الغرب وحقوق الإنسان: المبادئ والممارسات

د. محمد تركي بني سلامة

mohammedtorki@yahoo.com

Jun 22, 2008


د. محمد تركي بني سلامة

                                                                      جامعة اليرموك

                                                                     قسم العلوم السياسية

 

مقــدمــة

بدأت مفاهيم حقوق الإنسان بالظهور في القرن السابع عشر في الجزء الغربي من القارة الأوروبية، وقد ارتبطت في البداية بفكرة المواطنة citizenship في الدولة التي لمواطنيها حقوق وعلى الدولة واجب احترامها. وقد أصبحت مفاهيم حقوق الإنسان شائعة الاستعمال في القرن الثامن عشر عندما جاء إعلان الاستقلال الأمريكي بمقوله أن كل البشر خلقوا متساوين "All men are created equal"، وبعدها جاءت الثورة الفرنسية وحملت فرنسا مشعل الحرية أكثر من أي دولة أخرى في العالم وكان دورها رائداًً في مجال حقوق الإنسان.(1)

إلا أن هذه المسيرة بدأت بالتراجع في القرن التاسع عشر ولاسيما في الحقبة الاستعمارية حيث مثّل الحكم الاستعماري انتهاكاً جسيماً لحقوق السكان المستعمرين وفئات أخرى من المجتمعات الغربية مثل السود والنساء والفقراء.

وقد شهدت العقود والسنوات اللاحقة مزيداً من الاهتمام بحقوق الإنسان حيث تم إنشاء مؤسسات محلية ودولية تعني بحقوق الإنسان وذلك من أجل الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين مثل عصبة الأمم والأمم المتحدة التي توجت جهودها في هذا المضمار بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. (2)

والحقيقة أن هناك ارتباط وثيق بين حقوق الإنسان والديمقراطية وهكذا كان لليبرالية دوراً بارزاً في تعزيز مبادئ حقوق الإنسان ولاسيما بعد الانتصار التاريخي الذي حققته على الشيوعية(3) . وهكذا يمكن القول ببساطة أن ربط حقوق الإنسان بالغرب واعتباره مهد وحاضنة حقوق الإنسان والحليف الأكبر لها لا يحتاج إلى جهد كبير إلى أن جاءت أحداث 11/9/2001 حيث تحول اكبر حلفاء حقوق الإنسان (لولايات المتحدة الأمريكية) إلى أكبر منتهك لحقوق الإنسان تحت شعار الحرب على الإرهاب ونشر الديمقراطية. وسنحاول في هذه الورقة التعرف على المواقف الغربية المتناقضة تجاه مبادئ وقيم حقوق الإنسان وذلك من خلال:

1-    استعراض مسيرة حقوق الإنسان على مستوى العالم منذ القرن السادس عشر حتى الوقت الحاضر.

2-    مناقشة حالة حقوق الإنسان بعدى أحداث 11/9/2001 للتعرف على الفرص والتحديات التي تحيط بواقع حقوق الإنسان .

 

الغرب ومسيرة حقوق الإنسان: إطلاله تاريخية.

        الحقيقة أنه في هذه المرحلة من تاريخ البشرية أصبحت حقوق الإنسان وما يرتبط بها من مفاهيم ومؤسسات وممارسات هي شعار المرحلة إذ تطورت مفاهيم حقوق الإنسان لدرجة أن الطريقة التي تعامل فيها الدولة مواطنيها لم تعد شأن داخلي يخص الدولة وحدها انطلاقاً من مفهوم السيادة الوطنية التقليدي الذي كان سائداً حتى منتصف القرن الماضي، بل أصبحت حقوق الإنسان شأن عالمي يخص المجتمع الدولي بأكمله، لا بل إن سلوكيات الدولة فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان وحرياته وأبرزها حرية التعبير وحرية الاجتماع والتنظيم والمساواة أمام القانون والحق في محاكمة عادلة ومكافحة كافة أشكال التعذيب والتمييز العنصري وغيرها من الحقوق والحريات، أصبح عامل أساسي في العلاقات الدولية لا يقل أهمية عن القضايا ذات الاهتمام الدولي مثل الأمن والسلام الدوليين والتجارة العالمية(4). هذا التطور الكبير المتعلق بحقوق الإنسان يمكن بحق اعتباره ثورة حقوق الإنسان في العالم المعاصر. هذا التطور أو هذه الثورة العالمية لم تأتي صدفة، بل كانت نتاج كفاح إنساني طويل حافل بالمعاناة والتضحية. وقد ابتدأ منذ عام 1688 بإعلان وثيقة الحقوق الإنجليزية ""The English Bill of Rights والتي جاءت كرد فعل شعبي على ظلم الملك جيمس الثاني الذي حاول انتهاك حقوق مواطنيه، فجاءت الوثيقة لمنع انتهاك هذه الحقوق والتأكيد على ضرورة احترامها. وبعد ذلك بسنوات جاء إعلان الاستقلال الأمريكي عام 1776 The American Declaration of Independence كرد فعل على انتهاكات ملك بريطانيا حينذاك جورج الثالث للمستوطنين الأمريكان حيث جاء إعلان الاستقلال وتشكيل حكومة وطنية من اتحاد المستعمرات الإنجليزية في أمريكا انطلاقاً من اعتقاد الشعب الأمريكي أن الطاغية لا يصلح أن يكون حاكماً للمواطنين الأحرار. ثم جاءت الثورة الفرنسية وإعلان الحقوق الفرنسي عام 1789 The French Declaration of Rights ليؤكد أن حقوق الإنسان ملازمة له ولصيقة به لا يمكن التنازل عنها ولا يجوز انتهاكها وأن الأمة بمجموعها هي الضامنة والحامية لهذه الحقوق باعتبارها مصدر السيادة أو السلطات جميعاً. والحقيقة أن الثورة الفرنسية والمبادئ التي جاءت بها قد شكلت مصدر إلهام للعديد من الثورات التحررية التي شهدها العالم في القرنين الماضيين. كما أن فلاسفة الثورة الفرنسية الذين صاغوا مبادئ الحرية والمساواة وأناطوا مسؤولية حمايتها وضمانتها بالمجتمع ككل وليس بالفرد وحده قد وضعوا حجر الأساس لتطور مفاهيم حقوق الإنسان وجعل مسؤولية حمايتها بيد المجتمع الدولي مثلما نشاهد هذه الأيام، ذلك أنه بعد الحرب العالمية الثانية ونتيجة الآثار المروعة التي خلفتها الحرب والتي تسببت في معاناة الملايين من البشر، فقد تبنت الأمم المتحدة في ميثاقها الصادر عام 1945 في الفقرة 55 مبدأ أن المجتمع الدولي عليه مسؤولية أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء ومراعاة تلك الحقوق والحريات فعلاً. وفي عام 1948 اعتمدت المنظمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي صادقت عليه معظم دول العالم، وفي السنوات اللاحقة فإن دول العالم بشكل عام والدول الغربية بشكل خاص قد ألزمت نفسها باحترام حقوق الإنسان في عدد من المواثيق والاتفاقات منها الميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان عام 1950 والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عام 1966 واتفاقية هلسنكي عام 1975 والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان عام 1981، وكالمعتاد أخيراً،ً الميثاق العربي لحقوق الإنسان عام 1994. وعلى الصعيد الشعبي فقد سارع المواطنون ولا سيما في الدول الديمقراطية في إنشاء العديد من المؤسسات المعنية باحترام حقوق الإنسان وذلك لمراقبة مدى التزام الدول بالمواثيق السابقة، ومن أبرز هذه المؤسسات غير الحكومية منظمة العفو الدولية والمنظمة الأمريكية لحقوق الإنسان وبيت الحرية الأمريكي والمنظمة الأفريقية لحقوق الإنسان، وأخيراً المنظمة العربية لحقوق الإنسان(6).

