|
في عيد الاستقلال الأمن والأمل والثقة بوابتنا إلى المستقبل |
|
|
May 25, 2008 |
رئيس اللجنة السياسية
حزب الجبهة الأردنية الموحدة
يمثل الخامس والعشرين من شهر أيار كل عام يوم خالد في تاريخ الأردن الحديث، إذ تهل
علينا في مثل هذا اليوم من كل عام ذكرى عيد الاستقلال، بكل ما تحمله من قيم ومعاني
وتضحيات وما تمثله من فخر وشموخ وكبرياء وإنجازات، إذ تضافرت جهود القيادة والشعب
في الكفاح من أجل نيل الاستقلال والذي تحقق بحمد الله فكانت النتيجة مظفرة باهرة.
وفي هذه المناسبة الغالية فإننا إذ نشيد بالإنجازات التي تحققت على مختلف الصعد إذ أن الأردن بنى وأعلى البنيان في كل ميدان، كل ذلك وسط بيئة إقليمية مضطربة وبإمكانات وموارد شحيحة، ونحن إذ قطعنا شوطاً كبيراً في هذا الطريق الطويل الشاق، فإنه ما زال ينتظرنا الكثير، ومن هنا فإن المكاشفة والمصارحة ونقد الذات واستدراك ما فات لمواجهة ما هو آت من تحديات وأخطار هو أمر لا غنى عنه لأن الحوار والشفافية والنزاهة وقول الحق هي صمام الأمان لمواجهة المفاجآت والتقلبات.
ليس بخاف على أحد في أن المنطقة تمر بمرحلة تحولات سياسية واقتصادية وثقافية ذات أبعاد وآثار متعددة والتي ما من شك في أن جزء منها له آثار على الأردن الذي هو جزء من المنطقة يؤثر ويتأثر بما يدور فيها، وهذا ليس بالجديد أو المفاجئ فلقد عانى الأردن دوماً من ظلم الجغرافيا فجاء موقعه في قلب العاصفة ليشكل تحدي على صانع القرار يضاف إلى التحديات الأخرى التي يواجهها باعتباره دولة محدودة الموارد والإمكانات ولكن الأردن استطاع على مدى ما يزيد عن 5 عقود من مواجهة هذه التحديات والخروج منها بأقل قدر من الخسائر.
واليوم يقف الأردن على أعتاب مرحلة جديدة شبيهة بعدد من المراحل التاريخية التي مر بها في الماضي ولكن الجديد في هذه المرحلة هو سيادة النزعة التشاؤمية والنظرة السوداوية.
فمن يتابع الكتابات الصحفية والتحليلات السياسية في مختلف وسائل الإعلام من قنوات فضائية وصحف ومواقع إلكترونية يلحظ سيطرة لغة التخويف والتخوين والترهيب فهناك حديث عن انهيار معسكر الاعتدال العربيّ الذي يعتبر الأردن أحد محركيه وأزمة في العلاقات الأمريكية-الأردنية وصيف ساخن ومستقبل غامض ولا سيما في ضوء الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الأردن هذه الأيام. الحقيقة أن مثل هذه الآراء والتي لا نشكك بحسن نوايا بعض أصحابها إلا أنّها لا تخدم الأردن ولا تحقق مصالحه وخصوصاً أنّها تزرع الخوف والرعب واليأس في نفوس الناس وتصور الأردن وكأنه الحلقة الأضعف وبالتالي فإنه المرشح لدفع استحقاقات المرحلة القادمة. وأعتقد أن في هذا نوع من المبالغة الأقرب إلى الهرطقة السياسية.
إن الأردن ليس بالكيان الهش الذي يمكن تجاوزه بسهولة وتمرير مخططات على حسابه فالأردن لديه رصيد من الأوراق الرابحة التي تحفظ وجوده وتحمي مصالحه الاستراتيجية وتعزز دوره على الصعيدين الإقليمي والدولي. فالأردن لديه قيادة سياسية شرعية حكيمة ولديها قدرة هائلة على التكيف مع المستجدات وتحظى باحترام وتقدير المجتمع الدولي وهذه حقيقة لا تحتاج إلى أي جهد لإثباتها. والأردن لديه أجهزة ومؤسسات عسكرية وأمنية فاعلة ومتطورة جداً تمثل صمام أمان لمواجهة أية محاولات للعبث بأمن الأردن واستقراره وقد أثبتت جاهزيتها ومهنيتها منذ عشرات السنين ويعترف لها بذلك القريب والبعيد، والأردن لديه تراث سياسي فكري رصين ينطلق من رسالة النهضة العربيّة الكبرى فكان موئل أحرار العرب لا يساوم على القيم والمبادئ. والأردن لديه تجربة ديمقراطية رائدة وفريدة في عالمنا العربيّ قابلة لمزيد من التطور والانفتاح لبناء دولة الحق والقانون والمؤسسات والمجتمع المدني. والأردن لديه رأسمال اجتماعي يتمثل بالإنسان الأردني المعتدل المتعلم الواعي المتحرر من الجهل والخوف والمرض والتطرف. وأخيراً حركة إسلامية راشدة تحترم قواعد اللعبة السياسية.
لقد مكنت العوامل السابقة الأردن من تحقيق ما يشبه معجزات على كافة الصعد الإنسانية من صحة وتعليم واستثمار وعمران، يحق للأردن أن يفخر بهذه المنجزات ومن هنا ونحن نحيي ذكرى الاستقلال فإن المطلوب في المرحلة القادمة هو استكمال هذه المسيرة الخيرة المباركة ومراكمة الإنجازات دون مساومة أو مهادنة فنحن ورثة رسالة النهضة وأحفاد قادتها ورجالها وحماة قيمها ومعانيها يتضاعف إيماننا بمبادئ العروبة والأخوة مع اشتداد المحن وصعوبة الأوضاع وإن آمالنا يجب أن تبقى كبيرة ورؤوسنا عالية مرفوعة واعتزازنا وإيماننا بقيادتنا الفذة لا حدود له.
ولعل الأمن والأمل والثقة وحفز الطاقات وتعظيم المنجزات هي الأسلوب الأمثل في أوقات الشدة والمحن ذلك أن لغة التخويف والتخوين والمبالغة في الشكوى والانتقاد لا يمكن أن تحمي الوطن ومصالحه أو تسهم في تغيير الأوضاع نحو الأفضل لا بل تدفع إلى اليأس والإحباط والتعثر. ولهذا فإنه لا بد من تعزيز الثقة بمؤسسات الدولة وإنجازاتها واحترام أنظمتها وقوانينها، إذ يقاس مستوى التقدم الحضاري للمجتمع بمدى إيمانه واحترامه وتقديسه لدستوره وقوانينه ومؤسساته. ومن هنا فإن مزيد من الانفتاح السياسي ومراجعة مستمرة للقوانين الناظمة للعمل السياسي في الأردن هي ضرورة مجتمعية ومصلحة وطنية وغاية إنسانية، ولقد أحسنت حكومة المهندس نادر الذهبي صنعاً في إعادة النظر بجزء من هذه القوانين ونحن إذ نبارك هذه الخطوات فإننا نتطلع إلى المزيد في هذا الإطار.
أما على صعيد المجتمع فإن الانقسام الحاد وحالة الاستقطاب التي نشهدها هذه الأيام بين النخب السياسية والفكرية المنقسمة إلى تيارات متضاربة محافظين وليبراليين وحرس قديم وديجيتاليون فإن هذا الوضع صحي وطبيعي طالما أن التنوع والاختلاف يبقى في إطار الوحدة والتمسك بثوابت الدولة بعيداً عن المزاجية والشخصنة والأجندة الخفية. أما على صعيد الأغلبية الصامتة فإن المطلوب هو نبذ ثقافة الخوف والتردد والسلبية والتشكيك والانعزال إذ لا بد من خلق ثقافة جديدة تعلي من قيم المبادرة والمشاركة وتكريس الذات والحوار ونبذ العنف والتطرف.
أما على الصعيد الاقتصادي حيث يبقى هذا الهم على رأس الأولويات للقيادة والشعب على حد سواء فالأردن بلا نفط والمديونية والبطالة والفقر وارتفاع الأسعار هي بلا شد تحديات جسيمة تتطلب إعادة النظر بالسياسات الاقتصادية، فالأردن له خصوصية ولا بد للدولة من دور في توجيه الاقتصاد، ولا بد من تحديث مؤسسات الدولة لا بيعها وفقاً لقانون العرض والطلب إذ ليس بالخصخصة وحدها يحيى الإنسان.
وفي الختام فإننا نأمل أن يأتي عيد الاستقلال القادم والأردن وقيادته الفذة يحققان المزيد من النجاحات والإنجازات والشعب الأردني أقل هموم ومعاناة وأكثر ثقة وتفاؤل بالمستقبل، فالأردن درة التاج العربيّ ومفخرة المفاخر في هذا الجزء من العالم طليعة في الشهامة وطليعة في الكفاح والإنجاز، حريص على علاقات متوازنة مع الجميع يمثل صوت الحكمة والاعتدال ولا ضير في ذلك، فلا مبرر لليأس والخوف والتشكيك وجلد الذات.
وختاماً رحم الله الشاعر العربيّ الذي قال:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي كل المساويا
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |