المواطنة: بديل للطائفية والأثنية والقبلية

د. محمد تركي بني سلامة

Mohammedtorki@yahoo

May 13, 2008


                                                   جامعة اليرموك- قسم العلوم السياسية

 

كثر الحديث مؤخراً عن الارتداد إلى القبيلة والطائفة في المجتمع العربي الحديث، وكأن العرب قد دفعهم الحنين إلى الماضي، إلى العودة إلى مرحلة ما قبل الدولة الحديثة وبدأت تتسع مخاطر تحول النظم السياسية العربية إلى كيانات وتجمعات طائفية ومذهبية وعشائرية، الأمر الذي يثير الشكوك بجدية مشاريع التنمية والتحديث والإصلاح والديمقراطية. فعلى سبيل المثال أجمعت كافة الآراء والتحليلات التي تناولت الانتخابات النيابية التي جرت في الأردن مؤخراً على أنها انتخابات عشائرية، وأن العشيرة هي الحزب الأكبر في البلاد، وقبلها علق عالم الاجتماع المصري الشهير السيد يسين على الانتخابات البرلمانية في البلاد بأنها انتخابات قبلية، ولا يختلف الحال كثيراً عن الانتخابات التي شهدها العراق والتي كرست المذهبية وأخيراً فإن أزمة الرئاسة في لبنان هي في احد أبعادها نتاج عوامل مذهبية طائفية. ولما كان المجال لا يتسع في هذه الحالة للوقوف على عوامل وأسباب وآثار ونتائج تراجع الدولة كمؤسسة سياسية حديثة أمام هذه البنى التقليدية طائفية أو أثنية أو قبلية، فإن الحديث عن المواطنة كوصفه طبية للعصبيات والولاءات الضيقة، قد يكون الخطوة الأولى في إلقاء أضواء كاشفة على أحد جوانب هذا الموضوع، الذي نأمل العودة إليه مرة أخرى لتناول جوانب إضافية فيه.

  

 مفهوم المواطنة: إطلالة تاريخية

تعود جذور مفهوم المواطنة citizenship إلى الفكر السياسي اليوناني ويعني المفهوم ابتداءاً العضوية في مجتمع سياسي يكون فيه لدى الفرد القابلية على أن يحكم أو يُحكم، وهذا يعني المشاركة السياسية الفاعلة وأيضاً المساواة أمام القانون. وهكذا نجد ارتباط وثيق بين مفهوم المواطنة والديمقراطية. إلا أن المواطنة اليونانية كانت مقتصرة على فئة قليلة من السكان فالعبيد والغرباء لم يتمتعوا بها، فضلاً عن أنها أخذت طابعاً ذكورياً فقد كانت امتياز يمنح للرجال فقط. وقد اتسعت فكرة المواطنة من حيث التطبيق في الحضارة الرومانية فشملت تقريباً معظم رعايا الإمبراطورية وكذلك اتسع المفهوم من مجرد هوية سياسية وانتماء للدولة وما يترتب على ذلك من نشاط سياسي إلى الإطار القانوني(1).

إلا أن فكرة المواطنة قد دخلت مرحلة تحول هام بعد قيام الثورة الفرنسية، إذا أصبحت حقا إنسانياً طبيعياً يتمتع به الجميع على قدم المساواة، فقد جعلت الثورة الفرنسية المواطنة حقاً قانونياً وسياسياً بإعلانها حقوق الإنسان والمواطن The Declaration of the Rights of Man and Citizen  وقد كان للأفكار التي جاء بها فيلسوف الثورة جان جاك روسو دوراً رائداً في تأكيد هذا الحق الإنساني، ففي مؤلفه العقد الاجتماعي The Social Contract حدد معالم مفهوم المواطن وحقوقه وواجباته فهو شخص حر ومستقل وكونه عضو في مجتمع سياسي، فإن له الحق في المشاركة في صنع القوانين واتخاذ القرارات التي عليه واجب احترامها والتقيد بأحكامها.

ومع تنامي النشاط التجاري وصعود التيار أو الفكر الرأسمالي، ونتيجة التناقض بين مصلحة الفرد ورغباته والمصلحة العامة أو مصلحة الجماعة فقد تقلص مفهوم المواطنة إلى الإطار القانوني بحيث أصبح يعني مجموعة الحقوق الطبيعية التي تتضمن الحريات الفردية مثل حرية التعبير وحرية الاعتقاد وحق الملكية الخاصة والحق في العدالة وغيرها من الحقوق والحريات التي يمتلكها الفرد في مواجهة الدولة وتسلطها.