إلا أن هناك فرق كبير بين النظرية وسن التشريعات وتوقيع الاتفاقيات وبين الممارسة الفعلية والتطبيق العملي على أرض الواقع، فبالرغم من هذا الكم الهائل من المؤسسات والمواثيق والاتفاقيات المتعلقة باحترام حقوق الإنسان فإنه يمكن القول أنه قبل بداية الثمانينات من القرن الماضي فإن انتهاكات حقوق الإنسان، في عدد غير قليل من دول العالم لم تكن محط اهتمام العالم الغربي الديمقراطي أو الرأي العام العالمي بشكل عام، فعلى سبيل المثال تم في منتصف السبعينات الإطاحة بالجنرال اللندي في تشيلي المنتخب شعبياً وسيطر العسكر على السلطة بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، كما شهد عدد من دول أمريكا اللاتينية انقلابات عسكرية رافقها الكثير من سفك الدماء مثل الأورجواي والبرازيل(7). ولم يمكن واقع الحال يختلف كثيراً في دول أفريقا وآسيا التي كانت معظم دولها خاضعة لحكم العسكر أو نظام حكم الحزب الواحد أو الشخص الواحد وذلك من نظام فردناند ماركوس في الفلبين إلى نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. والملاحظ أن عدد كبير من هذه الأنظمة القمعية كانت تتمتع بعلاقات استراتيجية وثيقة مع العالم الغربي الديمقراطي بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص، ذلك أنه لاعتبارات الحرب الباردة ولغايات التحالف فإن دول المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية قد غضت الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان في عدد غير قليل من هذه الدول.

إلا أن رياح التغيير بدأت مع مجيء الرئيس الأمريكي جيمي كارتر إلى السلطة عام 1977، والذي وضع مسألة حقوق الإنسان على رأس قائمة الأجندة في السياسة الخارجية الأمريكية وقد تجلى ذلك في إنهاء حكم سوموزا في نيكاراجوا وممارسة ضغوط على الأنظمة العسكرية في الأرجنتين وجوايتمالا. إلا أن ازدواجية المعايير أو ما يمكن أن نسميه النفاق الغربي فيما يتعلق بحقوق الإنسان كان واضحاً في تعامل إدارة الرئيس كارتر مع الأنظمة التسلطية في الدول الصديقة أو الحليفة إذ لم تكن قضية حقوق الإنسان في هذه الدول ذات اهتمام من قبل إدارة الرئيس كارتر، وعندما جاء خلفه الرئيس رونالد ريغان فقد أعلن في خطابه الشهير في البرلمان الإنجليزي عام 1982 التزام الولايات المتحدة بالديمقراطية على مستوى العالم، وجعل المعيار في تصنيف الدول إلى ديمقراطية وغير ديمقراطية بمدى احترام حقوق الإنسان فيها وقد تخلت الولايات المتحدة في عهده عن بعض حلفائها غير الديمقراطيين مثل فردناند ماركوس في الفلبين عام1986.(8)

وخلال عقد الثمانينات انضم عدد من دول أوروبا الغربية إلى الولايات المتحدة في العمل على نشر الديمقراطية وتعزيز احترام الإنسان على مستوى العالم مثل مجموعة الدول الاسكندنافية وألمانيا وفرنسا وهولندا حيث جعلت هذه الدول احترام حقوق الإنسان هدف أساسي من أهداف سياستها الخارجية، وبدأت هذه الدول في إصدار تقارير سنوية عن أوضاع حقوق الإنسان في دول العالم الثالث ولا سيما تلك الدول التي تتلقى مساعدات اقتصادية خارجية منها، وبدأت تربط أو تشترط إحداث تقدم في أوضاع حقوق الإنسان من أجل تقديم هذه المساعدات.(9)

