|
حكم
مشاركة المسلمة في العمل السياسي في الولايات المتحدة |
د. معن القضاة |
|
Feb 12, 2007 |
دراسة في فقه الواقع
إبريل-2006
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من
شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإن تنامي العمل السياسي للجالية المسلمة في الولايات المتحدة من الأمور التي تدل
على وعيها ونهوضها بواجبها,وهي-في نفس الوقت- تحتاج إلى دراسةٍ وتأصيلٍ شرعي، نظراً
لما قد يشوب هذا الأمر من اختلاطٍ في المفاهيم، وترجيحٍ لبعض المصالح غير المعتبرة
شرعاً، وكثرة الاجتهادات المتضاربة بين الموسعين والمضيقين في هذا الأمر.
والذي يضبط ذلك كله هو الرجوع إلى حكم الشرع، فالمسلم مأمورٌ بطاعة ربه سبحانه
وتعالى في عباداته ومعاملاته وعقيدته وأخلاقه، (والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع
كل مسلم في تعرف أحكام الاسلام، ويفهم القرآن طبقاً لقواعد اللغة العربية من غير
تكلفٍ ولا تعسفٍ، ويرجع في فهم السّنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات).
ومجمع فقهاء الشريعة بأمريكا هو أحد المرجعيات الفقهية للمسلمين في الولايات
المتحدة، وقد رأي أهمية مناقشة هذا الموضوع والتعرف على تفصيلاته وملابساته، من
خلال استكتاب أهل العلم، وأهل الخبرة العملية من الدعاة الذين لهم باعٌ في ممارسة
العمل السياسي، فرأى أن تكون الدورة التدريبية السنوية للأئمة لهذا العام بعنوان (العمل
السياسي الإسلامي)، لعل هذه الدورة أن تخرج بتوصيات تساعد في ترشيد هذه الصحوة
المباركة والوعي السياسي المتنامي عند المسلمين في أمريكا قياماً بواجبهم ودفاعاً
عن حقوقهم.
والحديث عن مشاركة المرأة المسلمة في العمل السياسي جزءٌ لا يتجزأ من الموضوع
فالمرأة نصف المجتمع-على الأقل-، ولها في صفحات التاريخ الإسلامي حضورٌ متميز
وصفحات مشرقة.
إلا أن إفرادها بالحديث يدل على أن هناك بعض الاختلافات في الطبيعة والتكوين،
والاستعدادات والمواهب بينها وبين الرجل، مما قد يؤثر على كيفية ونوعية مشاركتها في
صناعة القرار السياسي.
ولذلك تأتي أهمية هذا البحث المتواضع، كمحاولةٍ لبيان هذه الفروق في القدرات،
والضوابط التي وضعها الشارع الحكيم -بناءً على هذه الفروق- لتحديد دور المرأة في
العمل السياسي، بما لا يؤثر سلباً على أنوثتها ويُحمّلها ما لا تطيق، وبما يضمن
الاستغلال الأمثل لطاقات المجتمع المسلم رجالاً ونساءً في آنٍ معاً.
والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل،
د. معن خالد القضاة
متشجان-الولايات المتحدة الأمريكية
30-03-2006
نظراً لتشعُّب الموضوع وكثرة تفريعاته، فإن البحث في حكم مشاركة المرأة في العمل
السياسي ينبغي أن ينحصر في الحديث عن مكانة المرأة في الشريعة الإسلامية،ومدى
أهليّتها لتولّي المناصب العامة، ويتبع ذلك بيان الأحكام التي تنفرد بها النساء عن
الرجال.
وإذا كانت ممارستها للعمل السياسي تستوجب التعاون والاتصال والعمل المشترك مع
الرجال،فيحسن الحديث عن الضوابط والحدود الشرعية للعلاقة بين الرجال والنّساء غير
المحارم،وانتهاءً ببيان الشبهات المثارة حول المشاركة السياسية للمرأة المسلمة،
والرّد عليها.
ولذلك، سينحصرالبحث في الموضوعات التالية:
المبحث الأول: وهو بمثابة المقدمة، وسيتناول شرح العنوان (حكم مشاركة المسلمة في
العمل السياسي في أمريكا) دراسة في فقه الواقع.
المبحث الثاني: مكانة المرأة في الشريعة الإسلامية
المبحث الثالث: حكم ولاية المرأة
المبحث الرابع: توجيهاتٌ وأحكامٌ متعلّقةٌ بالنساء
المبحث الخامس: ضوابط علاقة الرجال بالنساء
المبحث السادس: حكم الاختلاط بين الجنسين
المبحث السابع: الشبهات النقلية حول المشاركة السياسية للمرأة والرد عليها
المبحث الثامن: الشبهات العقلية حول المشاركة السياسية للمرأة والرد عليها
المبحث التاسع: خلاصة أحكام مشاركة النساء في العمل السياسي.
المبحث الأول: التعريف بعنوان البحث
المطلب الأول: الحكم الشرعي
الحكم هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً.
فهدف هذا البحث هو بيان الحكم الشرعي العملي المستنبط من أدلته التفصيلية، وليس
عرضاً تاريخياً أو رأياً شخصياً أو وصفاً للواقع العملي.
وبيان حكم الشرع يستلزم نوعين من العلم: علم بالشريعة الإسلامية ومقاصدها، والفقه
الإسلامي وأدلته، ومواضع الإجماع والاختلاف، وأدلة الأحكام، والناسخ والمنسوخ،
والقواعد الأصولية والفقهية، والمصالح المعتبرة والملغاة والمرسلة.
وعلمٌ بالواقع المراد الحكم عليه، ومصالحه ومفاسده، الحقيقي منها والمتوهم، والقطعي
منها والظني، العام منها والخاص فإذا فـُقد أحد هذين العِلمين، بأن كان الفقيه على
غير درايةٍ بواقعه، أو كان الخبير بالواقع ليس فقيهاً بالشرع، فالفتوى الصادرة عن
كلٍ منهما لا يعتد بها.
وإذا اجتمع الفقيه والخبير، فوصف الخبير الواقع-بلا إفراطٍ ولاتفريطٍ-للفقيه، ثم
أصدر الفقيه فتواه بناءً على فهمه للواقع، ففتوى الفقيه معتدٌ بها، وهو مأجورٌ على
اجتهاده، والخبير مأجورٌ على جهده.
وإذا كان الفقيه بالشرع خبيراً بالواقع، متمرساً في العمل السياسي، فاحتمال صحة
اجتهاده أكثر، وإذا كانت الفتوى صادرة على عدد من الفقهاءأو مجمعٍ فقهي، زادت
احتمالية صوابها، لأن ذلك أقرب لروح (الإجماع) الذي هو أحد مصادر التشريع.
المطلب الثاني: المرأة المسلمة
المخاطب بهذا البحث هو المرأة المسلمة البالغة العاقلة المكلفة شرعاً، الحريصة على
اتباع الشرع الحنيف، والرجل المسلم المكلف أيضا، لأن هناك مساحة مشتركة في العمل
السياسي لا يسع المسلم ولا المسلمة الجهل بأحكامها.
أما غير الملتزمين الحريصين على مرضاة الله سبحانه وتعالى من الجنسين، فحكم الشرع
لا يعنيهم ابتداءً ، ولذلك ليس من العدل ولا من المنطق أن يُحسب عملهم على الصحوة
الإسلامية والعمل السياسي الإسلامي، حتى وإن كانوا يزعمون الالتزام بدينهم ويتسمّون
بأسماء المسلمين.
المطلب الثالث: العمل السياسي
العمل السياسي عند (الإسلاميين) هو جزء لا يتجزء من العمل الإسلامي عموماً، والذي
هو القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة شعائر الدين، ونشر
الفضيلة ومحاربة الرذيلة، وإقامة العدل ورفع الظلم، وإذا كان نطاق هذا العمل هو
العالم الإسلامي، فيضاف إلى ما سبق السعي لتحكيم الشريعة الإسلامية كنظام للحكم
والتشريع.
وفي الولايات المتحدة، يرى المسلمون أنهم جزء من المجتمع الأمريكي، يشاطرونه آماله
وآلامه-بما لا يخالف الشرع-وهم لذلك يجتهدون في إصلاحه بدعوته إلى الإسلام، وحث
المسلمين على الالتزام به وتربية أبنائهم عليه، متمثلين بذلك حديث النبي صلى الله
عليه وسلم (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم ٍ استهموا على سفينةٍ،
فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا
على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن
يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجُوا جميعاً).
ومن ضمن الدعوة للإسلام في أمريكا، ممارسة العمل السياسي على أنه جزءٌ من الإسلام،
ونوعٌ من أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وتتنوع ممارسة العمل السياسي الإسلامي في الولايات المتحدة لتشمل المجالات التالية:
1-الاتصال الفردي مع الناس-مسلمين وغير مسلمين-لتوعيتهم بأهمية محاربة الرذيلة
وإقامة العدل، وضرورة المشاركة في صناعة القرار السياسي.
2-إقامة المحاضرات والندوات وورش العمل للتوعية السياسية للجمهور.
3-عمل الجمعيات والمنظمات الإسلامية التي تدافع عن حقوق المسلمين وتنتصر للمظلومين
منهم.
4-تشكيل الأحزاب السياسية، أو الانخراط في الأحزاب القائمة.
5-التبرعات النقدية والعينية لدعم العمل السياسي.
6-التصويت في الانتخابات للمجالس التشريعية، كمجلس الشيوخ ومجلس النواب، وللسطلة
التنفيذية كمجالس البلديات والانتخابات الرئاسية.
7- عمل التحالفات السياسية مع بقية التكتلات بحثاً عن المصالح المشتركة.
8-الترشُّح أو قبول الترشيح لعضوية المجالس التشريعية والتنفيذية.
9-المشاركة في المظاهرات والاعتصامات.
10-نشر الوعي السياسي عبر وسائل الإعلام المختلفة، كالتلفاز والصحف وشبكة الانترنت.
11-إرسال الوفود للتفاوض والضغط على أصحاب القرار للحصول على مكاسب أو دفع ضررٍ عن
المسلمين.
12-الإضراب عن الطعام داخل السجون.
13-فتح المساجد لغير المسلمين لتعريفهم بالإسلام.
14-التخصص في دراسة القانون والعلوم السياسية، والعمل في مجال المحاماة.
المطلب الرابع: واقع الحال في الولايات المتحدة
الذي عليه العمل الآن، أن المرأة المسلمة تشارك الرجل في كل هذه النشاطات، فهي
كاملة العضوية في أي تنظيم ٍ سياسي إسلامي، أو دعوي عموماً، تشارك في اللجان
وتترأسها، وتدلي بصوتها في الانتخابات وتترشح لها، وتعمل تحت إمرة الرجال وتقودهم،
وتمثل الجالية أمام صُنّاع القرار السياسي في أمريكا، وتشارك في المظاهرات
والاعتصامات، وتخطط لمسيرة العمل الإسلامي، وتسهم في المؤتمرات العامة وتديرها،
وتحضر الاجتماعات المفتوحة والمغلقة، ولها حضور في مجالس الشورى والمكاتب التنفيذية
للجمعيات والمنظمات الإسلامية المختلفة.
هذا، والذي سيتم الحكم عليه في هذا البحث هو ما عليه العمل الآن داخل الولايات
المتحدة، لأنه دراسة في فقه الواقع، وليس بحثا ً نظرياً مجرداً.
المبحث الثاني: مكانة المرأة في الشريعة الإسلامية
بعيداً عن الإسهاب والتفصيل، ولأن المقام مقام فقهٍ وتشريع، فيكمن صياغة مكانة
المرأة في الشريعة بعبارات مختصرةٍ كما يلي:
1-التشريع الإسلامي يخاطب المسلمين عموماً، بصرف النظر عن الجنس، فكل أمرٍ أو نهي
ٍ، أو ثوابٍ أو عقابٍ، أو وعدٍ و عيدٍ، أو جنةٍ أو نار، فهو خطابٌ للرجال والنساء
ابتداءً، مالم يرد استثناءٌ من الشرع لهذا الأصل العام.
2-أهلية الوجوب والأداء ثابتةٌ لكل المكلفين، رجالا ونساءً، فالمسلمة البالغة
العاقلة تثبت لها الحقوق وتجب عليها الواجبات الشرعية،ولها ذمة مالية مستقلة، وترث
وتورث، وهي معصومة النفس والمال والعرض.
3-استثناء المرأة من أي حكم شرعي عام، أو تخصيصها بحكم، أو إلزامها بشيء لم يلزم به
الرجال، كل ذلك يحتاج إلى دليل شرعي، لأنه خروجٌ عن الأصل العام، وهوعموم الخطاب
الشرعي للمكلفين رجالاً ونساءً.
4-جاء الشرع بعددٍ من التشريعات والأحكام التي تحافظ على أنوثة المرأة، وترفع من
قدرها، وتساعدها على القيام بواجبها بما يتلائم مع طبيعتها وقدراتها الجسمية
والعقلية والنفسية.
المبحث الثالث: ولاية المرأة
المرأة كاملة الأهلية في الشريعة الإسلامية، وجوباً وأداءً-كما سبق تفصيله، إلا أن
كمال الأهلية لا يعني بالضرورة جواز الولاية، فالولاية لها أحكامها، وقد عُلم من
الفقه بالضرورة مخالفة المرأة للرجل في بعض الأحكام،وهذه منها.
إذا عُلم ذلك، فولاية المرأة تعني رئاستها ومسئوليتها عن غيرها في عملٍٍ من الأعمال.
فإذا كانت هذه الولاية للمرأة على عددٍ من النساء، فليس في نصوص الشرع ما يمنع من
ذلك. أما إذا كانت ولايتها على الرجال، فإن الفقهاء يميزون بين الولاية الخاصة
والولاية العامة. فالولاية الخاصة أن تكون وصيةً على أيتام، أو ناظرة (قَيمَةََ)
أوقاف، أو مدرِّسة للأولاد، أو ما شابه ذلك، وهذه كسابقتها،ليس في نصوص الشرع ما
يمنع منها ما دامت منضبطة بضوابطه .
أما الولاية العامة، فهي التي توقف الفقهاء عندها كثيراً لوجود عدد من النصوص تتعلق
بها.
وتعني الولاية العامة المسئولية عن جماعة المسلمين عموماً، أو عن شأنٍ عام لهم،
كرئاسة الدولة، والوزارة، وولاية القضاء، وعضوية المجالس التنفيذية كالبلديات، أو
التشريعية كمجلس النواب والأعيان أو غير ذلك مما يرتبط بالمصالح العامة للمسلمين.
وفيما يلي عرض للأدلة المتعلقة بولاية المرأة ، وبيان وجه الدلالة منها.
المطلب الأول: قوله تعالى (الرجال قوامون على النساء)
وقد نزلت في قوامة الأزواج على الزوجات، وأن الزوج هو رب البيت والقائم عليه، ولكن
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم في أصول الفقه، ولو شاء الله
سبحانه حَصْْرها في الأزواج مع زوجاتهم لقال (الأزواج قوامون على الزوجات)،
ولكنه-عز وجل- أنزلها عامة هكذا.
وإلى هذا الفقه ذهب ابن كثير في تفسيره حيث قال رحمه الله ( الرجل قيم على المرأة
أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت ... ولهذا كانت النبوة مختصةً
بالرجال وكذلك الملك الأعظم)
وأوضح من ذلك قول الفخر الرازي (واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصلٌ من وجوهٍ
كثيرة، بعضها صفات حقيقيةٌ، وبعضها أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن
الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين، إلى العلم وإلى القدرة، ولا شك أن عقول
الرجال وعلومهم أكثر، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، فلهذين السببين
حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة ... وفيهم الإمامة الكبرى
والصغرى، والجهاد، والأذان، والخطبة، والاعتكاف، والشهادة في الحدود والقصاص
بالاتفاق ... والولاية في النكاح ... وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب...)
ويَخلُص العز بن عبد السلام في موضوع ولاية المرأة إلى قوله (ولا يليق بالرجال
الكاملة أديانهم وعقولهم أن تحكم عليهم النساء لنقصان عقولهن وأديانهن، وفي ذلك كسرٌ
لنخوة الرجال، مع غلبة المفاسد فيما يحكم به النساء).
المطلب الثاني: قوله عليه السلام (لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة)
يروي الإمام البخاري-رحمه الله- هذا الحديث في باب: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم
إلى كسرى وقيصر، عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمةٍ سمعتها من رسول الله صلى
الله عليه وسلم أيام الجمل بعد ما كدت ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح
قومٌ ولوا أمرهم امرأة).
كما يرويه غير البخاري في أبوابٍ تشير إلى فقه الحديث وما يستنبط منه من أحكام.
فمثلاً: في السنن الكبرى للبيهقي في باب: (لا يأتم رجل بامرأة)، وباب: (لا يولي
الوالي امرأة)، وفي المستدرك على الصحيحين في باب (ترك استعمال النساء على الحكم).
ومرة أخرى، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكلمة (قوم) في الحديث نكرة
تفيد العموم، وكلمة (أمر) نكرة تفيد العموم، وكلمة (امرأة) نكرة تفيد العموم- فأي
قوم ولوا أي أمرٍ أي امراةٍ كانت فلن يفلحوا.
وعلة النهي في الحديث هي (الأنوثة)، وهي وصفٌ ظاهرٌ منضبط يصلح مناطاً للحكم.
أما القول بأن هذا الحديث عن الفرس، أو أن سببه فساد الحكم عندهم، أو أن الحديث
فيمن استولت على الحكم بالقوّة ولم ينتخبها الرجال ويرضون بها، فكل هذه
الأقوال-وغيرها-فيها ربطٌ للحكم بعللٍ غير منضبطة، أو تخصيصٌ لا وجه له، فهي أقوال
خاطئة مجانبة ٌللصواب .
والولاية العامة المنصوص عليها في الحديث ليست هي الخلافة أو رئاسة الدولة أو
القضاء فقط، وإنما هي كل منصبٍ فيه قوامةٌ ورئاسة على الرجال.
وإلى هذا الفقه ذهب عدد من العلماء عند شرحهم لهذا الحديث الشريف، وفيما يلي عرض
لبعض هذه الأقوال:
أولاً: قول الصنعاني (فيه دلالةٌ على عدم جواز تولية المرأة شيئاً من الأحكام
العامة بين المسلمين) ، هكذا على عمومه.
ثانياً: قول ابن قدامة (والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي ليست أهلاً للحضور في
محافل الرجال ... ولهذا لا تصلح للإمامة العظمى، ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يول
النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحدٌ من خلفائه ولا من بعدهم امرأةً قضاءً ولا ولاية
بلدٍ فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً)
ثالثا ً : قول الخطابي (في الحديث أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء، وفيه أنها
لا تزوج نفسها ولا تلي العقد على غيرها)
رابعا ً: قول القرطبي في قوله تعالى (إني وجدت امرأة ً تملكهم) في قصة قوم سبأ
عندما ذكر الحديث (لن يفلح قوم ...) قال:
(هذا نصُ في أن المرأة لا تكون خليفة، ولا خلاف فيه .. فإن المرأة لا يتأتى منها أن
تبرز إلى المجلس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير، لأنها إن
كانت فتاة ً حرُم النظر إليها وكلامها، وإن كانت بَرْزَة ًلم يجمعها والرجال مجلسٌ
واحدٌ تزدحم فيه معهم وتكون مناظرة ً لهم، ولن يفلح قط من تصور هذا و لامن اعتقده)
خامسا ً: ومن العلماء المعاصرين قول الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله- (ولا شك أن
هذا الحديث يدل على تحريم تولية المرأة لإمرةٍ عامةٍ، وكذا توليتها إمرة إقليم ٍ أو
بلد، لأن ذلك كله له صفة العموم، وقد نفى صلى الله عليه وسلم الفلاح عمن ولاها)
سادسا ً: لجنة الفتوى بالأزهر، وقد ذكرهذه الفتوى الشيخ عطية صقر- حفظه الله- في
معرض حديثه عن حكم الشرع في ولاية المرأ ة، بل وتصويتها وترشيحها للمجالس النيابية،
قال ما نصه:
(... فلو اقتصر الأمر على إعطاء صوتها إذا وجدت فيها المواصفات التي ذكرها الماوردي
(يقصد العدالة والعلم والحكمة) ما كان هناك اعتراض، لكن الذين ينادون بإعطائها هذا
الحق يربطون بينه وبين حق الترشيح لتمثيل الشعب في المجالس التشريعية، وبالتالي إذا
اشتركت في انتخاب الإمام أو الحاكم، جاز لها الترشيح لهذا المنصب، فالتصويت سُلمٌ
للترشيح، والقوانين الوضعية لا تلتزم حدود الدين في الوقوف عند منح امتياز معين.
