثالث : تقويم هذه العقود شرعاُ .
• المطلب الرابع : حكم التعامل مع الشركة .
• المطلب الخامس : المقترحات المقدمة لتطويرهذه العقود .

هذا , مع ملاحظة أن الشركات الإسلامية العاملة في أمريكا زادت على خمس عشرة شركة ، سيتم الحديث عن بعضها فقط ، وسردٌ بأسماء ومواقع الشركات الباقية ، على أن يتم دراسة عقودها والحكم عليها ، وتقديم بحث آخر للمجمع في العام القادم إن شاء الله .
وفي نهاية البحث سردٌ لبعض التوصيات ، ومشروع قرارٍ للعرض على المجمع للتسديد وإبداء الرأي .

والله الموفق ، وهو الهادي إلى سواء السبيل

د. معن خالد القضاة
لويزيانا – الولايات المتحدة الأمريكية
الإثنين، غرة ربيع الثاني /1425 هـ
الموافق 9 مايو 2005م


المبحث الأول: شركة (لا ربا- LaRiba)

المطلب الأول: التعريف بالشركة ونشاطها التجاري
شركة (لا ربا) من أقدم شركات التمويل الإسلامية التي تم إنشاؤها في الولايات المتحدة، حيث بدأت عام 1987م في تقديم خدماتها التجارية، وتشمل توفير البيوت، وإعادة تمويل شراء البيوت لمن أراد التحول من شركات التمويل الربوية التقلدية إلى هذه الشركة.
كما تقوم الشركة بتوفير السيارات والمعدات الطبية والأثاث المنزلي وغير ذلك مما يحتاجه الناس.
للشركة موقع على شبكة الإنترنت (www.lariba.com) وموقع آخر لشركة أخرى باسم (لا ربا مصر العربية)، وعنوانها على الشبكة (www.lariba.com.eg) وهي إمتداد للشركة الأولى، ولها نفس المنهج ,ويقوم عليها نفس الأشخاص القائمين على الشركة الأولى.

المطلب الثاني: أنواع العقود التي تبرمها
تقوم (لا ربا) بالتمويل على أساس عقد (المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك).
وحسب مصادر الشركة، فإنها تقوم بشراء البيت-مثلاً-مشاركة مع العميل، وبعد الشراء تقوم بتأجير حصتها للعميل، وببيع هذه الحصة بالتدريج إلى أن تنتهي الشراكة بينهما بشراء العميل كل نصيب الشركة.