وفي مرحلة لاحقة تطور المفهوم نتيجة عوامل متعددة منها العولمة والهجرة العالمية وظهرت أشكال جديدة للمواطنة مثل المواطنة ما بعد الوطنية Post national Citizenship  والمواطنة العالمية Global Citizenship والمواطنة الاقتصادية Economic Citizenship وغيرها من المفاهيم التي تدل على أشكال جديدة من المواطنة(1) .

 

المواطنة والديمقراطية.

تاريخياً كان ميلاد الديمقراطية مرتبط بفكرة المواطنة وفي مرحلة لاحقة لعبت المواطنة دوراً حيوياً في نشوء وتشكيل المجتمعات الليبرالية الديمقراطية ولاسيما في ديمقراطيات أوروبا الغربية مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. فالمواطنة البناءة مواطنة مشاركة تمثل شرط تقدم المجتمع نحو تعزيز الديمقراطية، فهي قيمة و سلوك يتمثلان بضرورة المشاركة في الحياة العامة. ولا شك أن قيم وسلوكيات المواطنة تتجذر بتطور المجتمعات ووعيها وإيمانها بحقوقها وواجباتها.

وهذا يستدعي وجود المؤسسات الديمقراطية وعلى رأسها مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات ومنظمات أهلية وغيرها من المؤسسات التي تقلل من هامش التبعية للسلطة وتشكل مجال للمواطن للمبادرة والمشاركة وتحمل المسؤولية، فالمواطن في النظام الديمقراطي شريك أساسي في اللعبة السياسية. وهو في سعيه نحو مزيد من الحرية والمساواة والكرامة يجسد المعنى الحقيقي للمواطنة ويسهم في بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات الأمر الذي ينعكس ايجابياً على مسير الديمقراطية في النظام السياسي.

أخيراً، المواطنة في مواجهة القبلية والطائفية والمذهبية.

إن السؤال الذي يثور في الذهن الآن كيف يمكن لمفهوم او قيم المواطنة أن تجد مكاناً لها في الدولة أو المجتمع الذي يعاني من تعددية عرقية أو لغوية أو دينية أو قبلية أو جهوية، وما يترتب على هذه التعددية من تنافس وتنافر وانقسام وعدم تجانس في المجتمع أو الدولة الواحدة؟ أو بلغة أخرى كيف يمكن أن  نحافظ على الوحدة والانسجام كمواطنين في الدولة في إطار التنوع والاختلاف؟ إن هذه الإشكالية التي تعاني منها معظم دول العالم الآن ولاسيما في ظل تنامي أعداد المهاجرين يمكن التغلب عليها بالعودة إلى التجارب الماضية. فعلى سبيل المثال واجهت هذه المشكلة الولايات المتحدة الأمريكية في الماضي فقد كانت مشكلة الزنوج تمثل تحدي كبير للمجتمع الأمريكي ولاسيما إنها كشفت عن زيف الديمقراطية الأمريكية حيث كان الزنوج لا يتمتعون بكثير من حقوق المواطنة، إلا أن الولايات المتحدة نجحت في تجاوز هذه المشكلة باستخدام الأساليب الديمقراطية، فالحوار والعدالة والثقافة المدنية وسيادة حكم القانون والاتفاق على قواعد اللعبة السياسية هي االطريق التي سلكته الولايات المتحدة في سبيل حل مشكلة التعددية العرقية ( مشكلة الزنوج) وبالتالي تعزيز الوحدة  الوطنية وتثبيت دعائم النظام الديمقراطي ولاحقاً نجحت كل من الهند وجنوب أفريقيا في تجاوز مسألة التعددية الطائفية فيما أخفق عدد غير قليل من دول العالم الثالث في ايجاد حلول لهذه المشكلة.

وهنا فإن المرء يتساءل عن سر إخفاق المجتمعات العربية في الاستفادة من تجارب الشعوب التي سبقتنا في هذا المضمار؟ ان ضعف الانتماء الوطني وغياب الديمقراطية وعدم احترام حقوق الإنسان في العالم العربي يلعب دوراً أساسياً في إضعاف مفهوم وقيم المواطنة وبالتالي تكريس النزعات والولاءات الضيقة عرقية أو لغوية أو دينية أو قبلية، الأمر الذي ستكون له أثاراً كارثية على مستقبل هذه المجتمعات، فهل نعيد صياغة هويتنا الوطنية على أساس قيم المواطنة؟ إن هذه مسؤلية تقع على عاتق الدولة والمجتمع معاً ولاسيما ان مصلحة الطرفين تقتضي تعزيز قيم وسلوكيات المواطنة، نأمل أن تبقى هذه الأفكار حية في الذهن، دافعة واقعة إلى انجاز هذا العمل العظيم، وإلى اللقاء(1) .

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@gmail.com