ومن هنا لا يجوز القول بجواز تصويتها لأنه وسيلةٌ إلى ممنوع، كما قررته لجنة الفتوى
بالأزهر ونشر في المجلة في يونيو 1952م ونصها مذكور في ص 448 من الجزء الثاني من
موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام، وجاء فيها:
إن وسيلة الشيء تأخذ حكمه، وإن حركة عائشة ضد علي رضي الله عنهما لا تعد تشريعا ً،
وقد خالفها فيها كثيرون، وإن مبايعة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم لا تثبت زعامة
ً ولا رياسة ً ولا حكما ً للرسول، بل هي مبايعة ٌ على الالتزام بأوامر الدين.
ثم ذكرت اللجنة عدم جواز ترشيح المرأة للمجالس التشريعية، لأن فيه معنى الولاية
العامة، وهي ممنوعة ٌ بحديث البخاري وغيره (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ً) وهذا
ما فهمه أصحاب الرسول وجميع أئمة السلف، ووضحت المبررات لذلك ... أما ما يلازم
عملية الانتخاب المعروفة والترشيح لعضوية البرلمان من مبدأ التفكير إلى نهايته،
فإننا نجد سلسلة ً من الاجتماعات والاختلاطات والأسفار للدعاية والمقابلات وما إلى
ذلك، مما نشفق على المرأة أن تَزُج بنفسها فيها، ويجب تقدير الأمور وتقدير الأحكام
على أساس الواقع الذي لا ينبغي إغفاله أو التغافل عنه.
هذا ما قررته لجنة الفتوى بالأزهر عام 1952م)
فخلاصة هذه الأقوال في هذا المبحث أن المرأة ليست من أهل الولاية العامة شرعاً، ولا
يجوز لها أن تكون مسئولة عن أمر ٍ عام يهم عامة المسلمين أو قطاعا ً عريضا ً منهم،
وسواءً كان هذا المنصب تشريعيا ً أو تنفيذيا ً.
المبحث الرابع: توجيهات وأحكام متعلقة ٌ بالنساء
هناك توجيهاتٌ قرآنية ونبوية كريمة تشير إلى خصوصية العلاقة بين الرجال والنساء،
وهناك أحكام فقهية ثبتت بالدليل الشرعي تفيد اختصاص النساء ببعض الأحكام.
المطلب الأول: خصوصيّة العلاقة بين الجنسين
يقصد بذلك أن العلاقة بين الرجال والنساء ينبغي أن تكون على درجةٍ عاليةٍ من
الانضباط والتحفظ ، نظرا ً لوجود الميل الطبيعي عن كل منهما للآخر، وليست كالعلاقة
بين أبناء الجنس الواحد، ولذلك وردت تحذيراتٌ صريحة ٌ في القرآن والسنة للرجال أن
ينتبهوا ويحذروا من فتنة النساء، لأن عدم مراعاة هذه الخصوصية قد يؤدي بالطرفين إلى
الغواية. ومن هذه التحذيرات:
أولا ً: قوله تعالى (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ....)
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: ( يخبر تعالى عما زُين للناس في هذه
الحياة الدنيا من أنواع الملاذ ّمن النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن
أشد).
وقريب من ذلك قول القرطبي في تفسيره (بدأ بهن لكثرة تشوّف النفوس إليهن لأنهن حبائل
الشيطان وفتنة الرّجال)
ثانياً: قوله عليه السلام (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)
قال المباركفوري في شرحه لهذا الحديث (لأن الطباع كثيراً ً تميل إليهن وتقع في
الحرام لأجلهن وتسعى للقتال والعداوة بسببهن)
ثالثا ً: قوله عليه السلام (إن الدنيا حلوةٌ خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر
كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)
ذكر بعض شُرّاح الحديث أن المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم (فإن أول فتنة بني
إسرائيل كانت في النساء) أن رجلا ًمن بني إسرائيل طلب من الآخر أن يزوجه ابنته فأبى،
فقتله حتى يتزوجها.
فهذه الأدلة بمجموعها تفيد وجوب الحذر والانتباه، ومراعاة الضوابط الشرعية عند
التعامل بين الجنسين.
المطلب الثاني: أحكام خاصة بالنساء
ذكر العلماء عددا ً من الأحكام التي تختص بالنساء، وهي:
1- لا تكون النبوّة فيهن ،بل هي خاصة بالرجال.
2-عدم جواز رفع الأذان للنساء إذا كان بحضرة الرجال غير المحارم.
3-عدم جواز إمامتها للرجال مطلقا ً.
4-عدم جواز توليها الإمامة العظمى، وما يأخذ حكمها من الولايات العامة.
5-عدم جواز إلقائها خطبة الجمعة.
6-عدم وجوب حضور الجمعة ولا الجماعة عليها.
7-عدم فرضية الجهاد على النساء، مالم يكن فرض عين.
8-عدم جواز ولايتها للقضاء، إلا فيما تجوز شهادتها فيه عند الأحناف.
9-عدم جواز سفرها بغير محرم، إلا في حج الفريضة إذا كانت بصحبة نساءٍ ثقاتٍ.
10-استحباب قرارها في البيت.
11- وجوب الحجاب، وسيأتي بيان ذلك.
12-لا تزوج نفسها بكرا ً كانت أم ثيبا ً، خلافا ً للأحناف.
13-لا تلي عقد الزواج على غيرها.
14- مكفولة النفقة دائما ً.
15-لا تقبل شهادتها في الحدود والقصاص، ولا في عقد الزواج.
16- شهادتها نصف شهادة الرجل.
والأحكام السابقة-وغيرها-تدل على ضعف قدرات المرأة عموماً، وقوامة الرجال على
النساء، وأن الشرع يهدف إلى عون المرأة أن تتفرغ للوظيفة التي تناسب فطرتها، وتحافظ
على حيائها، وترحم ضعفها من مواجهة مشاكل الحياة اليومية، وهذه الوظيفة هي الأمومة
وتربية الأجيال على الفضيلة، وعون الرجل-من داخل البيت-للقيام بمسئولياته خارج
البيت.
المبحث الخامس: ضوابط علاقة الرجال بالنساء
بعد أن حذر الشرع من فتنة النساء وجاء بأحكام تناسب طبيعة المرأة واستعداداتها، جاء
بعدد من الضوابط تحكم علاقة الرجال بالنساء، وتضمن الحد الأعلى من الحشمة والحياء،
والحيلولة دون وقوع المحظور، وهذه طبيعة التشريع الإسلامي الحكيم، فما من حرام ٍ
يترك، إلا وفي الشرع توجيهٌ للبعد عنه والوقاية منه.
وسبب عرض هذه الضوابط، أن ما عليه العمل السياسي الإسلامي الآن هو أنه عمل مشترك
بين الجنسين، فناسب بيان هذه الضوابط للحكم على العمل جوازا ً وعدما ً.
المطلب الأول: الحجاب
اتفق الفقهاء على وجوب تغطية المرأة لجسمها بلباس واسع فضفاض لا يصف ولا يشف، ولا
يكون زينة ً في ذاته، واختلفوا في وجوب تغطية الوجه والكفين.
والراجح من أقوال العلماء أن تغطية الوجه واجبة شرعا ً، لأنه عورة بالنسبة لغير
المحارم ، وبصرف النظر عن الفتنة المترتبة على كشفه، فإنهم متفقون على حرمة كشف
المرأة (لمرفقها) أو جزءٍ يسير من ساقها، مع أن هذين الموضعين ليسا من مواطن الجمال
والإثارة عند النساء، فهل يعقل أن يباح لها كشف وجهها أمام الرجال الأجانب، وهو
موضع الجمال والفتنة !!
أما أدلة القائلين بجواز كشف الوجه، فلا تسلم من الطعن في ثبوتها أو في دلالتها،
ويبقى بعد ذلك الأصل العام الذي جاء به القرآن الكريم في أواخر ما نزل من تشريع حول
موضوع الحجاب، وهو أن حجاب أمهات المؤمنين-رضي الله عنهن أجمعين-هو حجاب لكل
المسلمات إلى قيام الساعة (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين
عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا ً رحيما ً ) .
ومعلوم من الفقه بالضرورة تغطية أمهات المؤمنين لوجوههن، وادعاء خصوصية أمهات
المؤمنين يحتاج إلى دليل، أما قوله تعالى عنهن (يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء)
أي في الثواب والعقاب لرفيع مقامهن بزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بهن، أما في
التشريع والأحكام، فالمسلمات كأمهات المؤمنين، فلقد نهى الله سبحانه في سورة
الأحزاب أمهات المؤمنين عن الخضوع بالقول، وعن تبرج الجاهلية الأولى وأمرهن بقول
المعروف، والقرار في البيوت، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله، ولم
يقل أحدٌ من أهل العلم أن هذه الأوامر والنواهي خاصة بإمهات المؤمنين، فكيف يُخصص
حكم وجوب تغطية الوجه بهنّ؟
المطلب الثاني، المصافحة
المصافحة بين الجنسين من غير المحارم على التأبيد منهيٌّ عنها ،وأجاز بعض العلماء
مصافحة العجوز التي لا تشتهى، والأولى عدمه لاختلاف الأنظار حول مدى شيخوخة المرأة
وشبابها.