        ومما لا شك فيه أن زيادة الاهتمام العالمي بحقوق الإنسان قد لعب دوراً بارزاً في عملية التحول الديمقراطية وما رافقها من تحسن في احترام حقوق الإنسان في عدد غير قليل من دول العالم، ذلك أن الخوف من العقوبات الاقتصادية بحرمان هذه الدول من المساعدات قد جعلها تتردد أو تمتنع عن استخدام العنف كوسيلة لقمع المعارضة أو الانتفاضات الشعبية خصوصاً المطالبة بالحرية واحترام حقوق الإنسان. وبالرغم من أن العامل الخارجي ليس العامل الوحيد في التحول نحو الديمقراطية أو احترام حقوق الإنسان إلا أنه لعب دوراً بارزاً في عملية التحول الديمقراطي في عدد غير قليل من دول العالم مثل الأرجنتين عام 1983 الأرجواي عام 1985 هاييتي والفلبين عام 1986 وتشيلي عام 1990. إلا أن أعظم الثورات الديمقراطية التي شهدها العالم الحديث والتي لعبت الضغوط الخارجية الدور الأبرز في نجاحها هي سلسلة الثورات الديمقراطية التحررية التي شهدتها دول أوروبا الشرقية عام 1989. لقد بدأت هذه الثورات الديمقراطية في بولندا بظهور حركة التضامن التي قادها ليخ فاليسا والذي أصبح فيما بعد أول رئيس منتخب في تاريخ بولندا الحديث. ولا شك أن الضغوط الخارجية كانت العامل الحاسم في عملية التحول، فعلى سبيل المثال فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية صارمة على حكومة بولندا حتى تم إطلاق سراح آخر معتقل من أعضاء حركة التضامن، وبنجاح الثورة الديمقراطية في بولندا فقد انتقلت الشرارة إلى معظم دول أوروبا الشرقية والعالم بشكل عام، فالطلبة في الصين الذين تجمعوا في ميدان تيانمن كانوا يرفعوا شعارات رفعها أعضاء حركة التضامن في بولندا، وبالرغم من سحق حركة الطلاب في الصين في مساء الثالث من حزيران في عام 1989، إلا أن ذلك لم يمنع حدوث تطورات دراماتيكية في المناطق المجاورة ففي منغوليا مثلاً تم وضع حد لنظام حكم الحزب الواحد وانتقلت البلاد نحو نظام التعددية الحزبية، وفي نيبال حيث ساد نظام تسلطي ملكي مطلق وكانت الأحزاب السياسية محظورة فإن المظاهرات الشعبية التي اجتاحت البلاد قد أدت في نهاية المطاف إلى الانفتاح السياسي بالرغم من محاولة النظام في البداية سحق هذه المظاهرات الشعبية بالقوة بقتل عدد من المتظاهرين بالرصاص. وفي هذه القرية الكونية لم تكن منطقة الشرق الأوسط بمنأى عن هذه التطورات أو التحولات الكبرى فالثورات التحررية في أوروبا الشرقية أسهمت في إشعال شرارة المطالب والحركات الشعبية المنادية بالديمقراطية والحرية في كل من الأردن والكويت والجزائر ومصر وغيرها من دول العالم إلا أن أثر إحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 على مسيرة حقوق الإنسان على مستوى العالم كان كارثياً، إن ردود الأفعال الأمريكية قد تجاوزت كل الحدود وأصابت مسيرة حقوق الإنسان في العالم العربي بانتكاسة كبيرة ولا سيما في كل من العراق وفلسطين. ولكن الشيء المستغرب في هذا الصدد أن كلا البلدين تحت الاحتلال ولكنهما الدولتين العربيتين إن جاز التعبير اللتان شهدتا انتخابات ديمقراطية حقيقية، فنحن لا نستطيع أن ننكر أن حماس وصلت في فلسطين إلى السلطة بواسطة صناديق الاقتراع وليس بواسطة العنف مثلما يتكرر في المشهد السياسي العربي، وكانت انتخابات ديمقراطية نزيهة ولم تزور مثلما حدث في عدد غير قليل من الدول العربية. أما العراق فبالرغم من الاحتلال، فإن هناك برلمان منتخب وصحافة حرة وأحزاب سياسية ومعارضة وهذه لم تكن متوفرة قبل الاحتلال. إلا أن نعيم الحرية في العراق يجب ان لا يضللنّا فما حصل في سجن أبو غريب أو غيره من السجون في العراق، وما جرى في الفلوجة والنجف وسامرا والموصل والبصرة وما تقوم به بلاك ووتر Black water وغيرها من المرتزقة من جرائم بحق العراقيين الأبرياء، جميعها تؤكد إن العراقيين هم الآن الهنود الحمر الذين يحاولون قدر استطاعتهم الحفاظ على ارض آبائهم وأجدادهم فهل سيصمدوا أمام السلطة الاستعمارية للولايات المتحدة؟  نأمل ذلك!.

 

حقوق الإنسان على مفترق طرق

تقف حقوق الإنسان في العالم اليوم على مفترق طرق، فهناك الكثير من الفرص والإمكانيات لتعزيز حقوق الإنسان وهي في مجملها من نتاج الحضارة الغربية. وبنفس الوقت الذي تبدو فيه الفرص أكثر من أي وقت مضى فإن هناك تحديات وأخطار لا تقل عدداً عن الفرص، وهي من النوع الذي لم يسبق للعالم مواجهته ويمكن أن تودي إلى التراجع والانكفاء بمسيرة حقوق الإنسان على مستوى العالم ويمثل الغرب بؤرة هذه الأخطار والتحديات. وفيما يلي عرض سريع للفرص والأفاق والتحديات والأخطار.

1-   الفرص والأفاق:

  لقد أدى الانفجار العالمي في مجال المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات وتشكل القرية الكونية إلى فتح آفاق ومجالات عديدة لتبادل المعلومات وإطلاق الحوار على مختلف الصعد. فإلى جانب محطات التلفزة الفضائية فقد ساعدت شبكة الانترنت العالمية على اختراق الرقابة التي تفرضها الحكومات على الحريات وبشكل خاص حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام وتدفق المعلومات. لقد أتاحت الثورة في وسائل الاتصال لكافة شعوب العالم ولاسيما العالم الثالث حيث الأنظمة غير الديمقراطية المجال لتفح أبواب الحوار حول موضوعات كانت إلى عهد قريب تعتبر من المحرمات مثل قضايا الفساد، قضايا المرأة، الشفافية، الحكم الصالح، توريث الحكم في الجمهوريات العربية، تزوير الانتخابات، وغيرها من التجاوزات التي تعتبر هدراً للثروات والموارد الوطنية وتحديا سافرا لحقوق الإنسان وخرقاً للدساتير والمواثيق الدولية(11) ومن الناحية الفطرية فإن مجموعة كبيرة من المبادئ والاتفاقيات الدولية قد تم وضعها وإقرارها وشملت العديد من جوانب حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك تم إنشاء العديد من المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان مثل: المفوضية العليا لحقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان في جنيف وأخيراً المحكمة الجنائية الدولية.

2-       التحديات والأخطار:

 جاءت أحداث 11/9/2001 لتشكل نقطة تحول وعلامة فارقة على صعيد ضمانات حقوق الإنسان وعلى مسيرة حقوق الإنسان وقد تلتها ردود أفعال كثيرة وعلى مستوى العالم، الا أن ردود الأفعال الأمريكية تجاوزت كل الحدود وكان لها عواقب وتداعيات سياسية واقتصادية وأمنية بعيدة الأثر على حقوق الإنسان وضماناتها وقد انصبت النتائج الأشد خطورة على العرب والمسلمين. فتحت شعار محاربة الإرهاب سارعت كافة دول العالم إلى سن قوانين وتشريعات استثنائية لقد قدمت الحرب على الإرهاب مبرراً. واهياً للسلطة في كافة الدول العربية للغلو في كبح الحريات وكما يقول تقرير القيمة الإنسانية العربية في 2003: كان الانقضاض على الحرية من أوخم العواقب التي أسفرت عنها الحرب على الإرهاب. فالسياسة الأمنية والإجراءات الصارمة التي اتخذتها الولايات المتحدة للتضييق على الحريات داخل الولايات المتحدة نفسها والتي وصلت إلى حد التنصت على الاتصالات للمواطنين الأمريكان والدخول إلى البريد الالكتروني، هذه السياسة تبنتها عدة أقطار نامية من بينها الدول العربية، وقد أخذت هذه الحكومات تلتمس العذر لنفسها في انه اذا كانت الدول العريقة في الديمقراطية قد أخذت تتنكر لحقوق الإنسان، فلا خير من أن تحذو حذوها الدول التي ما زالت تخطو خطواتها الأولى على طريق الإصلاح والديمقراطية أو الانفتاح السياسي(12)

إن الاعتقاد بأنه يمكن شراء الأمن على حساب حقوق الإنسان هو اعتقاد خاطئ وخطير وقد أدى إلى انتهاكات جسيمه لحقوق وحريات الإنسان ولاسيما حرية التعبير وحرية التجمع السلمي وحرية الثقل وغيرها من الحريات.

ولا بد من القول إن وسائل الإعلام الغربية والأمريكية على درجة الخصوص ساهمت ببث معلومات مضللّة ونشرت أراء أفكار عنصرية ومثيرة للرعب أحيانا مما أثر على نظرة ومواقف المجتمعات الغربية نحو الدين الإسلامي بشكل عام والإنسان العربي بشكل خاص وقد تعرض المسلمين المقيمين في الغرب إلى الكثير من المضايقات التي وصلت أحيانا إلى حد القتل أو ما يسمى جرائم الكراهية Hate Crimes  وفي الختام استخفت الولايات المتحدة بالقانون الدولي والقانون الإنساني بصورة غير مسبوقة فوقفت بشراسة ضد تأسيس المحكمة الجنائية الدولية ومارست ضغوطا كبيرة على عدد كبير من الدول لتحذو حذوها.

ولقد جاء احتلالها للعراق وأفغانستان كدليل على تحدي الإرادة الدولية والاستخفاف بحقوق الإنسان والتنكر للقيم والمبادئ الأمريكية العريقة وعلى رأسها مبدأ ولسون حق الشعوب في تقرير مصيرها.

 

 الخاتمة

إن استعراض سريع لمسيرة حقوق الإنسان على المستوى العالمي يؤكد أن الغرب في معظم السنوات والعقود الماضية قد مارس سياسة ازدواجية ولديه مواقف انتقائية تجاه مبادئ وقيم حقوق الإنسان وبالتالي فإن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة لا تترد في التضحية بالقيم والمبادئ في سبيل المصالح والأهداف الوطنية وهكذا فإن حقوق الإنسان والقانون الدولي والشرعية الدولية لا يمكن ان تشكل رادع يمنع الولايات المتحدة وغيرها من القوى المتنفذة من الحروب الاستباقية وفي نهج انفرادي ضد الغالبية الساحقة من سكان المعمورة. وفي ظل هذه المواقف أجد إلزاما على ان أقول أن استمرار المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان هي ضرورة عربية وإسلامية وإنسانية من أجل وقف المزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان والاستخفاف بالرأي العام العالمي.

وفي الختام فإن الخطاب الدعائي الغربي فيما يتعلق بحقوق الإنسان لا يلغي حقيقة أن هذه الحقوق وأن كانت غربية النشأة فإنها اليوم أصبحت جزء من المشتركات الإنسانية والتي تركز على كرامة الإنسان بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى. ومن هنا فإن إصلاح حقوق الإنسان في الوطن العربي هو المدخل الأساسي نحو تحقيق إصلاح سياسي جاد من أجل مواكبة التطويرات العالمية ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

وأشكر لكم حسن استماعكم

 

 

الهوامش

 

1-    Mcheline R. Ishay. The History of Human Rights: From Ancient to the Globalization Era. University of California. 1995.114.

2-    Lynn Hant. Inventing Human Rights: A History. Norton WW. Company, Inc. 2007.

3-     Ibid, 174.

4-    Theodor Meron, ed. Human Rights in International Law. Oxford. 1984.

5-    Stanley Hoffman et al. In Search of France.  Cambridge. Mass. 1963.

6-    Richard P. Claude and Burns H. Wetson, eds., Human Rights in the World Community. Philadelphia, 1989.

7-    Lars. Scholultz. Human Rights and U.S. policy, towards Latin America, Prinction, N.J. 1981

8-    Howard J. Wiarda. The Democratic Revolution in Latin: America History, Politics, and U.S.  policy. New York. A Twentieth Century Fund Book, Holmes Meier, 1990,.

9-    Claude Ake, Democray and Development in Africa, Washingtion, D.C. The Brookings Institution, 1996.

10-                       Ivo Banac. Eastern Europe in Revolutin. Ithaca, N.Y. 1992

11- محاضرة لدولة السيد احمد عبيدات رئيس المركز الوطني لحقوق الإنسان في المركز الأردني للدراسات " المعلومات بتاريخ 30/1/2007

12-  تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003. نيويورك، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2003.


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@gmail.com