المطلب الثالث: تقـويم هذا العقد
تتحدد العلاقة التجارية بين الشركة وعملائها على مستويين، وتظهر حقوق ووجبات كل طرفٍٍ منهما بطريقتين متلازمتين: موقع الشركة على شبكة الإنترنت، والعقد الذي يتم إبرامه مع العملاء.
أولاً: موقع الشركة على الإنترنت:
يظهر الموقع أن العقد الذي تجريه الشركة مع العميل يقوم على أساس الافتراضات التالية، وهي مأخوذةٌ نصاً-من موقع الشركة على الشبكة:
إن نموذج التمويل الذي نعمل به يعتمد على نظام (التأجير للشراء أو التأجير التمويلي) والذي يتم كأساس لحساب قيمة الدفعات الشهرية وتحديد القيمة السوقية للعقار. هذا هو ما ينفرد به نظامنا اللاربوي ......
يقوم هذا النموذج اللاربوي الخاص بنا بافتراض أن الشركة سوف تقوم بشراء العقار مشاركةً مع العميل، وتتفق على بيع حصتها في العقار إلى العميل، كما يفترض أن العميل يستأجر حصة الشركة في العقار، ويتم الإتفاق على إعادة شراء العميل لحصة الشركة في العقار بقيمة التكلفة بدون إضافة أي زيادة (فائدة) وذلك لفترة زمنية متفق عليها (فترة التمويل) بحد أقصى عشرون عاماً ......
وبناءً على الافتراضات السابقة، تقوم (لا ربا) بأخذ مبلغٍ شهريٍ ثابتٍ من العميل ينقسم إلى قسمين، وقد نص موقع الشركة على ما يلي:
تتكون الدفعة الشهرية من حاصل جمع: (الدفعة الشهرية لرأس المال * + الدفعة الممثلة للعائد على رأس المال **)
والمقصود بالدفعة الشهرية لرأس المال: ثمن بيع أسهم الشركة للعميل، والدفعة الممثلة للعائد على رأس المال: بدل تأجير حصة الشركة للعميل.
ويستمر العميل في دفع هذا المبلغ الشهري الثابت حتى سداد كل المطلوب، ويتملك المنزل كاملاً بناءً على ذلك.
والملاحظات على المعلومات المنشورة على الموقع كما يلي:
(أ‌) ينبغي أن يسمى النموذج السابق الذي تحدد فيه شركة (لا ربا) علاقتها مع العملاء نموذج (مشاركة متناقصة منتهية بالتمليك)، ذلك بحسب الطريقة الموصوفة على موقع الشركة أعلاه، وليس (التأجير للشراء أو التأجير التمويلي)، والذي يختلف قليلاً في مواصفاته وشروطه عن المشاركة المتناقصة، ويسميه بعض الفقهاء المعاصرين (الإيجار المنتهي بالتمليك)، ولا مشاحة في الألفاظ.
كما يشترط في النموذج السابق أن يلتزم بالشروط الذي وضعها علماء المجامع الفقهية المعاصرة لإباحة (المشاركة المتناقصة)، حتى يجوز للمسلم مباشرته، ممولاً كان أم عميلاً.
(ب‌) يشترط لصحة (الشركة المتناقصة المنتهية بالتمليك) على النحو المعهود فقهاً، والذي اعتمدته المجامع الفقهية المعاصرة، أن تمر بثلاثة عقود، لا تداخل بينها، ولا يشترط أحدها لإتمام الاخر، ويترتب على كل عقد أحكامه المقررة شرعاً، وهذه العقود هي:
1. يشتري الممول والعميل البيت على المشاع، كل حسب مساهمته، ويشتركان في دفع في التأمين الإلزامي، والصيانة، والضرائب، ورسوم نقل ملكية العقار للمالك الجديد، وغيرها، كل بنسبة ملكيته، ويتحملان مخاطرة تلف البيت بنفس النسبة.
2. يقوم العميل باستئجار حصة الممول من العقار.
3. يقوم العميل بشراء حصة الممول بالتدريج، وذلك بدفع قسط دوري يتكون من قيمة إيجار الجزء المملوك للممول، وثمن السهم المبيع للعميل، وذلك إلى أن ينتهي العميل من دفع ثمن كل الأسهم المملوكة للممول، فيمتلك البيت وتنتهي الشركة.
(ج) مجرد نص الشركة- في موقعها على شبكة الإنترنت- أنها تبرم عقود (التأجير للشراء أو التأجير التمويلي) لا يعتبر عقداً ولا شبهة عقد، لأن المكتوب مجرد افتراضات لا وجود لها واقعيا، ولا تراعي التسلسل والاستقلالية في العقود كما هو مشروط لصحتها، وهي إيجاب من الشركة لم يحظ بقبول من العميل، وحتى ولو وافق العميل على الافتراضات السابقة ضمناً أو مشافهةً، فإن المكتوب على موقع الشركة يتعارض تماماً مع مضمون العقد الذي تبرمه مع عملائها، والذي يرجع إليه عند الإختلاف.
(د) لا يغير حكم المعاملة تسمية النموذج ِ نموذجَ (مشاركةٍ متناقصةٍ منتهيةٍ بالتمليك) بدلاً من (التأجير للشراء، أو التأجير التمويلي)، بل لابد من ظهور ذلك جلياً في العقد الذي يبرم حقيقة ً مع العملاء، بأن يصف العقد طبيعة العلاقة بين المتعاقدين، وما يترتب على ذلك من حقوقٍ وواجباتٍ، فالعقد شريعة المتعاقدين، وإليه يرجع الخصوم عند التنازع، وعليه الاعتماد في القضاء، والعبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني.
ثانياً: العقد المبرم مع العملاء:
العقد الذي تبرمه شركة (لا ربا) مع العملاء ينص صراحة ً على أن العميل (مقترضٌ) لمبلغ ٍ من المال، ملتزمٌ بسداده (للمقرض)، وفيما يلي تقويمٌ لهذا العقد:
(أ‌) هو عقد قانونيٌ ملزمٌ للطرفين، يحدد العلاقة بينهما، أبرماه بإرادتيهما، وإليه يرجعان عند التنازع، وعليه العمدة في القضاء أمام المحاكم الرسمية، فهو شريعة المتعاقدين.
(ب‌) لا ينص العقد على وجود أيٍ من العقود الثلاثة المشار إليها سابقاً، واللازم وجودها لاعتبار العقد عقد (مشاركةٍ منتهيةٍ بالتمليك).
فالشركة لا تشتري البيت مشاركة ً مع العميل إبتداءً، ولا يذكر اسمها في أوراق ملكية العقار، وليس في العقد ما يدل على هذه المشاركة المفترضة بين الطرفين، ولا تتعرض لأي مخاطرة يتعرض لها المالك عادة, ولا تتحمل بموجب العقد أياً من المصروفات التي يلتزم بها المالك في الولايات المتحدة، ولا يوجد ما يدل على عقد الإيجار المفترض، ولا على بيع الشركة لحصتها للعميل، بل يقفز العقد مباشرة للنص على التزام العميل بدفع كافة المبالغ المترتبة عليه، وبصفته (مقترضاً) للمال، لا شريكاً في ملكية العقار، ثم مستأجراً، ثم مشترياً كما يجب.
(ج) يترتب على هذا العقد- بالضرورة- عدم التزام الشركة بواجبات الشريك، ويظهر ذلك في حالتين:
1. عند عدم تمكن العميل من دفع الأقساط الشهرية، تتخلى الشركة عن صفة الشريك، وتعمد إلى بيع البيت لاستيفاء حقها, فما كان من ربح فللعميل، وما كان من خسارةٍ فعليه وحده، مع أن الواجب اشتراكهما في المغنم والمغرم بسبب المشاركة المفترضة, ولكن هذا لا يتم.
2. عند تغير القيمة السوقية للعقار، لا تتغير مستحقات الشركة على العميل، لأن أرباح الشركة من هذه الصفقة محددةٌ من البداية، ويتم استيفاؤها شهرياً، فلو هبطت قيمة العقار بعد فترة من الزمن، فالواجب أن تقل مستحقات الشركة عند بيع الأسهم الباقية لها للعميل، وهذا ما لا يتم.
(د) ينص العقد على التزام العميل بدفع غرامة مالية قدرها (2%) من المبلغ المستحق عليه، وذلك إن لم يدفع ما عليه في الوقت المحدد، وهذا صريح الربا.
(هـ) ينص العقد على حق الشركة في بيع مستحقاتها المالية لأي طرف ثالث، ومن واجب العميل أن يسدد الدين المستحق عليه للطرف الثالث، وهذا من بيع الدين بالدين، وهو منهيٌ عنه.
(و) لا يُسلَّم للشركة أنها ملزمة ٌ قانوناً بإبرام عقود إقراض ربوية إذا أرادت تمويل شراء العقارات، وأنها لا تستطيع النّصَّ في عقودها القانونية على ما ذكرته في موقعها على شبكة الانترنت، فإن بعض شركات التمويل الإسلامية العاملة في أمريكا قد صاغت عقودها القانونية بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية .

المطلب الرابع: حكم التعامل مع الشركة
بما أن المكتوب على موقع الشركة على الانترنت لا يعد عقداً، ولعدم التزام الشركة في العقد المبرم مع العملاء بكل ما سبق بيانه لصحة عقد (المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك)، فإن العلاقة التجارية بين الشركة والعملاء مرفوضة شرعاً، والعقد المبرم بينهما عقدٌ باطلٌ غير معتبر، وهو عقد قرض ربوي لا يجوز للمسلم إبرامه, ممولا ً كان أم عميلا ً، لأنه صريح الربا الذي جاء القرآن الكريم والسنة النبوية بتحريمه، وهو ربا الديون، والذي يدفع بموجبه المقترض أكثر مما أخذ، وسواء نتجت الزيادة عن بيعٍ اجل لم يدفع المشتري قيمته في الوقت المحدد، أو عن قرض ٍ مؤجلٍ بزيادةٍ مشروطةٍ.
كما أن العقد السابق يعد من القرض الذي جر نفعاً، وكل قرضٍ جر نفعاً فهو ربا، خاصة ً أن النفع- والحالة هذه- من نفس ِ جنس ونوع القرض، وهو النقود، والنقود من الأموال الربوية قولا ً واحداً.