ودليل حرمة المصافحة قوله صلى الله عليه وسلم : (إني لا أصافح النساء) وفعله -عليه
السلام- تشريع للأمة ،ولا وجه لتخصيص الحكم به صلى الله عليه وسلم.
وعلى فرض التخصيص -جدلا ً- فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لأن يُطعن في
رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) فالخطاب للمسلمين عموماً
وفيه بيان حظر المصافحة وحرمتها، لأن من طرق النهي الملزم في الشرع الإسلامي النص
على ذم الفاعل وربط الفعل بعقاب أو وعيد.
قال الصنعاني (واعلم أن كل فعل طلب الشارع تركه أو ذمّ فاعله أو مقَته أو لعنه أو
نفى محبته إياه أو محبة فاعله أو نفى الرضى به أو الرضى عن فاعله ... فهذه كلها
ونحوها تدل على المنع من الفعل، ودلالتها على التحريم أظهر من دلالتها على الكراهة)
المطلب الثالث: الخضوع بالقول
نهى الشارع الحكيم المرأة أن تخضع بالقول للرجال، والخضوع هو الكلام الرقيق الذي
فيه تكسّرٌوتمايل وإثارة لغريزة الرجال (لا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض
وقلن قولا ً معروفا)
المطلب الرابع: استحباب القرار في البيت
للمرأة أن تخرج لحاجتها، كطلب العلم وصلة الرحم، والعمل، وحضور الجمعة والجماعة،
وقضاء حاجات البيت، والتداوي، وغير ذلك مما يحتاجه الناس، ما دامت ملتزمة ً بأدبها
وحجابها.
ويستحب لها بعد ذلك أن تقِرّ في بيتها، فهو الأصل، والخروج استثناءٌ، قال تعالى (وقرن
في بيوتكن) مخاطباً أمهات المؤمنين وجميع المؤمنات، لما في القرار في البيت من صون
لها ورفع لقدرها، ومحافظةٍ على أنوثتها من أن تُبتذل من مخالطة الناس خارج البيت.
بل إن أداء الصلاة في البيت خير وأعظم أجراً لها من صلاتها خلف النبي صلى الله عليه
وسلم لقوله (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها
أفضل من صلاتها في بيتها). وفي قوله عليه السلام (والمرأة راعيةً في بيت زوجها
ومسئولة عن رعيتها) ما يدل على أن البيت هو المكان الطبيعي للمرأة وبه تناط
مسئوليتها.
المطلب الخامس: النظر المتبادل بين الجنسين
النظر المتبادل بين الجنسين لا يجوز، لعموم النهي عن ذلك في قوله تعالى (قل
للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ... وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ..).
ويستثنى من ذلك ما إذا دعت لذلك النظر حاجة ٌشرعية كالبيع والشراء، والتعليم
والتعلُّم، والشهادة والقضاء، والتداوي وغير ذلك، على أن يقتصر على قدر الحاجة، فإن
الحاجة تقدر بقدْرها.
أما القول بإباحة النظر إذا لم يكن بشهوةِ،فرأي ٌمرجوح لا تقوم به حجة.
وسبب ذلك أن الأحكام الشرعية مضبوطة بعلل، والعلة عند الأصوليين وصف ظاهر منضبط
يناط به الحكم، ويدور معه وجودا ً وعدما ً، فمتى تحققت الحاجة –بمفهومها الشرعي-
جاز النظر، بشهوة أو بغير شهوة، ومتى انتفت الحاجة لم يجز النظر، بشهوة أو بغير
شهوة، لأن الشهوة أمر باطني مستتر لا يصلح أن يكون علة للحكم، بخلاف الحاجة.
ويشفع لذلك الفهم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستمرار في نظر الفجأة، (فعن
جرير بن عبد الله قال: ثم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة،
فأمرني أن أصرف نظري) ، وكذلك قوله عليه السلام لعلي رضي الله عنه (يا علي، لا تتبع
النظرة بالنظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة).
ففي كلا الحديثين نهى صلى الله عليه وسلم عن الاستمرار في النظر،حتى وإن كان نظر
الفجأة،مع أنه ليس مظنة الشهوة لعدم الاستعداد المسبق له،بل لأن الحاجة لا تدعو
للاستمرار فيه.
وأعظم من ذلك أن نظر الرجل للمرأة بقصد خطبتها للزواج مظنة الشهوة، ومع ذلك أباحه
الشرع، بل استحبه، لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جاء يخبره أنه تزوج امرأة
من الأنصار، فقال عليه السلام: (أَنَظرت إليها ؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها
فإن في أعين الأنصار شيئاً).
وفيما سبق من الأدلة كفاية لمن تأمله.
المطلب السادس: الخلوة بالأجنبية
الخلوة هي أن يجتمع رجل مع امرأة أجنبيةٍ في مكان يأمنان فيه من اطلاع الغير عليهما،
سماعاً أو نظراً.
وهي محرمة بنص قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يخلون رجل بإمرأةٍ لا تحل له فإن
الشيطان ثالثهما).
ولا يصح أن يؤخذ قوله عليه السلام (لا يخلون رجل بامراة إلا مع ذي محرم) على إطلاقه،
فيقال مثلاً: إن مفهوم المخالفة من الحديث هو أن وجود المحرم مع المرأة يجيز
اجتماعها مع الرجال مطلقاً، فإن الحديث قد يُفهم بطريقةٍ مختلفةٍ تماماً،وهي عدم
جواز الخلوة إلا مع المحرم فقط ،وإذا تطرّق إلى الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال.
يضاف إلى ذلك أن الخلوة والاختلاط مسألتان منفصلتان طبيعة ً وحكماً،فقد يجتمع رجلٌ
وامرأة ٌ في مكان ٍيأمنان فيه من اطلاع الغير عليهما - كبيتٍ مثلا ً- ،وهذه هي
الخلوة المحرّمة،فإذا خاطبها الرجل من وراء حجاب ٍلم يكن ذلك اختلاطاً.
كما أن اختلاط الرجال بالنساء له أحكام مأخوذة من نصوص الكتاب والسنة، ولا يجوز أن
يؤخذ الحكم من دليلٍ واحد مع وجود غيره، بل الواجب هو الجمع بين الأدلة، وإعمال
الدليل أولى من إهماله.
ولذلك سيكون المبحث التالي عن أحكام الاختلاط بين الرجال والنساء.
المبحث السادس: الاختلاط بين الجنسين
المقصود بالاختلاط هو اجتماع الرجال والنساء غير المحارم في مكان يتمكنون فيه
مشاهدة وسماع بعضهم البعض مباشرة ً.
والمتأمل في التشريع والتاريخ الإسلامي عموماً يلاحظ أن الرجال والنساء في عصر
النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون-أو يختلطون- في المساجد والشوارع والأسواق
وفي أرض المعركة مجاهدين في سبيل الله.
ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل سوقاً للنساء وآخر للرجال، ولا شارعاً،
ولا مسجداً يختص بأحدٍ دون أحد ، بل ولم يثبت أن النساء كنّ يصلين في مسجده عليه
السلام من وراء حجاب، بل كان الرجال في الصفوف الأولى ثم الأولاد ثم النساء في
الصفوف الخلفية.
إلا أن هناك عدداً من النصوص الشرعية لا بد من اعتبارها للوصول إلى حكم الاختلاط ،
وفيما يلي بيان هذه النصوصن ووجه الدلالة منها.
المطلب الأول: قوله تعالى (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب)
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ثم لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب
بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا،
فلما رأى ذلك قام، فلما قامَ، قامَ من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله
عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقْتُ فجئت فأخبرت النبي صلى
الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني
وبينه، فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ..) الآية
وفي رواية للبخاري أيضاً: (أرخى الستار بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب).
ووجه الدلالة من الآية أن هناك ستارا ً أو حجاباً وضع ليحول دون لقاء أنس بأم
المؤمنين زينب رضي الله عنها، وكان ذلك داخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
المطلب الثاني: قوله عليه السلام (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار:
أفرأيت الحمو، قال: الحمو الموت)
ظاهر الحديث يدل على تحريم الدخول على النساء، خاصةً إذا كان الداخل من أقارب الزوج
لتساهل الناس في دخول الأقارب عادة، ولذلك حذر عليه السلام من ذلك، ووصف دخول
القريب بالموت، أي في خطره. قال بعض شراح الحديث: قد يؤدي ذلك للموت رجماً إذا وقعت
الفاحشة، أو لخراب البيوت بالطلاق الذي هو كالموت، أو لموت الدِّين.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن من روى هذا الحديث كالبخاري ومسلم، ومن شرحه كابن حجر
والنووي، كانوا يذكورن هذا الحديث للاستدلال على حرمة الخلوة بالأجنبية، ويضعونه
تحت باب:
( لا يخلون رجل بامرأةٍ إلا ذو محرم والدخول على المُغـِيبة) كما فعل البخاري رحمه
الله.
إلا أن ظاهر الحديث، وقواعد اللغة العربية ليس فيها ما يدل على هذا الحصر، بل
الدخول على النساء منهي عنه عموماً، والخلوة بهن منهي عنها أيضاً.
وقد ظهر هذا الفقه في عدة مواضع، منها:
1-ترجمة الإمام مسلم رحمه الله لهذا الحديث، حيث قال (باب تحريم الخلوة بالأجنبية
والدخول عليها)، والواو تفيد المغايرة، فالخلوة مسألة، والدخول على النساء مسألةٌ
أخرى.
2-قول ابن حجر في فتح الباري (وفي رواية ابن وهب: لا تدخلوا على النساء، وتضمن منع
الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى) .
3-قول المناوي في فيض القدير (وتضمن منع الدخول منع الخلوة بأجنبيةٍ بالأولى،
والنهي ظاهر العلة) .
