|
في مؤتمر "شباب من أجل الديمقراطية" |
|
|
March 10, 2007 |
بسم الله الرحمن الرحيم
عمان. قال الدكتور محمد تركي بني سلامة أستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك ورئيس اللجنة السياسية في حزب الجبهة الأردنية الموحدة أن هناك غياب واضح للرؤية الاقتصادية في الأردن، كما أن هناك تناقض بين السياسات الاقتصادية والتطلعات الشعبية فعلى سبيل المثال هناك جهات تطرح أفكار اقتصادية تركز بشكل كبير وربما يمكننا القول على نحو مبالغ فيه وربما خدمة لأجندة خفية على أفكار غير جديدة كتحرير السوق وإزالة كافة القيود والعقبات أمام تدفق السلع والخدمات والأفكار، كما تدعو إلى تبني برامج خصخصة كافة مؤسسات الدولة، وتدعو، بل تجاهر بدعوتها إلى تقليص دور الدولة في الاقتصاد أو رفع يد الدولة كلياً. وهذه أفكار قديمة وتعبر عما يطلق عليه علماء الاقتصاد اتفاق واشنطن وهو مصطلح يطلق على السياسات التي أجمع عليها بل تفرضها على الدول النامية 3 مؤسسات دولية تعمل في واشنطن هي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووزارة المالية الأمريكية وتتخلص هذه السياسات في عشر بنود هي:
1- الانضباط المالي للحكومة. 2- أولويات الإنفاق الحكومي. 3- الإصلاح الضريبي.
4- تحرير سعر الفائدة. 5- سعر صرف مناسب. 6- تحرير التجارة الخارجية.
7-إزالة القيود على تدفق الاستثمارات الأجنبية. 8-الخصخصة. 9-إزالة القيود عن الاقتصاد المحلي. 10-حقوق الملكية.
وتهدف هذه السياسات إلى: 1. تحرير السوق المحلي. 2.الخصخصة. 3. الاستقرار الاقتصادي، وقد أطلق على هذه السياسات الليبرالية الجديدة وذلك على اعتبار أن الفكر الليبرالي المتمثل في المدرسة الكنزية قد أبتعد عن جذوره الليبرالية كونه فسح المجال للدولة للتدخل في الاقتصاد وهو ما يتناقض وجوهر الفكر الليبرالي الذي يرتكز على مبدأ الحرية الاقتصادية المطلقة.
وأضاف د. بني سلامة في افتتاح المؤتمر الوطني الثاني لمبادرة "شباب من أجل الديمقراطية" في جامعة عمان الأهلية في محاضرة له بعنوان الإصلاح الاقتصادي في الأردن أنه بنفس الوقت هناك ضغوطات تمارس على الحكومة لتتدخل بشكل مباشر في رفع مستوى معيشة المواطن الأردني ومراقبة الأسعار ومكافحة الغلاء ومحاربة الفقر والبطالة وتحسين مستوى الخدمات وتعزيز مستوى سعادة الإنسان الأردني. الأمر الذي يكشف عن فجوة كبيرة بين الاتجاهين السابقين وانقسام وتناقض واضح.
وأشار د. بني سلامة إلى أن من يعرف التاريخ الاقتصادي للأردن والدور المركزي الذي لعبته الدولة الأردنية في تحقيق التنمية الاقتصادية وفي بناء المشروع الوطني الذي تجاوز عمره الثمانون عاماً، يدرك تماماً أن الأفكار التي تنادي برفع يد الدولة كلياً عن الاقتصاد هي أفكار تجاوزها الزمن وفيها نوع من التطرف الاقتصادي أو تعبر عن أفكار اقتصادية دفنت في رمال الزمن وتم التخلي عنها بشكل تدريجي بعد أزمة جنوب شرق آسيا في عامي 1997، 1998 حيث تسببت بأزمات اقتصادية فائقة لدول الفلبين وكوريا الجنوبية وتايلاند وغيرها وكذلك الحال في بعض دول أمريكا اللاتينية مثل الأرجنتين حيث جعلت صانع القرار الأرجنتيني في وضع لا يحسد عليه وأرغمته على تقديم استقالته. وهي في المجمل أدت إلى حد كبير في الكثير من دول العالم في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى نتائج اقتصادية واجتماعية غير حميدة. وحذر من جعل الأردن حقل تجارب اقتصادية لأفكار الليبراليين الجدد متسائلاً عن أثر هذه السياسات على الاقتصاد الأردني مثل زيادة معدل النمو الاقتصادي أو خلق عدد كبير من الوظائف أو تخفيض نسب الفقر والبطالة، فاستمرار الأوضاع الاقتصادية السيئة على حالها دليل على عقم هذه السياسات.
وأضاف د. بني سلامة إلى ضرورة التوقف عندما بات يعرف "بالخيار الديمقراطي" في الطرح الاقتصادي الذي يقوده عالما اقتصاد حائزان على جائزة نوبل في الاقتصاد وهما أمارتيا سن Amartya sen و جوزف ستيغليتز Joseph Stiglits اللذان نشرا العديد من البحوث والدراسات الاقتصادية لتوضيح فلسفتهما وأفكارهما الاقتصادية، كما قاما بدعوة المؤسسات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى عدم فرض برامج اقتصادية على الدول النامية دون مراعات ظروف وخصائص اقتصاديات هذه الدول، فدولة مثل غانا تختلف في الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عن دولة مثل المكسيك، وما ينجح في تركيا قد يفشل في المغرب أو جنوب أفريقيا وهكذا، وأثبتت التجربة العملية أن فرض وصفة واحدة على العديد من الدول النامية أدى إلى نتائج سلبية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وكما قام العالمين بتوجيه الدعوة والنصيحة إلى الدول النامية إلى عدم قبول تلك السياسات دون التأكد من ملائمتها إلى اقتصادها الوطني.
وأكد د. بني سلامة على ضرورة إعادة النظر في تعريف دور الدولة في الاقتصاد وعلاقة
الدولة بالسوق حيث ينظر إلى كل من الدولة والسوق كعاملين مكملين أحدهما للأخر ولا
يمكن الاستغناء عن أي منهما في العملية الاقتصادية، وأضاف أن تاريخ الأردن الحديث
يكشف بوضوح أن نشوء الدولة قد سبق نشوء المجتمع وكذلك المؤسسات الاقتصادية الوطنية،
ولعبت الدولة دور حيوي في عملية التحديث والتنمية فكانت عامل استقرار أساسي ساهم
بشكل كبير في خلق ورعاية وبناء المؤسسات الاقتصادية وتوفير البيئة الآمنة والبنية
التحتية اللازمة فضلاً عند دورها كعامل استقرار أساسي ساهم في توزيع مكتسبات
التنمية على مختلف مناطق الأردن وبالتالي فإن الدعوات التي تطالب بعزل دور الدولة
وفكفكة مؤسساتها والتعامل مع الوطن كشركة ووفق منطق الربح والخسارة وفي النهاية ترك
سفينة الاقتصاد تسير وفقاً لما تمليه رياح السوق هي بمثابة إنهاء للحلم الأردني
ومغامرة غير محسوبة وقد تكون نتائجها مكلفة للمجتمع والدولة.
ودعا د. بني سلامة إلى مراجعة سياسات الخصخصة والتأني في خصخصة ما تبقى من مؤسسات مملوكة للقطاع العام وضرورة التريث والاستفادة من خلاصة التجارب التنموية المختلفة لدول العالم إذ لا توجد وصفات جاهزة لأي تنمية اقتصادية، فلكل دولة تجربتها الفريدة وظروفها الخاصة بها، مؤكداً على أنه لا توجد علاقة بين معياري الكفاءة في الإنتاج ونوع الملكية "عامة أو خاصة" داعياً إلى تحديث مؤسسات الدولة الأردنية كبديل لسياسات الخصخصة، وإدارة المال العام وثروات الوطن على أسس جديدة من العدالة والمساواة. وهذا يحتاج من أطياف المجتمع وقوى الوطن الحية والمتعددة أن تعبر عنه بصراحة تامة.
وفي نهاية المحاضرة أشار د. بني سلامة إلى أن حزب الجبهة الأردنية الموحدة لديه رؤية حول السياسات الاقتصادية المطلوبة في المرحلة القادمة تؤكد على ضرورة العدالة في توزيع مكتسبات التنمية، وقد أكد الحزب على لسان أمينه العام أمجد المجالي وفي أكثر من مناسبة على أن رفع يد الدولة عن الاقتصاد لن يخدم هدف رفع مستوى معيشة المواطن الأردني وإسعاده بل المطلوب أن ندعو الدولة إلى تعزيز دورها وتدخلها من أجل تحقيق رؤى وتطلعات جلالة الملك عبد الله الثاني في استكمال عملية البناء والتحديث وتهيئة الاقتصاد الأردني لمتطلبات المرحلة القادمة. أما بخصوص الخصخصة فقد أكد الأمين العام للحزب على أن الدول التي تبيع أصولها وعلى وجه التحديد الأصول ذات الطابع الاستراتيجي مثل قطاع الاتصالات على سبيل المثال هي دول تغفل حقيقة أن من يسيطر على الاتصالات يسيطر على المعلومات، وهذا قد يكون له أبعاد وآثار على الأمن الوطني بشكل عام. وفي الخلاصة فإن على من يقتنع بهذه الأفكار أن يدعم هذا التوجه من أجل التوصل إلى اتفاق حول الإطار العام الذي يجب أن تبحر فيه سفينة الأردن إلى شاطئ الأمان ولا سيما أننا في بحر مليء بالعواصف والأخطار، وهذه أفكار نأمل أن تبقى حية في الذاكرة دافعة إلى العمل والأمل والتفاؤل والحوار.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@yahoo.com |