المطلب الخامس: المقترحات المقدمة لتطوير هذا العقد
(‌أ) حتى يصبح هذا العقد مباحاً شرعاً، لابد من استيفاء كل شروط صحة عقد المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك، بأن تتملك الشركة والعميل كلاهما العقار تملكاً حقيقياً يتقاسمان فيه المغنم والمغرم، ثم يستأجر العميل حصة الشركة ويشتريها بالتدريج.
(‌ب) كما يمكن أن تعتمد الشركة طريقة الإيجار المتناقص المنتهي بالتمليك، بأن تشتري جميع العقار لنفسها، ثم تقوم بتأجيره للعميل مدة طويلة، واعدة إياه بإعطائه البيت بدون مقابل أو بمقابل رمزي إذا التزم باستئجار العقار كل المدة المتفق عليها.
(‌ج) والبديل الأخير هو بيع المرابحة للواعد بالشراء، بأن تشتري البيت حالاًّ بناءً على طلب العميل، ثم تقوم ببيعه له مؤجلا ً .

المبحث الثاني: شركة (Guidance)
المطلب الأول: التعريف بالشركة ونشاطها التجاري
شركة (Guidance) من الشركات الحديثة نسبياً في مجال الاستثمار الإسلامي في أمريكا، حيث بدأت نشاطها في ولاية (Virginia) عام 2002 ميلادي، وتقوم بالاستثمار في توفير البيوت للراغبين في ثلاث عشرةَ ولاية أمريكية، ولا تمارس أي نشاط تجاري أخر، وتعِدُ بأن تمتد خدماتها لكل الولايات عما قريب.
وتعتمد الشركة على رؤوس أموال أجنبية من خارج الولايات المتحدة، من الإمارات العربية المتحدة وفرنسا، وذلك حسب مصادر الشركة,و للشركة موقع على شبكة الانترنت، وهو (http://guidancefinancialgroup.com) يوضح طريقة عمل الشركة وخدماتها، والفتاوى التي أصدرتها هيئة الرقابة الشرعية فيها.

المطلب الثاني: أنواع العقود التي تبرمها
تقوم (Guidance) بالتمويل على أساس (المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك).
وحسب مصادر الشركة وتقرير لجنة الرقابة الشرعية فيها، فإنها تقوم بشراء البيت مشاركة ً مع العميل، متحملة ً تبعات هذه المشاركة، ثم تقوم بتأجير حصتها وبيعها بالتدريج للعميل،إلى أن تنتهي الشراكة بينهما بشراء العميل كل نصيب الشركة.

المطلب الثالث: تقويم هذا العقد
تتحد العلاقة التجارية بين الشركة وعملائها على مستويين:
موقع الشركة على الشبكة، والعقد الذي تبرمه حقيقة ً مع العملاء.
أولا ً: موقع الشركة على شبكة الانترنت:
أظهرت الفتوى المنشورة على موقع الشركة اعتماد طريقة (المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك)، وأن اللجنة قامت بمراجعة الوثائق والعقود، وتبين أنها مباحة شرعاً، حيث يتملك الطرفان البيت حقيقة ً، ثم يقوم العميل بشراء تدريجي لحصة الشركة، واستئجارٍ للحصص التي لم يشترها بعد.
وبناءً على التكييف السابق، تقوم الشركة بأخذ مبلغ شهري من العميل ينقسم إلى قسمين: ثمن بيع أسهم الشركة للعميل، وبدل تأجير حصتها للعميل.
والملاحظة على ما سبق، أن المنشور على موقع الشركة لا يعتبر عقداً ولا حتى شبهة عقد، بل مجرد افتراضات لا وجود لها واقعياً، وهي إيجاب من الشركة لم يحظ بقبول من العميل، وحتى على فرض موافقة العميل، فإن المنشور على الشبكة يتعارض تماماً مع مضمون العقد الذي تبرمه الشبكة مع عملائها، والذي هو شريعة المتعاقدين.
ثانياً: العقد المبرم مع العملاء:
العقد الذي تبرمه (Guidance) يدل على أن العلاقة التجارية بين الطرفين علاقة مُقرضٍ- وهو الشركة- بمقترض-وهو العميل-، وسبب ذلك هو عدم التزام الشركة بواجبات الشريك ,ويظهر ذلك في الحالات التالية:
1. تحمُّل العميل وحده نفقات التأمين والصيانة والضرائب.
2. قيام الشركة ببيع البيت لاستيفاء حقها، وذلك عن عجز العميل في دفع الأقساط الشهرية، فما كان من ربح فللعميل وما كان من خسارة فعليه.
3. ثبات مستحقات الشركة على العميل من بداية العقد حتى نهايته، وعدم مراعاة الشركة لتقلبات أسعار البيت بناءً على حركة الأسواق.
ولعدم الالتزام بواجبات الشريك، فلم يبق إلا أن تكون العلاقة بينهما علاقة مقرض ومقترض ملتزم بدفع أكثر مما أخذ.

المطلب الرابع: حكم التعامل مع الشركة
بما أن المكتوب على موقع الشركة على الانترنت لا يعد عقداً، لعدم التزام الشركة في العقد المبرم بشروط صحة عقد (المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك)، فإن ما تدفعه الشركة للعميل أو لمالك البيت الأصلي نيابة ً عن العميل هو قرض ربوي، لأن العميل يلتزم بسداد أكثر مما أخذ، وهو ربا الديون الذي جاء القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية بتحريمه.
ولذلك، يحرم على المسلم مباشرة هذا العقد ممولا ً كان أم عميلا ً .

المطلب الخامس: المقترحات المقدمة لتطوير هذا العقد
ما سبق قوله حول عقود (لا ربا)، يقال هنا أيضاً، فإما أن تلتزم الشركة بشروط صحة عقد المشاركة المتناقصة، أو أن تلجأ لبيع المرابحة للواعد بالشراء، أو للإيجار المتناقص المنتهي بالتمليك.

المبحث الثالث: شركة (Devon Bank)
المطلب الأول: التعريف بالشركة ونشاطها التجاري.
يقع بنك (Devon) في (شيكاغو)، ويخدم الجمهور منذ حوالي ستين سنة كأي بنك تقليدي أخر.
وحديثاً، قام البنك بإدخال خدمة التمويل الإسلامي للراغبين في تملك البيوت بعيداً عن الربا، وذلك بالتشاور مع بعض طلبة العلم، حيث يقدِّم خدماته التمويلية في ست عشرة ولاية، ويعد بالمزيد، وبتقديم خدمة شراء السيارات بنفس الطريقة، وخدمة إعادة التمويل بالطرق المشروعة لمن تملك بيتاً عن طريق البنوك الربوية.
للبنك موقع على شبكة الانترنت عنوانه (www.devonbank.com) يوضح طرق الاستثمار الإسلامي الذي يقوم به البنك، والفتاوى التي أصدرتها هيئة الرقابة الشرعية فيه.

المطلب الثاني: أنواع العقود التي يبرمها
حسب مصادر البنك وموقعه على الشبكة، فإنه يعتمد طريقة بيع المرابحة للواعد بالشراء، والإجارة المتناقصة المنتهية بالتمليك.
ففي المرابحة، يقوم البنك بشراء البيت لنفسه-بناءً على طلب العميل- ويمتلكه ملكاً تاماً، ويتحمل مخاطرة تلفه لفترة قصيرة، ثم يقوم بإعادة بيعه للعميل.
وفي الإجارة كذلك، يتملك البنك المنزل بتوصيةٍ من العميل، ثم يقوم بتأجير حصته وبيعهِ إياها بالتدريج، فتنتقل ملكية العقار للعميل بدفع آخر دفعة شهرية مستحقة عليه.
وإذا كان العميل خارج ولاية (إلينوي) فإن البنك يجري المعاملة بالبريد، ويقوم بتسجيل العقار باسم العميل بتاريخ متأخر عن تاريخ تسجيله باسم البنك لضمان صحة تملك البنك للعقار ووقوعه في ضمانه.

المطلب الثالث: تقويم هذه العقود
أولا ً: عقد المرابحة:
حسب مصادر البنك ووثائقه، تمر إجراءات المرابحة بالخطوات التالية:
1. يقدم العميل العقد الذي يرغب في إبرامه مع صاحب البيت للبنك لدراستهِ وتقرير مدى جدواه اقتصادياً، والعميل بذلك يبدي رغبته الأكيدة في شراء البيت عن طريق البنك مرابحةََ ً.
2. يدفع العميل للبنك (عربون) ، وهو مبلغ من المال يدفع سلفاً من المشتري للبائع، مع علم المشتري أن البائع سيأخذ المبلغ في حالة نكول المشتري كنوع من العقوبة والتعويض بدل الخسائر الذي تكبدها البنك: جهداً ووقتاً ومالا ً لإتمام الصفقة مع مالك العقار، والتي لولا رغبة المشتري ما قام البنك بالشراء.
وأخذ العربون بالتكييف السابق مباحٌ شرعاً، جاء في فتاوى مؤتمر المصرف الإسلامي (يرى المؤتمر أن أخذ العربون في عمليات المرابحة وغيرها جائزٌ بشرط أن لا يحق للمصرف أن يستقطع من العربون المقدم إلا بمقدار الضرر الفعلي المتحقق عليه من جراء النكول) .
3. يقوم البنك بشراء العقار من المالك، ويُسجَّله باسمه، ويقع في ضمانه، ويحمل وثيقة ملكيته (Title Holder) ، حيث تسمح السلطات في ولاية (إلينوي) وخمس عشرة ولاية أخرى للبنك (Devon Bank) بتملك البيوت، وما سبق يكفي للحكم على البنك أنه (قبض) البيت، إذ ليس للقبض ضابطٌ في الشرع، بل مردُّه العرف العام والأنظمة الاقتصادية السّارية، وفي أمريكا- كغيرها من الدول- يُعدّ حامل صك الملكية (Title Holder) هو المالك قانونا ً وعرفاً عاما ً.
4. يشتري العميل البيت من البنك بعقد جديد، بالتقسيط وبثمن ٍ أغلى من ثمن شراء البنك للعقار، والبيع بالتقسيط جائز شرعا ً.
5. يبقى البيت مرهونا ً للبنك حتى يدفع العميل كل ما عليه، والرهن مباح.
6. بمجرد تسجيل البيت باسم العميل، يتحمل العميل مصاريف التأمين والصيانة والضرائب.
7. يقوم البنك- بعد إتمام الصفقة مع العميل- بتحويل المعاملة إلى شركة التمويل (Freddie Mac) ، حيث تدفع الشركة للبنك قيمة الصفقة نقداً بأقل مما سيأخذه البنك من عميله، وسبب ذلك هو استفادة البنك من النقود لإبرام صفقات أخرى.
وحول تحويل البنك الصفقة لشركة (Freddie Mac) وبيع الدّين بالدّين، هناك عدد من الملاحظات:
(‌أ) لا يتعامل العميل مع (Freddie Mac) أبداً، وإنما يدفع الأقساط الشهرية للبنك (Devon)، حتى بعد تحويل معاملته للشركة.
(‌ب) بنك (Devon) ليس شركة استثمار إسلامية حتى تعامل معاملة الشركات الإسلامية، وإنما هو بنك ربوي تقليدي يقدم خدماته للجمهور، وقد أحدث هذه المعاملات الإسلامية من المرابحة والإجارة المتناقصة إرضاءً لعملائه المسلمين، ولكي يحقق أرباحاً من خلالها، وغير المسلم ليس مخاطباً بفروع الشريعة على الأصح .
(‌ج) يكفي العميل المسلم أن يتأكد أن شراءه للبيت مرابحةَ ً مع البنك قد تم بالطريقة الصحيحة، أما ما يفعله البنك بعد ذلك، فلا علاقة للعميل المسلم به.
(‌د) لا يقال أن تعامل المسلم مع البنك الذي يبيع الدين بالدين فيه تعاونٌ على الإثم والعدوان، وأن من يشفع شفاعة ً سيئة ً يكن له كفلٌ منها، وبناءً عليه فلا يجوز للمسلم أن يبرم هذا العقد إبتداءً مع البنك، لأن مجرد شراء البيت عن طريق البنك- بهذا المنطق- فيه تعاونٌ على الإثم والعدوان، لأن البنك ربوي أساساً، ويختلط حلال ماله بحرامه، ويستعين بكليهما على التعامل بالربا، وما سبق لا يقول به أحد.
(‌ه) كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام يتعاملون مع مشركي مكة قبل الهجرة، ويهود المدينة بعد الهجرة، مع علمه عليه الصلاة والسلام بتعاملهم بربا الجاهلية الذي حرمه القرآن، ولا أعلم أنه- صلى الله عليه وسلم- امتنع عن التعامل مع هؤلاء الناس- لا فقهاً ولا ورعاً- بحجة اختلاط أموالهم بمال مغصوب أو مسروق أو ناتج عن تعامل ربوي.
بعد كل ما سبق، لم يبق إلا أن يقال أن تحويل البنك المعاملة لشركة (Freddie Mac) لا يؤثر على صحة المعاملة بين العميل المسلم والبنك.



ثانياً: عقد الإجارة المتناقصة المنتهية بالتمليك:
حسب مصادر البنك ووثائقه، تمر إجراءات الإجارة بالخطوات التالية:
1. يبدي العميل رغبته للبنك في شراء البيت بطريقة الإجارة المتناقصة.
2. يشتري البنك البيت من المالك، ويسجل باسمه، ويملك عينه ومنفعته.
3. يستأجر العميل البيت من البنك، ويشتريه بالتدريج، ويدفع قسطا ً شهريا ً يتكون من ثمن السهم المشترى وأجرة الأسهم غير المشتراه إلى أن ينتهي من دفع كل ما عليه.
4. يبقى البيت مسجلا ً باسم البنك طوال مدة الإجارة، والتي قد تصل إلى عشرين عاما ً، ثم يسجل باسم العميل بعد دفع كل ما عليه.
5. مصاريف الصيانة والضرائب والتأمين محلُّ نقاش وتفاوض بين الطرفين، وعادةً يقوم البنك بتحميلها للعميل، إما مباشرةً بأن يدفعها العميل، أو بطريقةٍ غير مباشرة، بأن يدفعها البنك ويزيد من قيمة الإيجار الشهري على العميل بما يضمن تغطية المبلغ بالكامل.
أقول: وإذا كان ذلك عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فلا جناح عليهما. مع أن الأصل أن تكون هذه المصاريف على البنك لأنه المالك.

المطلب الرابع: حكم التعامل مع الشركة
بما أن خطوات إجراء بيع المرابحة بين البنك والعميل ليس فيها مخالفةٌ شرعية، فشراء البيوت مرابحة ً عن طريق البنك مباح,ما دام البنك ملتزماً بهذه الخطوات.
وبما أن خطوات إجراء الإجارة المتناقصة صحيحة, فشراء البيوت بطريقة الإجارة المنتهية بالتمليك منDevon Bank)) مباح, والله أعلم.


المطلب الخامس: المقترحات المقدمة لتطوير هذه العقود
ينبغي أن يتأكد العميل أن البنك قد اشترى البيت فعلا ً من المالك الأصلي، وأن اسمه مكتوب على صكِّ الملكية، لأن تملك البنك للبيت قبل بيعه هو الأمر الأهمُّ الذي يترتب عليه القول بإباحة المعاملة، وهذا بالنسبة لعقد المرابحة.
أما بالنسبة لعقد الإجارة المتناقصة، فالأولى أن يتحمل البنك مصاريف التأمين والصيانة والضرائب، وأن لا يزيد من قيمة الإيجار على العميل عند إصراره أن يدفع البنك هذه المصاريف، فالبنك هو المالك, ويأخذ الأجرة مقابل تمكين العميل من الانتفاع، واستعمال العقار مظنَّة تلف بعض أجزائه.
ومع الاستمرار في العقد وشراء العميل للبيت بالتدريج، فالواجب أن يتقاسم الطرفان تكلفة التأمين والصيانة والضرائب كُلٌّ بنسبة ملكيته من العقار.

المبحث الرابع: شركة (Azzad)
المطلب الأول: التعريف بالشركة ونشاطها التجاري
شركة الزاد هي إحدى شركات الاستثمار التي تقدم خدمة ما يسمى بالمحافظ الاستثمارية، حيث توجِّه عملاءها إلى نوعية وطريقة الاستثمار، المباح شرعاً، والمُجدي اقتصادياً، والذي يوفر للعملاء أموالا ً كافية ً لتعليم الأبناء في المستقبل، وللإنفاق الشخصي عند التقاعد، ولتوفير مالٍ يكفي للبدء في مشروع ٍ استثماري يديره العميل بنفسه، وغير ذلك من أوجه الاستثمار.
ويقوم العملاء بفتح حساباتٍ مصرفيةٍ لدى طرفٍ ثالث، كالبنوك وشركات الوساطة المالية (السمسرة)، وتتولى (الزاد) توجيه الوسيط-بخبرتها- إلى أوجه وطرق الاستثمار.
يوجد مقر الشركة في ولاية (فيرجينيا(، ولها موقع على الشبكة عنوانه (www.azzadfund.com) يبين خدمات الشَّركة والنشرات التوضيحية، والنماذج المختلفة المستخدمة في التعاقد مع العملاء.
كما يظهر الموقع التزام الشركة بعدم الاتِّجار بالمحرمات كالخمور والدَّخان (السجائر) والقمار والصور الجنسية والبنوك الربوية وشركات التمويل التقليدية.

المطلب الثاني: أنواع العقود التي تبرمها
تقوم (الزاد) باقتطاع نسبةٍ مئوية في نهاية كل شهر من أموال العملاء، وتُؤخذ هذه النسبة من إجمالي استثمار العميل، أي رأس المال المستثمر مضافاً إليه الربح المتحقق خلال الشهر، أو مطروحا ً منه الخسارة المتحققة، ولا تضمن الشركة أي ربح ٍ لعملائها، وإنما تأخذ (عمولة ً) مقابل خدماتها، تبدأ من (1%) وتنتهي ب (2.25%) حسب رأس المال ونوع الاستثمار وغير ذلك من العوامل المؤثرة في تحديد النسبة.

المطلب الثالث: تقويم هذا العقد
لا ينطبق العقد السابق على أيٍّ من العقود التي أبيحت على خلاف القياس، كالجعالة مثلا ً، لما في هذا العقد الجديد من الجهل بمقدار العوض، بينما الجعالة معلومة القدر.
كما لا ينطبق هذا العقد على المضاربة بالطريقة المذكورة في كتب الفقه، لأن النسبة تؤخذ من إجمالي الاستثمار: رأس المال والربح، أو رأس المال بعد اقتطاع الخسارة، وليس الحال كذلك في المضاربة، حيث يأخذ المضارب نسبة ً من الربح فقط,وعند الخسارة لا يأخذ شيئاً، ويكفيه أنَّه عمل بلا مقابل.
وقد يبدو مما سبق أن هذا العقد عقدٌ مُحدثٌ, وأنه باطلٌ لما فيه من الغرر، ولكن قبل الحُكم عليه بالحل أو الحرمة، لا بد من مراعاة الأمور التالية:
أولاً: جرى العُرف العام في شركات المحافظ الاستثمارية في الولايات المتحدة أن (عمولة) هذه الشركات تؤخذ من إجمالي الأموال المستثمرة للعميل بعد إضافة الأرباح وطرح الخسائر، أما الأخذ من الأرباح دون رأس المال عند الربح، وعدم الأخذ مطلقا ً عند الخسارة، والاكتفاء بالعمل مجاناً-كما هو الحال في المضاربة-فليس عليه عمل الناس.
ثانياً: تخضع شركات المحافظ الاستثمارية في أمريكا لسلطة ورقابة جهة رسمية هي (Security Exchange Commissioner), وتُلزم هذه الجهة الشركات بالأخذ نسبة ًَ مئوية ً من الأموال المستثمرة بعد إضافة الربح وطرح الخسارة.


ثالثا ً: يجوز اعتبار المعاملة السابقة (وكالة ً بأجرٍ) ,حيث تقوم الشركة بتشغيل واستثمار أموال العميل نيابة ً عنه,وتأخذ على ذلك أجراً يمثل نسبةً مئويةً من رأس المال وأرباحه, أو من رأس المال مطروحاً منه الخسارة.
وربما تُثار شبهة الغرر في مقدار ما تأخذه الشركة نظراً لعدم معرفة مقدار الربح أو الخسارة عند إبرام العقد بين الطرفين,وأن ذلك قد يبطل العقد.
والجواب على ذلك أن الغرر ليس فاحشاًَ بالنسبة للطرفِين، أي ما يدفعه العميل وما تأخذه الشركة، فرأس المال معلومٌ تحديداً، والنسبة المئوية التي تقتطعها الشركة معلومةٌ، بل ومقدار الأرباح مُتوقَّعٌ بالظَّن أو- أحياناً- بغلبة الظن بسبب خبرة الشركة في هذا النوع من الاستثمار ومعرفتها بتقلبات الأسواق، فهناك غررٌ في المقدار، لكنه غررٌ يسيرٌ لا يبطل العقد.
كما قد يجاب على الشبهة السابقة أن الربح تابعٌ لرأس المال وفرعٌ عنه,والقاعدة الفقهية أنه (يُغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها),وفي هذه المسألة,تُحسب عمولة الشركة كنسبةٍ مئويةٍ من رأس المال أصلاً, ومن الربح-أو الخسارة- فرعاً.

رابعاً: يمكن الاستدلال بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرَّم حلالا ً أو أحل حراما ً) على جواز هذه المعاملة ،وأنها وكالةً بأجر, واشتراط الوكيل نسبة ًمئوية ً من إجمالي الاستثمار-وليس فقط من الربح- لا يخالف شرعاً، فإن الشرع قد أباح الوكالة ,وأباح الإجارة على خلاف القياس-لما فيها من بيع منفعةٍ معدومةٍ وقت التعاقد- رفعاً للحرج وتلبية ً لحاجة الناس .
لكل ما سبق، تطمئن النَّفس أن ما تأخذه شركات المحافظ الاستثمارية من عمولةٍ هي (وكالةٌ بأجرٍ).


المطلب الرابع: حُكم التعامل مع الشركة
ما دامت الشركة لا تضمن ربحا ً، ولا تتاجر بالمحرمات، وبما أن العقد الذي يربطها بالعميل عقد وكالةٍ بأجرٍ, فالتعامل معها مباح، والله أعلم.

المطلب الخامس: المقترحات المقدمة لتطوير هذا العقد
إذا استطاعت الشركة-بالطرق القانونية-الرجوع إلى صيغة (الإجارة) الموصوفة في كتب الفقه الإسلامي,بأن تكون الأجرة إما مبلغاً ثابتاً,أو نسبةً مئويةً من مبلغٍ معلومٍ-فتكون معلومة ً قدراً- فذلك أحوط للدِّين وأبعد عن الشبهات، خاصة ًَ أن الإجارة شرعت على خلاف القياس، وقد اشتهر على ألسنة الفقهاء أن (ما شُرع على خلاف القَياس فغيره عليه لا يقاس) ، فلا ينبغي التساهل في شروط هذه العقود عند القدرة على الالتزام بما عليه جماهير الفقهاء وعمل الأمَّة في القرون الثلاثة الأولى، وكل خير في اتِّباع من سلف.

المبحث الخامس: الشركة المتحدة للاستشارات الاستثمارية(AAAI)
المطلب الأول: التعريف بالشركة ونشاطها التجاري.
الشركة المتحدة هي إحدى فروع مؤسسة الوقف الإسلامي في أمريكا الشمالية المعروفة اختصاراً (NAIT)، ويتولى هذا الفرع النشاط الاقتصادي الاستثماري للمؤسسة الأم. يقوم هذا الفرع(Allied Asset Advisors,Inc) باستثمار أموال المساهمين في سوق الأوراق المالية وذلك بشراء وبيع أسهم الشركات والاستفادة من فرق الأسعار، ويقدِّم لعملائه خدمة التوفير والاستثمار لصالحهم لغايات تعليم الأبناء وتملّك البيوت وتوفير مبلغ ملائم عند سنِّ التقاعد، فهي بهذا التوصيف من شركات المحافظ الاستثمارية.
بدأت الشركة عملها عام 2000م, ومقرها في ولاية (إلينوي) ولها موقع على الشبكة عنوانه :www.ivestaaa.com يوضح طبيعة عمل الشركة وطريقة التعاقد معها، كما يبين التزامها بالضوابط الشرعية التي وضعتها لجنة الرقابة الشرعية فيها، من عدم ضمان الربح وعدم الاتجار بالمحرمات كالخمور والملاهي الليلية والبنوك الربوية وغيرها.
المطلب الثاني والثالث والرابع والخامس: أنواع عقودها وتقويمها وحكم التعامل مع الشركة والمقترحات
تأخذ الشركة نسبة ً مئوية من إجمالي استثمارات العميل بعد إضافة الأرباح وطرح الخسائر، فهي بذلك تبرم عقد (وكالةٍ مأجورةٍ) , وتسميها: رسوماً إدراية ً (Management Fees) وهي معاملة ٌ مباحة ٌ، والأولى الالتزام بشروط الإجارة المذكورة عند العلماء عند القدرة .
المبحث السادس: شركة (Amana)
المطلب الأول: التعريف بالشركة ونشاطها التجاري
شركة (أمانة) إحدى المحافظ الاستثمارية، حيث تقوم بإدارة واستثمار أموال العملاء عن طريق وسيط تجاري مملوك لنفس إدارة شركة (أمانة)، واسمها (Saturna Capital) وطريقة الاستثمار هي الاتجار في أسهم الشركات في السوق المالية، وتوفير الأرباح للعملاء لغايات استخدامها-على المدى الطويل- لتعليم الأبناء وشراء المنازل والإنفاق في سن التقاعد.
للشركة موقع على الشبكة بعنوان (www.amanafunds.com) يوضح طريقة عمل الشركة ، ويؤكد التزامها بالضوابط التي وضعتها هيئة الرقابة الشرعية فيها من المشاركة في الربح والخسارة، وعدم التعامل بالربا، وتجنب الاستثمار في المحرمات. ومقر الشركة في واشنطن.

المطلب الثاني: أنواع العقود التي تبرمها
إضافة للنسبة المئوية التي تقتطعها- كبقية المحافظ الاستثمارية-تقوم (أمانة) بأخذ مبلغ مقطوع على كل حساب استثمار لغايات التقاعد، وذلك بشكل سنوي، وتسميه (Custodian Fee)، وتأخذه إضافة لعمولاتٍ أخرى (Commissions) يتم الاتفاق عليها مع العميل سلفاً، وتُدفع لشركة (السمسرة) الوسيطة بين (أمانة) والعملاء.

المطلب الثالث: تقويم هذا العقد
سبق الحديث عن العمولة وأنها من الوكالة بأجرٍ، أما المبلغ الثابت المأخوذ على حساب التقاعد، فهوإجارةٌ أيضاً مقابل حفظ أموال المودعين، وهو من العقود المباحة.

المطلب الرابع والخامس: حكم التعامل مع الشركة، والمقترحات
يظهر من طريقة وضوابط عمل الشركة إباحة التعامل معها كبقية المحافظ الاستثمارية، ويُقترح أن تقدم الشركة لعملائها في تقريرها السنوي قائمة بأسماء الشركات التي تتعامل بأسهمها بيعاً وشراءً، قطعاً للجدل وإبراءً للذمة.

المبحث السابع: بقية الشركات والمواقع التي لم تُبحث

1. www.ahmedmoghul.com
2. www.muslimfinance.org
3. www.failaka.com
4. www.hifip.harvard.edu
5. www.imanlinc.com
6. www.islamicbankingnetwork.com
7. www.isnacanada.com
8. www.umfinancial.com
9. www.wafra.com/home
10. www.shapefinancial.com
11. www.ajif.org
12. www.albaraka.com و http://albaraka.com (موقعين مختلفين)
13. www.citybank.com
14. www.hsbc.com
15. www.iibu.com البنك الأهلي المتحد
16. www.mayfin.com
17. www.samba.com.sa
18. www.chicagotribune.com/services/site/premium


هذا مع ملاحظة أن بعض هذه المواقع ليس لشركات تمويل إسلامية، ولكنها تقِّدم خدمات مصرفية واستثمارية إسلامية-من وجهة نظرها- للجالية المسلمة في الولايات المتحدة، وبعضها لم تصل خدماتها لأمريكا بعد، والأمر-في النهاية- يحتاج إلى بحث وتحقيق.
والله الموفق,وهو الهادي إلى سواء السبيل,وصلى الله على نبينا محمد, وعلى اله وصحبه أجمعين.


التوصيات ومشروع القرار
أولا ً: التوصيات
1. تقدير كل الجهود المخلصة التي تبذل لتوفير طرق الاستثمار الحلال، وشكر القائمين على هذه المحاولات.
2. أهمية التزام المسلمين بأحكام الإسلام في كافة نواحي حياتهم، وفي كل مكان يقيمون فيه،حتى في بلاد غير المسلمين.
3. تقديم قرارات المجمع للشركات المعنيَّة قبل إعلانها رسمياً، وذلك للنصح والإرشاد وبيان أوجه القصور- إن وجدت-, فالدين النصيحة.
4. استكتاب أكبر قدر ممكن من أهل العلم للبحث والكتابة في موضوع شركات الاستثمار الإسلامية العاملة في أمريكا، نظراً للحاجة المُلحَّة لإصدار فتاوى حول حكم الشرع في التعامل مع شركات بعينها وليس لوضع ضوابط عامة للتعامل، فقد يصعب على عامة الناس إنزال الحُكم على الواقعة.
كما أن من فوائد كثرة الاستكتاب تعدُّد الآراء، ولعل منها ما يكون أيسر للناس وأقرب لمقاصد الشرع في رفع الحرج.
ثانياً: مشروع القرار
إن مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا في دورته الثالثة المنعقدة في نيجيريا في شهر يوليو/ 2005م، وبعد الاطلاع على الأبحاث المقدمة حول شركات الاستثمار الإسلامية العاملة في أمريكا، يقرر مايلي:
1. العقد الذي تبرمه شركة (Lariba) لايصلح أن يكون عقد مشاركة متناقصة منتهية بالتمليك، وهوعقد قرض بزيادة مشروطة، ويحرم على المسلم إبرامه, ممولاً كان أم عميلاً.
2. العقد الذي تبرمه شركة (Guidance) لايصلح أن يكون عقد مشاركة متناقصة منتهية بالتمليك، وهوعقد قرض بزيادة مشروطة، ويحرم على المسلم إبرامه, ممولاً كان أم عميلاً.
3. عقد المرابحة الذي يبرمه (Devon Bank) عقد مباح يجوز للمسلم إبرامه,بشرط أن يتأكد العميل بنفسه من تملك البنك للعقارتملكاً تامّاً قبل التصرف فيه .
4. عقد الإجارة المتناقصة الذي يبرمه (Devon Bank) عقد صحيح، ويجوز للمسلم إبرامه.
5. العمولة التي تأخذها شركات (Azzad) و (AAAI) و (Amana) تأخذ حكم الوكالة المأجورة، وهي مباحة شرعاً.
6. المبالغ التي تأخذها أيُّ من الشركات الثلاث السابقة كرسومٍ ومقابل إيداع وغير ذلك،هي إجارة ، وهي مباحة ٌ.
7. مادامت الشركات الثلاث السابقة لاتضمن ربحاً لعملائها ولا تتاجر بالمحرمات، فالتعامل معها مباح.
8. إذا تمكنت هذه الشركات المشار إليها سابقاً من أخذ عمولتها كنسبة مئوية من رأس المال فقط ,أي قبل إضافة الأرباح وطرح الخسائر، فذلك أحوط للدِّين وأبعد عن الشبهات.

قائمة المصادر والمراجع:
1. فتاوى المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي- الكويت، 1983م
2. مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى
3. سنن الترمذي
4. المستصفى للغزالي
5. فتوى أصحاب الفضيلة: د. علي السالوس، د.صلاح الصاوي، د.حسين شواط، د.يوسف الشبيلي، حول شركة (Guidance).
6. المواقع التالية على شبكة الانترنت:
a) Lariba.com
b) Guidancefinancialgroup.com
c) Devonbank.com
d) Azzadfund.com
e) Investaaa.com
f) Amanafunds.com









ملخص البحث
1-العقد الذي تبرمه شركة (Lariba) لايصلح أن يكون عقد مشاركة متناقصة منتهية بالتمليك، وهوعقد قرض بزيادة مشروطة، ويحرم على المسلم إبرامه, ممولاً كان أم عميلاً.
2-العقد الذي تبرمه شركة (Guidance) لايصلح أن يكون عقد مشاركة متناقصة منتهية بالتمليك، وهوعقد قرض بزيادة مشروطة، ويحرم على المسلم إبرامه, ممولاً كان أم عميلاً.
3-عقد المرابحة الذي يبرمه (Devon Bank) عقد مباح يجوز للمسلم إبرامه,بشرط أن يتأكد العميل بنفسه من تملك البنك للعقارتملكاً تامّاً قبل التصرف فيه .
4-عقد الإجارة المتناقصة الذي يبرمه (Devon Bank) عقد صحيح، ويجوز للمسلم إبرامه.
5-العمولة التي تأخذها شركات (Azzad) و (AAAI) و (Amana) تأخذ حكم الوكالة المأجورة، وهي مباحة شرعاً.
6-المبالغ التي تأخذها أيُّ من الشركات الثلاث السابقة كرسومٍ ومقابل إيداع وغير ذلك،هي إجارة ، وهي مباحة ٌ.
7-مادامت الشركات الثلاث السابقة لاتضمن ربحاً لعملائها ولا تتاجر بالمحرمات، فالتعامل معها مباح.
8-إذا تمكنت هذه الشركات المشار إليها سابقاً من أخذ عمولتها كنسبة مئوية من رأس المال فقط ,أي قبل إضافة الأرباح وطرح الخسائر، فذلك أحوط للدِّين وأبعد عن الشبهات.




Summary of (Islamic financial companies in the United States)


1-"Lease to purchase" instrument applied by (Lariba) does not match the
Jurisprudential requirements for the validation of such a model of finance, rather it is a usurious loan, where a Muslim is prohibited from being engaged in, whether he is a financer or a client.

2- "Lease to purchase" instrument applied by (Guidance) does not match the jurisprudential requirements for the validation of such a model of finance, because the company does not incur the expenses and financial responsibilities of the partner that it suppose to assume.

3-"Murabaha" model applied by (Devon Bank) matches the requirements for the validity of this contract.
However, the Muslim client should advocate that the Bank must possess the property by holding the title as an owner, and not as a lean holder before re-selling the property to him.

4-" Lease to purchase" instrument applied by (Devon Bank) does match the jurisprudential requirements for the validity of such a model of finance.

5-commission charged by mutual fund companies, like (Azzad),(AAAI),and(Amana) could be justified as Brokerage or (paid business deputy), which is lawful.

6-Whatever the above three companies charge their clients out of depositing any valuable materials could be accepted as a service fees.

7-As long as the above three companies do not fix or/and guarantee a revenue for their clients, as well as not involved in any prohibited business, then dealing with them is allowed.

8-If they could generate an exemption to charge a percentage from the original amount of capital –as a service fees-instead of charging from total amount (cumulative one), then that will be preferred.
 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net