أما قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مُغـِيبة إلا ومعه
رجل أو اثنان)، وهو حديث يرويه الإمام مسلم في نفس الباب (باب تحريم الخلوة
بالأجنبية والدخول عليها). فليس على إطلاقه، بل هو مقيد بقول الإمام النووي في شرحه
لصحيح مسلم (فيتأول الحديث على جماعةٍ يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم
أو مروءتهم أو غير ذلك) ، وقد يكون الحديث خارج محل النزاع أصلاً، لأن الدخول على
المغيبة لا يسلتزم الجلوس معها أو مخالطتها بدون حجابٍ بينها وبين الداخل عليها.
فخلاصة القول أن وجه الدلالة من الحديث هو النهي عن الدخول على النساء.
المطلب الثالث: حديث دخول ابن أم مكتوم على النبي صلى الله عليه وسلم.
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت أنا وميمونة عند النبي صلى الله عليه وسلم،
فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب، فقال
صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه، فقلت يا رسول الله: أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا
يعرفنا، فقال صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه) .
شكك بضع المحدثين في صحة الحديث، والحديث حسنٌ على أقل تقدير.
قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديثٌ حسن صحيح، وحسنه ابن حجر العسقلاني في تلخيص
الحبير ، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم (وهذا الحديث حديثٌ حسن ... ولا يلتفت إلى
قدح من قدح فيه بغير حجةٍ معتمدة) ، وكفى بشهادة النووي إثباتاً لصحة الحديث.
فأمْر النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته بالاحتجاب ليس معناه لبس الحجاب، فإن عبد
الله ابن أم مكتوم كان رجلاً أعمى، فحجاب النساء أو عدمه بحضوره-رضي الله عنه- سواءٌ،
بل المقصود مغادرة المكان الذي فيه عبد الله بن أم مكتوم.
ولما استغربت أم سلمة-رضي الله عنها- ذلك بقولها: يا رسول الله أليس هو أعمى لا
يبصرنا ولا يعرفنا ؟ رد عليها عليه السلام بقوله: أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟
للدلالة على أن المقصود من أمره مغادرة المكان، والذي به لا تتمكن أم سلمة من رؤية
عبد الله ، ولو كان المقصود غض البصر فقط، لأمرها بغض البصر.
فوجه الدلالة من الحديث هو النهي عن اجتماع الرجال مع النساء غير المحارم،وهو تشريعٌ
متأخرٌ عن غيره،لقول أم سلمة(بعد ما أمرنا بالحجاب) أي:بعد ما نهينا عن مخالطة
الرجال وقد كان مباحاً قبل ذلك.
المطلب الرابع: مناط الحكم في الأدلة الثلاثة
مناط الحكم هو مجاله، والحالات التي يطبق فيها، بحيث إذا لم تكن المسألة مندرجة ً
تحت المناط، فهي خارج محل النزاع.
والمتتبع للأدلة السابقة، يجد أن مناط الحكم هو (البيوت) فالمكان الذي لا ينبغي
للرجال فيه الاجتماع مع النساء-بدون حجاب- هو (البيوت).
أما الاية الكريمة، فظاهر النصِّ أن مكان الوليمة هو حجرة أم المؤمنين زينب أو
بيتها، والتحذير في قوله عليه السلام (إياكم والدخول على النساء) ليس للدخول عليهن
في المساجد أو الأسواق او الشوارع أو الحدائق العامة، وإنما في (البيوت) لاحتمالية
الخلوة بهن كما سبق بيانه وكذلك الحال في حديث ابن ام مكتوم، لقول أم سلمة (أقبل
ابن أم مكتوم، فدخل عليه)، فلقد كان في الخارج مقبلاً على بيت النبي صلى الله عليه
وسلم، ثم دخل،أي: إلى البيت.
فمناط الحكم في نهي الرجال عن الاجتماع مع النساء بدون حجاب بينهما هو (البيوت) .
المطلب الخامس: علة الحكم
العلة هي وصف ظاهر منضبط يناط به الحكم، والحكم الشرعي يدور مع العلة وجوداً وعدما.ً
بينما السبب هو الحكمة التي من أجلها فُرض الحكم، ولا يدور الحكم مع السبب، وإنما
مع العلة فقط.
وعلى سبيل المثال: علة إباحة الفطر في رمضان للمسافر هي (السفر). فحيثما سافر
المسلم سفراً مباحاً طويلاً جاز له أن يفطر، تعب في سفره أم لم يتعب، وسبب هذا
الحكم هو أن السفر مظنة التعب، فأبيح الفطر أخذاً بالغالب، ولو كان الحكم يدور مع
السبب، لجاز لكل من تعب من الصيام تعباً معتاداً متوقعاً أن يفطر حتى وإن كان مقيماً
وليس مسافراً، وهذا لا يقول به فقيه.
وفي موضوعنا، فإن (البيوت) التي هي مناط الحكم لها علة، وهذه العلة هي (الخُصوصيَّة)
وهي حرمة المكان ووجوب الاستئذان عند دخوله، وهي وصف ظاهر منضبط ، وفي نفس الوقت،
هي علة متعدِّية وليست قاصرة على البيوت، فكل (مكان خاص) يعتبر مناطاً للحكم المانع
من اجتماع الرجال والنساء بدون ساترٍ أو حجابٍ بينهم.
أما سبب هذا الحكم، فهو أن (الخصوصية) في البيوت مظنة الفتنة ووساوس الشيطان، حيث
تحول (حرمة البيت وخصوصيته) دون تدخل الآخرين ومقاطعتهم، وتوفر جواً ملائماً للرجال
والنساء للنظر والحديث.
وهذا ما ذكرته سورة الأحزاب صراحة ً،فبعد بيان الحكم (فاسألوهن من وراء حجاب)،
ذ ُكر السبب(ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن)،وإذا كانت طهارة القلب مطلوبةً عند التعامل
مع أمهات المؤمنين،وهنّ محرماتٌ على التأبيد،فمع غيرهن من باب أولى.
وبناءً على التمييز السابق بين العلة والحكم، فإن كل مكانٍ خاصّ له شيءٌ من الحرمة
والخصوصية، لا يجوز اجتماع الرجال فيه مع النساء الأجنبيات بدون حاجزٍ أو ستارٍ
بينهم، حتى وإن لم يترتب على هذا الاجتماع-بدون حاجز- مفسدةٌ أو فتنة، لأن
الاجتماع-والحالة هذه- مخالفةٌ شرعيةٌ بحد ذاتها بناءً على الفقه السابق للنصوص.
أما ما سوى ذلك من (الأماكن العامة) التي ليس فيها شيء من الخصوصية ولا يدخل لها
باستئذانٍ، كالمساجد والأسواق والشوارع والحدائق العامة، فالأصل فيها إباحة اختلاط
الجنسين، لما سبق بيانه من أن الناس في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يختلطون
في الأماكن العامة بالضوابط الشرعية من حجابٍ للنساء، وغض بصرٍ، وأدبٍ رفيع وحياءٍ
جمّ من الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم أجمعين.
وإذا ترتب على الاختلاط في الأماكن العامة فتنة ٌوضرر واضح، فلابد لولي الأمرمن
منعه، ليس إدارةً للحكم مع (السبب) ،وإنما تطبيقاً لحكم شرعي آخر، وهو أن الضرر
يزال، للحديث المشهور (لا ضرر ولا ضرار) ولقول عائشة رضي الله عنها (لم علم رسول
الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني
إسرائيل)
المطلب السادس: أمثلة على الحكم
يختلف مقدار(الخصوصية) من مكانٍ لآخر، بل حتى داخل البيت الواحد، فخصوصية المطبخ
وغرفة الجلوس - مثلاً - أقل بكثير من خصوصية غرف النوم، ... وهكذا، ولكن تبقى
الخصوصية قائمة لغير سكان البيت، فلا يحق لأحدٍ دخوله إلا باستئذان، ولا ينتفع
بمرافقه إلا باستئذان.
وفيما يلي أمثلةٌ على الأمكان الخاصة:
1-حديقة المنزل ومرافقه
2-قاعات الدراسة في المدارس والجامعات
3-الحرم الجامعي
4-قاعات الأفراح والأعراس عموماً، ما لم تكن في مكان عام
5-الاجتماعات المغلقة التي لا يسمح لغير المدعوين بالحضور
6-المؤسسات والدوائر الحكومية بالنظر إلى موظفيها وليس للمراجعين. فالموظفون لهم
مكاتب خاصةٌ بهم لا يحق لغيرهم استعمالها، ويمكثون الساعات الطوال كل يوم، فلا يجوز
اجتماع الموظفين من الجنسين في مكتب واحد. أما المراجعون، فالمؤسسة بالنسبة لهم
مكان عام يختلطون فيه - رجالاً ونساءً - على قدر حاجتهم.
7-الحدائق العامة إذا حجز قسم منها للقاءٍ أو مناسبة، صارت مكاناً خاصاً لا يحق
لغير المعنييّن ارتياده ... وهكذا.
8-أي مكان يتعارف الناس على خصوصيته، ويدخل له باستئذان، ولا يحق للعامة ارتياده
لأي اعتبار، كالسيارات الخاصة مثلاً مقارنة مع سيارات الأجرة والمواصلات العامة.
المطلب السابع: استثناءات من الحكم
ما سبق بيانه هو الحكم الأصلي المستنبط من النصوص، والذي يجب تطبيقه حسب القدرة
والاستطاعة لقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) فإذا ترتب على تطبيقه مشقة وحرج،
فالمشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع، كما هو مقرر فقهاً.
وفيما يلي عرضٌ لبعض الاستثناءات من النص:
1-الضرورة بمفهومها الشرعي، كالتداوي وغيره، فيباح منها ما تندفع به الضرورة
2-الحاجة العامة التي يترتب على المكلفين ضيقٌ وحرجٌ بعدم مراعاتها، كمخالطة الخدم
داخل البيوت، أو التلقي من الأستاذ مشافهةً في الفصل، أو الدراسة في الجامعات
المختلطة لعموم البلوى ومشقة الاحتراز
3-التواتر وانتفاء الخصوصية، فإذا اجتمع الجنسان بعددٍ كبير يستحيل فيه تواطؤهم على
المعصية، وكان ذلك في مكانٍ خاصٍ، فالخصوصية معدومةٌ غير معتبرةٍ، فهو كالاجتماع في
مكانٍ عام، ما دام الاجتماع لحاجةٍ مشروعة، وعلى ذلك يحمل قول الإمام النووي-سالف
الذكر- (فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم أو
مروءتهم أو غير ذلك).
المبحث السابع: الشبهات النقلية والرد عليها
تُثار حول ولاية المرأة من جهةٍ، ومخالطتها للرجال من جهةٍ أخرى، عدد من الشبهات
المستندة إلى دليل شرعي، والتي يراد من إثارتها القول بجواز الولاية العامة للمرأة
وجواز مخالطتها للرجال ما دامت ملتزمة ً بالحجاب والأدب في التعامل.
وفيما يلي عرضٌ لهذه الشبهات والرد عليها:
المطلب الأولى: آيات عامة ٌ من القرآن ليست من آيات الأحكام
كالاستدلال بقوله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر) وقوله تعالى (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ... أعد
الله لهم مغفرة ً وأجرا ً عظيما ً) على المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق
والواجبات، ومسئولية المرأة في الدعوة إلى الله ، وأن القرآن لم يميز بينهما في
الخطاب.
وهذه الآيات الكريمة-وغيرها- ليست من أدلة الأحكام الشرعية، بمعنى أنها لا تشيرإلى
أحكام ٍ فقهية معينة ٍ، وإنما تشير إلى أصل التكليف والخطاب، ولا يمنع ذلك من
الاختلاف في كيفية التنفيذ خاصة مع ورود عددٍ من الأدلة التي تميز بين الجنسين في
بعض الأحكام، وقد سبق بيانها تفصيلا ً ولو أخذت هذه الآيات على ظاهرها لجاز للمرأة
أن تخطب الجمعة وتؤم الرجال في الصلاة، وغير ذلك، وهذا لا يقول به أحد.
المطلب الثاني: قوله عليه السلام (إنما النساء شقائق الرجال)
وهو من أدلة الأحكام، ومقبول سندا ً عند المحدثين، فهو حديث حسن يرويه أصحاب السنن،
ونصه أن النبي صلى الله عليه وسلم (سُئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما ً،
فقال : يغتسل وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل فقال: لا غسل عليه، فقالت
أم سليم: المرأة ترى ذلك عليها الغسل؟ قال : نعم ،إنما النساء شقائق الرجال).
فنص الحديث عام في اشتراك الرجال والنساء في وجوب الغُسل عند وجود البلل، ولكنه لا
يصلح أن يكون دليلا ً على اشتراك الرجال والنساء في كل الأحكام الشرعية لما ثبت من
اختلافهما في بعض الأحكام، فهو حديثٌ عامٌ أُريد به الخصوص.
المطلب الثالث: قصص الأمم السابقة
أولا ً:
كقصة سليمان عليه السلام مع بلقيس، وأنها كانت تحكم قومها (إني وجدت امرأة تملكهم
وأوتيت من كل شيء) ، كما أن في القصة بيان أن سليمان عليه السلام راسلها وخاطبها
وقابلها وجهاً لوجه، والقرآن لا يذكر كل ذلك عبثا ً بدون حكمةٍ.
والرد على ذلك أن القرآن لم يمدح حُكمها للرجال ولم يذمّه، بل ذكره على سبيل القصص
والوصف للواقع، كما أن القصة ذاتها تذكر أن بلقيس كانت-وقومها-من عُباد الشمس،وأن
نبي الله سليمان كان يهمُّ بقتالها، وأنها خضعت في النهاية لحكم سليمان وآمنت بالله
رب العالمين.
إضافة ً إلى أن القصة ليست من أدلة الأحكام، وهي-لو سلمنا أنها من أدلة الأحكام-
شرعٌ لمن قبلنا، والثابت في علم الأصول أن شرع من قبلنا ليس شرعا ً لنا إذا جاء
شرعنا بخلافه، وقد جاءت شريعتنا بعدم جواز ولاية النساء على الرجال.
ثانيا ً:
قصة موسى عليه السلام مع الفتاتين، حيث وقف معهما وخاطبهما وساعدهما (ولما ورد ماء
مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهما امرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟
قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخٌ كبير) .
إضافة ً لما سبق بيانه في قصة بلقيس، فإن هذه القصة حُجة على القائلين بالتوسع في
علاقة الرجال مع النساء، فالبنتان ذكرتا صراحة ًأنهن لا يزاحمن الرجال (لا نسقي حتى
يصدر الرعاء)، وأن خروجهما من البيت ابتداءً كان بسبب الحاجة الماسة (وأبونا شيخٌ
كبير) ولو كان في البيت رجلٌ قادرٌ على القيام بهذه المهمة ما خرجتا من بيتهما.
المطلب الرابع: بعض الوقائع التاريخية
كاشتراك الصحابيات مع الصحابة، بل ومع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المعارك،
وفي ذلك دلالة على مشاركة المرأة للرجل في الحياة السياسية والجهاد في سبيل الله،
والذي هو من عمل الرجال.
والرد على ذ لك من وجوه عدةٍ:
أولا ً: أن الحاجة هي التي دفعت الصحابيات لذلك، فلم يعرف تاريخ المسلمين معركة ًزاد
فيها عدد المسلمين عن عدد أعدائهم، وإنما هم قلة دائما ً ويحتاجون إلى من يساعد في
نقل الجرحى والعناية بهم، وسقاية الماء.
عن أنس رضي الله عنه قال: كان صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوةٍ من الأنصار
ليسقين الماء ويداوين الجرحى) فخروجهن للمصلحة الراجحة والحاجة الماسة، وقد يكون
ذلك للضرورة عندما يصبح الجهاد فرض عين ٍ على المسلمين، فتخرج المرأة بدون إذن
زوجها كماهومقرر شرعاً.
ثانيا ً: أن التزام الصحابيات، والقرون الثلاثة الأولى لا يساويه التزام،
فحجابهن-رضي الله عنهن-ليس كحجاب نساء المسلمين اليوم-عموما ً-ومقدار الحشمة
والحياء والخوف من الله سبحانه ليس كما عليه المسلمات اليوم بشهادة النبي صلى الله
عليه وسلم بخيرية القرون الثلاثة الأولى.
ثالثا ً: أن أرض المعركة ليس لها خصوصية تمنع الاختلاط،، فهي مكان عام لا حرمة له،
وقد سبق القول أن الناس كانوا يختلطون أيام النبي صلى الله عليه وسلم في الأماكن
العامة.
ومن الوقائع التاريخية التي قد يستشهد بها على المشاركة السياسية للمرأة، ما فعلته
أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية حيث أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم أن
ينحر الهدي فيفعل الصحابة مثل فعله.
والقصة ليس فيها ما يدل على ما يريده الموسِّعون، كل ما في الأمر أنها أشارت عليه
فأخذ برأيها احتراما ً وتقديرا ً لرجاحة عقلها رضي الله عنها، وليس في الواقعة ما
يدل على أنها كانت مسئولة ً عن الرجال تقودهم،أو حتى تخالطهم.
ولم يسجل التاريخ أن أيا ً من أمهات المؤمنين كان لها نشاط سياسي واضح، إلا ما كان
من عائشة رضي الله عنها في واقعة الجمل، وقد أنكر عليها كثيرون خروجها.
أما خديجة رضي الله عنها، فلم تقف تزاحم الرجال في المجالس وتدعوهم للإسلام، ولم
تنهض للعمل السياسي، ولم تفعل ذلك زوجات الخلفاء الراشدين المهديين، وإنما كان
العمل السياسي مقتصراً على الرجال فقط.
ومن الوقائع التاريخية ما قامت به (ذات النطاقين) أسماء بنت الصديق رضي الله عنها
وعن أبيها من نقل الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في حادثة الهجرة.
وقد كان ذلك للحاجة الماسة، بل ربما للضرورة لعدم وجود من يقوم بذلك، كما لم يكن
يومها تشريع واضح يضبط اختلاط الجنسين، وقد كان لقاؤها مع أبيها ومع سيد الخلق صلى
الله عليه وسلم.
أما الاستشهاد بحضور النساء للجمعة والجماعة والعيدين ودروس العلم، فالمساجد من
الأماكن العامة التي يجوز فيها الاختلاط، وقد كان ذلك دأب الصحابيات رضي الله عنهن
في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، حيث لم يترتب على هذا الخروج والمشاركة
فتنة تذكر إذا ما قورن هذا الوضع مع ما عليه الوضع الآن في مساجد المسلمين في
الولايات المتحدة.
لذلك ترى كثيرا ً من المساجد في أمريكا تضع حاجزا ً بين الرجال والنساء، وهم في ذلك
مصيبون، وفعلهم يوافق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لما يشوب اختلاطهم في المساجد
من فتن ٍ، خاصة ً للمراهقين من الجنسين.
المطلب الخامس: رواية (أصابت امرأة وأخطأ عمر)
وفيها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يحدد المهور حتى لا يغالي الناس فيها،
وكان ذلك في المسجد، فقامت امرأة وقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا، ألم يقل
سبحانه (وآتيتم إحداهن قنطارا ً)، فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر.
وهذه الرواية يأخذها المتوسعون في العلاقة بين الجنسين ذريعة ً لإباحة العمل
السياسي، وأن المرأة كانت (تصنع الحياة) !! وتشارك الرجل وتصححه، بل وتخطِّأ أمير
المؤمنين على المنبر، وفي ذلك دلالة على عدم التمييز في العمل السياسي على أساس
الجنس.
والرواية ضعيفة لا تصح سندا ً، ذكرها ابن كثير ٍ في تفسيره مرتين:
الأولى (1-468 ) بسندٍ ضعيفٍ لضعف(مجالد بن سعيد)،ضعفه علماء الجرح والتعديل،كما في
التاريخ الكبير للبخاري(8-9)،والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي(3-35).
والثانية(1-468) ضعيفةٌ أيضاً،لضعف (مصعب بن ثابت) ولانقطاع في سند الرواية.
كما أخرج الرواية الإمام عبد الرزاق في المصنف (6\180)، وإسناده ضعيف لانقطاع فيه،
ولضعف أحد رواته (قيس بن الربيع).
والرواية الصحيحة ليس فيها اعتراض المرأة على عمر، وإنما فيها قوله (ألا لا تغالوا
في صدقة النساء، فإنها لو كانت مكرمة ً في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها
نبي الله صلى الله عليه وسلم، ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئا ً من
نسائه ولا أنكح شيئا ً من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية) والأوقية أربعون
درهما ً كما ذكره الترمذي.
قال الترمذي: هذا حديثٌ حسن صحيح. فالزيادة على هذه الرواية، وهي اعتراض المرأة،
زيادةٌ منكرةٌ .
وعدم قبول الرواية سنداً يكفي للرد على المستدلين بها، وعلى فرض صحتها، فليس فيها
ما يدل على المشاركة السياسية للمرأة كما عليه العمل الآن، ولا أنها كات صاحبة
ولايةٍ ومسئولية، وإنما هو موقفٌ في المسجد، واعتراض على المتكلم لا يجوز أن يعمم
ويبالغ في فهمه.
المطلب السادس: تولية (الشفاء) أمر السوق
الشفاءُ اسمٌ لصحابيةٍ جليلةٍ تكنى بأم سليمان، واسمها (الشفاء بنت عبد الله
العدوية القرشية). وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاها حِسبة السوق.
ويتوسع المشجّعون للعمل السياسي للمرأة في فهم هذه الرواية والأخذ بها كدليل على
صحة ولاية المرأة، وأن الشرع لا يمنع ذلك.
وقد ترجم للصحابية الجليلة عددٌ ممن حاول إحصاء الصحابة وحصرهم، ولكن ليس في
ترجمتهم ما يدل على تقلّدها منصبا ً عاما ً ومسئولية ً على الرجال. وفيما يلي بيانٌ
لمن ترجم لها:
أولا ً: تهذيب الكمال لان الحجاج المزي (35\207) حيث قال (وكان عمر بن الخطاب
يقدمها في الرأي ويرضاها ويفضّلها، وربما ولاها شيئا من أمر السوق).
ثانياً: الاستيعاب لابن عبد البر (4\1868) حيث قال (وربما ولاها شيئا ً من أمر
السوق).
ثالثاً: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (7\727) حيث قال (وربما ولاها
شيئا من أمر السوق).
فكل هذه الروايات ليس فيها جزمٌ بولاية الشفاء، وإنما (ربما) ولاها عمر شيئاً من
أمر السوق، وقد يكون ذلك رقابة ً على البيع والشراء أو حسبة ً على السوق أو غير ذلك،
وهي –رضي الله عنها- في ذلك تحت إمرة أمير المؤمنين عمر.
يضاف إلى ذلك أن الكتب التي ترجمت للصحابة- رضي الله عنهم أجمعين- لم يكن المقصود
منها بيان صحة الروايات المنسوبة للصحابة، بل كل الاهتمام كان منصباً على إثبات
الصحبة الكريمة للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى وإن كان جامع الكتاب (أمير المؤمنين)
في الحديث، الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله ،كما في كتاب( الإصابة) سالف الذكر.
وسبب ذلك - كما لا يخفى- هو إثبات (العدالة والضبط) أو (التوثيق) لكل من ثبتت له
صحبة كما هو مقررٌ في علم مصطلح الحديث.
وهذا كله على فرض صحة الرواية، كيف والرواية لا تصح سندا ً، كما نص على ذلك القرطبي
رحمه الله في تفسيره حيث قال (وقد روي عن عمر أنه قدم امرأة على حسبة السوق، ولا
يصح ، فلا تلتفتوا إليه ، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث)!!
وبعد مناقشة الأدلة السابقة ، يمكن القول أن كل الأدلة الشرعية والوقائع التاريخية
التي يراد من ذكرها تسويغ إخراج المرأة من بيتها وممارستها للعمل السياسي
كالرجال،لا يصحُّ الاستدلال بها جملة ًوتفصيلاً.
المبحث الثامن: الشبهات العقلية والرد عليها
إضافة للشبهات المستندة للدليل، والتي سبق ذكرها، هناك بعض الشبهات العقلية التي
يثيرها القائلون بالتوسع في مشاركة المرأة في العمل السياسي، ومن هذه الشبهات:
أولا ً: أن المرأة نصف المجتمع، وأن من حقها أن تشارك بنفس النسبة في الحياة العامة.
وأقول: هي أكثر من نصف المجتمع عددا ً، ولها دورها الفاعل في تربية المجتمع
والأجيال القادمة على الفضيلة، وذلك من داخل البيت وليس من خارجه.
لكن الدعوة إلى إخراجها فيه تغافل عن دورها المناسب لطبيعتها كبنتٍ وزوجةٍ وأم،وما
يلائم فطرتها من القرار في البيت وتهيئته للاستقرار الأسري والراحة النفسية، والتي
لولاها ما استطاع الرجال أن يقوموا بدورهم - خارج البيت - في الإصلاح والتغيير.
كما أن الله سبحانه وتعالى يعلم نسبة النساء في المجتمع، ومع ذلك أمرهن بالقرار في
البيوت (وما كان ربك نسيا ً)، ودعوة النساء للخروج والعمل السياسي كما يقوم به
الرجال فيه مزايدةٌ على حكمة الله في التشريع، وطعنٌ في الأحكام التي تميز بين
الرجال والنساء على أساس الجنس.
ثانياً: ادعاء أن الحاجة تدعو للعمل السياسي للنساء، وأن المسلمين في أمريكا أقلية
تحتاج أن تحافظ على هويّتها وتنتصر لقضاياها وتدافع عن حقوقها.
وأقول: لم يستنفذ الرجال المسلمون في أمريكا جهدهم في العمل السياسي حتى ندعو إلى
إخراج النساء من البيوت وإشراكهن في العمل السياسي على قدم المساواة مع الرجال.
وليس في ذلك منع لهن بالكلية من العمل السياسي، بل يمكن ذلك من خلال النشاطات
النسائية التي تدعو لها الحاجة الحقيقية لبث الوعي السياسي بين النساء المسلمات.
ثالثاً: القول بأن المجتمع الأمريكي مجتمع مختلط ، وأن النظام لا يميّز على أساس
الجنس، وأن التمييز عند المسلمين فيه مخالفةٌ للقانون.
وأقول: إن مهمتنا العظمى في هذه البلاد هي إرضاء الله سبحانه والمحافظة على هويتنا
الإسلامية، وعدم الذوبان داخل المجتمعات غير الإسلامية.
كما أن النظام الأمريكي لا يلزم النساء بممارسة العمل السياسي، وإنما المسلمون
أنفسهم هم الذين يتعمدون إقحام المرأة المسلمة وتكليفها ما لا تطيق، حتى يظهروا
أمام غير المسلمين بمظهرالمتحضّر والمنسجم مع الأنظمة الأمريكية ، الاجتماعية منها
والسياسية.
وهذه هي المصيبة التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (لتتبعن سنن من
قبلكم، شبرا ً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه، قلنا: يا رسول
الله: اليهود والنصارى؟ قال :فمن)
المبحث التاسع: خلاصة أحكام مشاركة النساء في العمل السياسي
الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد سبق القول أن ممارسة المسلمات للعمل السياسي في
أمريكا-عموماً- لا تختلف عن ممارسة الرجال له في الأعم الأغلب.
ثم تبع ذلك بيان مكانة المرأة في التشريع الإسلامي،و حكم توليتها الولايات الخاصة
والعامة،وخصوصية العلاقة بين الجنسين ، واختلاف النساء عن الرجال في بعض الأحكام
الشرعية، وحكم الاختلاط بين الجنسين في الأماكن العامة والخاصة، والشبهات المثارة
حول هذه الأحكام كلها.
لم يبق بعد ذلك إلا (إنزال الحكم على الواقعة)، وذلك بالمقارنة بين حكم الشرع ومدى
التزام المسلمين بتطبيقه، فما كان موافقاً للشرع فهو مقبول، وما كان مخالفاً فهو
مردود.
وعند عقد هذه المقارنة وتلخيص ما سبق تفصيله، يمكن الخروج بالنقاط التالية:
أولاً: العمل السياسي جزءٌ لا يتجزأ من العمل الإسلامي والدعوة إلى الله.
ثانياً: الخطاب الشرعي موجه للرجال والنساء، والمرأة كاملة الأهلية في الشريعة
الإسلامية.
ثالثاً: هناك عدد من الأحكام تنفرد بها النساء عن الرجال، وقد جاء الشرع بهذه
الأحكام صوناً للمرأة، ورفعاً لقدرها، ومحافظة ً على كرامتها، ومساعدة ً لها كي
تقوم بالدور الذي تتقنه ويناسب فطرتها وأنوثتها.
رابعاً: للعلاقة بين الرجال والنساء خصوصية ٌيجب أن تراعى ، وحدود ٌ يجب أن يلتزم
بها الطرفان.
خامساً: القرار في البيت والتفرغ للقيام بشئونه، وإنجاب الأطفال وتربيتهم عمل يناسب
طبيعة المرأة.
سادساً: على المسلمة أن تلتزم بالحجاب الكامل إذا أرادت الخروج من بيتها، وأقل ذلك
أن تستر جميع بدنها بثيابٍ عريضة كالجلباب وما في حكمه، واستثنى بعض العلماء الوجه
والكفان. أما لبس (البنطلون) حتى وإن كان عريضاً فلا يكفي، بل لابد من الجلباب الذي
لا يُفصّل جسم المرأة ورجليها.
سابعاً: لا تجوز المصافحة بين الرجال والنساء الأجانب، ولا النظر المتبادل، حتى وإن
كانت المرأة محجبة، ويباح النظر لحاجةٍ شرعيةٍ فقط ، كما لا تجوز الخلوة بالمرأة
الأجنبية.
ثامناً: لا يجوز الاختلاط بين الجنسين في الأمكان الخاصة التي لها حرمةٌ وخصوصية،
ويدخل لها عادةً باستئذان، كالبيوت والاجتماعات المغلقة وقاعات الأفراح وفصول
الدراسة وغيرها، وإذا دعت الحاجة لوجود الجنسين فيكون ذلك من وراء حجاب.
وهذا الحكم سارٍ على العمل السياسي وغيره من الأعمال الدّعوية بدون استثناء.
تاسعاً: يُترخص في الاختلاط بين الجنسين في الأماكن الخاصة للحاجة العامة، والخاصة
بمفهومها الشرعي، وللضرورة من باب أولى، ولعموم البلوى ومشقة الاحتراز، ولا يكلف
الله نفساً إلا وسعها. كما ويستثنى من ذلك التواتر لانتقاء الخصوصية.
عاشراً ً: تجوز الولاية الخاصة للمرأة، والولاية العامة على النساء فقط.
حادي عشر: لا تجوز الولاية العامة للمرأة إذا كانت على الرجال، وسواءً في ذلك رئاسة
الدولة، والقضاء، والوزارة، والبلديات، وعضوية مجلس النواب والأعيان، وعضوية مجالس
الشورى والمكاتب التنفيذية للمنظمات والحركات الإسلامية، وغير ذلك مما يعتبر ولايةً
عامة ً تتعلق بمصالح المسلمين.
ثاني عشر: يمكن الاستفادة من طاقات النساء وخبرتهن عن طريق إنشاء أقسام خاصة بهن
للعمل السياسي-والدعوي عموماً- داخل المؤسسات والأحزاب السياسية الإسلامية، بما
يضمن الاستغلال الأمثل للطاقات وبما لا يتعارض مع حكم الشرع.
ثالث عشر:كل الشبهات النقلية والعقلية لا تصلح للاستدلال على جواز التوسع في خروج
المرأة من بيتها ومزاحمتها للرجال في الميادين العامة، ومن ضمنها الميدان السياسي.
رابع عشر: إذا تطلب العمل السياسي القيام بمظاهرات وإلقاء خطابات عامة وتشكيل وفود
لمقابلة المسئولين، والجلوس على طاولة المفاوضات، وإقامة التحالفات السياسية وإدارة
العمليات الإنتخابية فكل ذلك وما شابهه من عمل الرجال الذي لا يناسب طبيعة المرأة
ويشغلها عن واجبها الرئيسي في بناء الأسرة المسلمة وتربية الأجيال، وكل إقحامٍ
للمرأة في هذه المجالات هو انتقاصٌ من قدرها وامتهانٌ لها، وتقليدٌ للغرب. وفيه
تكلف ٌ وتحميل للمرأة ما لا تطيق، ويتبع ذلك-بالضرورة- اختلاط مشين، لا تدعو له
الحاجة ، ولا تؤمن فيه الفتنة والغواية.
خامس عشر: إذا تطلب العمل السياسي اتصالا ً فردياً بين النساء، ومحاضراتٍ عامةٍ لهن،
وتبرع بالمال لدعم مسيرة العمل السياسي الإسلامي، واشتراك في عضوية الجمعيات
والمنظمات الإسلامية التي تمارس العمل السياسي، وكتابة مقالات في الجرائد، وإدلاء
للصوت في الانتخابات لاختيار أقل الضررين ودرء أعظم المفسدتين، وما شابه ذلك من
النشاطات التي لا تعطل المرأ ة عن القيام بواجبها نحو بيتها، ولا تجعلها نداً
للرجال، ولا تحمّلها مسئولية عامة، وتحافظ على أنوثتها وحيائها، فذلك أمرٌ مستحب،
وقد يصل إلى مرتبة الوجوب.
سادس عشر: ينبغي أن تتظافر جهود الرجال المسلمين في الولايات المتحدة للقيام بأعباء
العمل السياسي، والدفاع عن حقوق المسلمين ومكتسباتهم، والمحافظة على هويتهم، ومن
ضمن المحافظة على الهوية الإسلامية في الغرب أن لا تنزلق الجالية المسلمة في محاكاة
غير المسلمين وتقليدهم، وزجّ النساء في الميادين العامة.
سابع عشر: يجب على الجمعيات والمنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة أن تسأل أهل
العلم عما يستجِدّ في حياة الناس، خاصةً في ميادين العمل السياسي مما قد تختلط فيه
المصالح والمفاسد.
وأفضل من ذلك كله أن تكون للمؤسسة الإسلامية لجنةٌ من الفقهاء أو المستشارين
الشرعيين من أهل العلم والاختصاص، بحيث يكون قرارهم مُلزماً ومستمداً من دستور
المنظمة ذاتها، حتى تضمن سلامة منهجها وصحة عملها.
وبعد، فهذا ما تيسر جمعه حول موضوع مشاركة المسلمة في العمل السياسي في الولايات
المتحدة، وبالله التوفيق، وصلى الله على خير خلقه محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
Summary
1. Political work is a part of Islamic work in general, which is an
implementation of enjoining right and forbidding evil.
2. Islamic legislation orienting both males and females; however, women in Islam
have a complete capability and eligibility.
3. Out of appreciation, and to consider the nature of women, Islamic regulation
exempted women from many rules and specifying some other rules only for them.
4. Relationship between the opposite genders has some restrictions, and
limitations should be taken into consideration.
5. Procreation, raising children, and maintaining the family are the main job
for women.
6. Islamic code of dress is an obligatory for Muslim women, the minimum
requirement- unanimously agreed upon- is to cover her whole body in a wide dress
and modest clothes. However, covering the face and hands is a disputed and
debatable point between scholars.
7. Hand shaking, mutual looking, and staying in seclusion are prohibited between
the opposite genders.
8. Gender intermingling between the opposite genders is not allowed in any
private place, which has privacy, and needs a permission to enter.
9. In case of necessity or true need, gender intermingling is allowed as a kind
of exemption.
10. A Muslim woman is eligible for any public authority or leadership over women
only, as well as having any specific leadership.
11. A Muslim woman is not eligible to have any positions of public authority or
leadership over men.
12. The best solution to accommodate and recruit women in any Islamic work is to
establish a women committee affiliated with the Islamic political movement or
association.
13. All the logical reasons and evidences raised to prove the permissibility of
allowing women having any public or general authority are not more than
misconceptions which can’t oppose the impermissibility proven by clear and
direct evidences.
14. Holding rallies, delivering speeches, coalitions, and operating any
political work are manly jobs.
15. Supporting any Islamic work financially, subscribing in any Islamic work,
delivering lectures for women, voting in election or any other participation
that does not distract women from taking their main responsibility is allowed as
long as modesty and morality are guaranteed.
16. Muslim men in the United States should dedicate more time and effort to
cover the political part of the Islamic work in America, to avoid involving
women in such work.
17. Islamic organizations and associations in America should ask scholars to
assure the soundness and correctness of their work. Better than that, is to have
a FATWA committee in any association derived its authority from the constitution
and by law of the organization.
قائمة المصادر والمراجع
1-ابن الملقن،عمر بن علي (1410هـ)خلاصة البدر المنير،مكتبة الرشد- الرياض؛ط1
www.binbaz.org.sa 2-ابن باز،عبد العزيز-موقع الشيخ على شبكة الإنترنت
3-ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله (1412هـ)الاستيعاب في معرفة الأصحاب،دار
الجيل-لبنان،ط1
4-ابن كثير،إسماعيل بن عمر(1401هـ)تفسير ابن كثير،دار الفكر،بيروت
5-الأصبحي ،مالك بن أنس (بدون سنة النشر)الموطأ،دار إحياء التراث العربي-لبنان
6-الألباني،محمد ناصر الدين(1995م) السلسلة الصحيحة،مكتبة المعارف-الرياض،ط1
7-الألباني،محمد ناصر الدين(1995م)صحيح الجامع الصغير وزيادته،مكتبة المعارف-الرياض
8-الامدي، علي بن محمد (1404هـ)الإحكام في أصول الأحكام-دار الكتاب العربي-لبنان،ط1
9-البخاري،محمد بن إسماعيل(2002م)صحيح البخاري،المكتبة العصرية،ط1
- البنا،حسن (بدون سنة النشر )مجموعة رسائل الإمام حسن البنا-طبعة دار الشهاب10
11-الترمذي،محمد بن عيسى (بدون سنة النشر)سنن الترمذي،دار إحياء التراث
العربي،لبنان
12-الشوكاني، محمد بن علي بن محمد (1973م)نيل الأوطار،دار الجيل-لبنان
13-الشيباني ،أحمد بن حنبل (بدون سنة النشر)مسند الإمام أحمد،مؤسسة قرطبة-مصر
14- الصنعاني،محمد بن إسماعيل (1986م)إجابة السائل شرح بغية الامل،مؤسسة
الرسالة-لبنان،ط1
15- الصنعاني، محمد بن إسماعيل (1379هـ)سبل السلام ،دار إحياء التراث
العربي-لبنان،ط4
-العسقلاني،أحمد بن علي بن حجر(1992م)الإصابة في تمييز الصحابة،دار
الجيل-لبنان،ط116
-العسقلاني،أحمد بن علي بن حجر(1379هـ)فتح الباري بشرح صحيح البخاري،دار
المعرفة-لبنان17
18-الغزالي،محمد (1996م)السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث-دار الشروق،ط6
19-القرطبي، محمد بن أحمد (1372هـ)تفسير القرطبي،دار الشعب-مصر،ط2
20-القشيري،مسلم بن الحجاج (بدون سنة النشر)صحيح مسلم،دار إحياء التراث
العربي،بيروت
21-المباركفوري،محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم(بدون سنة النشر)تحفة الأحوذي شرح سنن
الترمذي،دار الكتب العلمية-لبنان
22-المزي،يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن الحجاج(1980م)تهذيب الكمال،مؤسسة
الرسالة-لبنان،ط1
23-المقدسي،عبد الله بن أحمد ابن قدامة(1405هـ)المغني،دار الفكر-لبنان،ط1
24-المناوي، عبد الرؤوف (1356هـ)فيض القدير،المكتبة التجارية الكبرى-مصر،ط1
-النيسابوري، محمد بن عبد الله (1990م)المستدرك على الصحيحين،دار الكتب
العلمية-لبنان،ط125
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |