مشروع سد الكرامة: دعوة للحوار والمشاركة وأسئلة بريئة!

د. محمد تركي بني سلامة

Mohammedtorki@yahoo

March 2007


في البداية أود ان أؤكد بأني لست خبيرا مائياً ملماً بتبخر المياه وضخها ومصادرها أو ملوحة التربة وجيولوجية الأرض وغيرها من الأمور الفنية المتعلقة بإنشاء السدود، وخصوصاً أنني سوف أتناول في هذه المقالة مشروع سد الكرامة الذي كلف الخزينة الأردنية ملايين الدنانير وحرم مزارعي الأغوار من المياه لمدة ثلاث سنوات ويهدد الآن بآثار بيئية خاصة أنه في طريقة الى التحول إلى مكرهه صحية إذا ما تعفنت المياه فيه.


فأنا أكاديمي متخصص في علم السياسة واستطيع ان اعتبر نفسي مثقف، وأؤمن أن للمثقف رسالة في المجتمع إذ لا يجوز أن يبقى المثقف في جزر معزولة أو برج عاجي بعيد أو غريب عن الواقع ومنسلخ عن هموم وطنه وقضايا شعبه وتطلعاته في الحرية والعيش الكريم والتنمية والتطوير. وبلغة أخرى أقول أن المثقف المنتمي يلعب دور بارز في قيادة حركة الإصلاح والتغيير بدون خوف أو تردد أو تزلف لأحد على حساب الحق والحقيقية وبالتالي فإنه يتجاوز قضاياه الخاصة أو علمه الأكاديمي إلى القضايا العامة.
وبناء على ذلك أجد أنه لزاما علي أن ادلوا بدلوي في موضوع سد الكرامة ولسان حالي يقول: خذ الحكمة لا يضرك من أي وعاء خرجت.
لقد تابعت عن كتب قضية سد الكرامة في وسائل الإعلام المختلفة في الأيام الماضية وقد تكونت لدي رؤية حول هذا المشروع اعرضها في هذه المقالة وأرجو أن يؤخذ طرحي في هذا المقام بنوايا حسنة وبعيداً عن الشخصنة فلا ثأر لي مع خصم أو عدو شخصي أحاول الإضرار به وإنما أقدم وجهة نظر سعيا وراء مقاصد نبيلة وقيم عليا أبرزها الاهتمام بالشأن العام والحرص على المال العام، وبالتالي فإنني سأتناول الموضوع برؤية منطلقة من التزامي بالدفاع عن الحق والانتماء لهذا الوطن الغالي والإخلاص لقيادته الفذة وهذه رؤية ترافقني في مختلف مراحل حياتي الفكرية والعملية.


وتأسيساً على ما سبق، فإنني لا أتردد في إبداء رأيي القاطع والصريح إلى أن هناك تحالف بين قوى متنفذة ومصالح خاصة سيطرت بوحشية على مجريات الأحداث منذ اللحظة الأولى للتفكير في إنشاء السد مروراً بإنشائه وتعثره بعد مرور عشر سنوات على إقامة المشروع وحتى هذه اللحظة التي يروج فيها إلى إنشاء استثمارات سياحية في منطقة السد مثل مزارع للأسماك وملاعب غولف وأندية ليلية، ويبدو أن هذه القوى المتنفذة المرتبطة بشبكة من العلاقات الاجتماعية والمصالح الشخصية قد نجحت في الماضي في تحقيق أهدافها ومصالحها وتحقيق مكاسب مادية ضخمة بالرغم من الجهود والمحاولات التي بذلتها قلة للحيلولة دون ذلك، وأن هذه القوى ماضية في مشروعها بالترويج للسياحة في منطقة السد لتحقيق المزيد من المكاسب والإرباح. وهنا يقتضي القول أن التصدي لهذه المافيا المسلحة بالمال والنفوذ ليس بالأمر السهل، فالذين ينهبون الملايين من المال العام لا يضيرهم أن يخصصوا بضع الآلاف للدعاية والحماية والدفاع القانوني. وهنا تبرز الخطورة الشديدة الكامنة في عدم مشاركة الجميع الدولة وأجهزتها والمجتمع ومؤسساته وأفراده في نشر ثقافة المال العام والقاعدة الحقوقية. وأود في هذا المجال أن أؤكد على دور المثقفين وأجهزة الإعلام في تبصير الآخرين بحقيقة ما يجري وكشف المستور دون التشهير بأحد. وبلغة أخرى أقول أن دور مجلس النواب في الرقابة وديوان المحاسبة في التدقيق يلعبان دوراً في الشفافية والمساءلة ووفرة المعلومات إلا إنها تظل سيفا بلا نصل في المعركة ضد القوى المتنفذة إذا لم تأخذ طريقها إلى النشر وهنا تبرز أهمية الإعلام الحر في هذه المعركة، وعلى المثقفين أن يشاركوا بفعالية في الحوارات والمناقشات وبالتالي خلق رأي عام ضاغط يربك القوى المتنفذة ويعرقل مشاريعها. وبخلاف ذاك وإذا ساد منطق تكميم الأفواه وتضييق حرية التعبير إلى حد الاختناق، وبالتالي عزوف المثقفين عن المشاركة وتحمل المسؤولية فإن المجتمع سوف يدفع ثمن باهظ إذ نبطئ مسيرة التحول الديمقراطي والانفتاح السياسي، لا بل نعمل على إفساد التجربة الديمقراطية، والديمقراطية الفاسدة أشد خطراً من النظام الشمولي، فالأنظمة التسلطية أو الشمولية من السهولة تعبئة الرأي العام ضدها وكشف عدم شرعيتها، أما إفساد الديمقراطية فأن من شأنه زعزعة ثقة الناس بقيمها ومؤسساتها وأهميتها. وبكلمات أخرى أقول، ان الاهتمام بالمصالح الوطنية والحفاظ على المال العام مسؤولية متكاملة تقع على عاتق الجميع وليس فقط على أجهزة الدولة أو النخب المحلية المناضلة من اجل الإصلاح والديمقراطية، ولا سيما أن أعداء الإصلاح والذين يقاومون التغيير ولهم مصلحة في بقاء الأوضاع على ما هي عليه، مسلحون بالمال والنفوذ وأحيانا الإعلام وان عدم التصدي لهم يعني فشل بناء دولة القانون والمؤسسات وبناء كيان وطني هش خاضع لمآرب شخصية أو فئوية مدعومة بسلطات مستلبة أو قوى مغتصبة.
لا أريد أن استبق الأحداث وأقول أن هناك شبهة فساد في أنشاء سد الكرامة وأن عناصر هذه الشبهة تكاد تكون مكتملة، ذلك أن الكرة الآن في مرمى مجلس النواب، وهو الذي سيكون الفيصل في هذه المسألة، ونأمل أن يتمكن من كشف الحقيقة دون الحاجة إلى استدعاء خبير أجنبي لكشف التفاصيل، ولكني استطيع أن أقول إنه جرى استخدام السلطة الممنوحة لتحقيق أغراض ومنافع خاصة أو بلغة أخرى تحويل الشأن العام إلى شان خاص لتحقيق مصالح خاصة او ضيقة لمجموعة من الأفراد. أما الشواهد والأدلة على ذلك فهي كثيرة ومتعددة وتفتح المجال للكثير من التساؤلات لمعرفة حقيقة ما جرى.
وابدأ بما قدمه من أدلة وبراهين وشواهد سعادة الدكتور الياس سلامة خبير علوم المياه الجوفية وكيمائية المياه في الجامعة الأردنية والذي كان ولا يزال من اشد المعارضين لبناء السد وغيره من المشاريع أو السدود الذي ثبت عدم جدواها، ويحذر من الانجرار وراء مشروع الاستثمار السياحي في منطقة السد مستنداً في رأيه على ما لديه من حقائق علمية ومعلومات شخصية عن الشبكة التي تحاول تسويق مشروع السد، واترك للقارئ الكريم أن يستخدم عقله الراجح ورؤيته الثاقبة في معرفة الحقيقة وهذه دعوه صريحة للحوار والنقاش ونطرح فيها أسئلة بريئة تنتظر إجابات شافية.
الدكتور الياس سلامة عاصر قصة السد منذ البداية وحتى هذه اللحظة ويقول رأيه بصراحة ووضوح أن المشروع ولد ميتا، وان إكرام الميت دفنه، وكل المحاولات الجارية للتغطية على المشروع أو تسويقه منتجعاً سياحياً لن تجدي نفعاً والاعتراف بالخطأ فضيلة بحيث لا يتكرر الخطأ مره ثانية. وهنا أود العودة إلى بعض التفاصيل الدقيقة الخاصة بمشروع السد والتي نشرت في تحقيق صحفي أجرته صحيفة الرأي ونشر في العدد 13273 بتاريخ 3-2-2007 في ملحق خاص في الصفحة 3 حيث يقول:" بدأت دراسات سد الكرامة من قبل شركة بريطانية عام 1983 واستمرت ما يقارب عشر سنوات ثم قدمت تقريرها وحصلت على نسخة منه بصفتي رئيساً لمركز البحوث والدراسات المائية في الجامعة الأردنية في ذلك الوقت. وبعد دراسة التقرير تبين أنه يحوي الكثير من المغالطات العلمية تعزى إلى جهات أردنية أجرت التحاليل. وأن مركز البحوث في الجامعة الأردنية لديه تحاليل لمواقع مختلفة من الأردن ومن ضمنها موقع السد وتؤكد هذه التحاليل إلى أن موقع السد والذي يسمى " وادي الملاحة" نسبة الملوحة فيه مرتفعة وبالتالي فإن مياهه غير صالحة ولا جدوى من بناء سد في تلك المنطقة". وهنا فإن عدد من الأسئلة تثور في الذهن ولعل أبرزها:
1- من هي هذه الجهات الأردنية التي أجرت التحاليل وقدمت معلومات خاطئة، وما هي مصلحتها في تقديم معلومات خاطئة.
2- لماذا تم تكليف جهات أردنية أصلا بإجراء التحاليل طالما أن الشركة البريطانية مكلفة بإجراء الدراسة وتقديم تقرير شامل متكامل عن مشروع بهذا الحجم؟.
3- لماذا لم يتم الاستفادة من المعلومات المتوفرة في مركز البحوث في الجامعة الأردنية ولماذا لم يتم تكليفه كمؤسسة وطنية أردنية بإجراء هذه التحاليل لاسيما أنه يحتوي على نخبة من الخبراء الأردنيين الذي يشهد لهم بالكفاءة والنزاهة على رأسهم الأستاذ الدكتور الياس سلامة؟


4- ما هي قيمة أو جدى وجود المراكز والمؤسسات الوطنية الأردنية بدأ من المركز الوطني الأردني لحقوق الإنسان إلى مركز البحوث في الجامعة الأردنية طالما أن تقارير ودراسات وأبحاث وتوصيات هذه المراكز تبقى حبر على ورق ولا يأخذ بها صانع القرار في الأردن؟.
ويتابع الدكتور الياس سلامه حديثه قائلاً: " ادعت الشركة الدارّسة أنه فيما بعد، وعلى مراحل يمكن غسل السد علماً أن ذلك لم يكن وارد في الخطة في البداية، ثم التقى بوزير المياه والري آنذاك وشرح له أنه لا جدوى اقتصادية ولا مصلحة وطنية إستراتيجية في إقامة السد في وادي الملاحة بسبب مشاكل متعددة أبرزها مشكلة الملوحة، وأنه اتفق مع الوزير لتشكيل لجنة لدراسة واقع السد قبل إحالة عطاء تنفيذه، وأن يكون الدكتور الياس سلامه عضواً فيها، غير أنه فوجئ بعد شهرين بتشكيل اللجنة واستبعاده من عضويتها. وهنا نطرح مجموعة جديدة من الأسئلة أهمها:


1- لماذا إضافة اقتراح غسل السد حيث أن هذا البند لم يكن مقرر في بداية الدراسة فهل هذا دليل على إصرار الشركة ومن يقف وراءها على المضي في المشروع إلى النهاية بغض النظر عن آية اراء تعارض بناء السد؟
2- من هم أعضاء هذه اللجنة وكيف تم اختيارهم وماذا كانت توصيات تلك اللجنة؟
3- لماذا لم يفي الوزير بوعده وتم استبعاد الدكتور الياس سلامه من عضوية اللجنة؟
وأمام هذه التجاوزات لجأ الدكتور الياس سلامه إلى الصحافة وعرض وجهة نظره في مشروع السد في مقال صحفي مطول نشرته صحيفة الدستور وتحدث في ذلك المقال عن خبير ألماني اسمه "ميراكل" يعتبر واحداً من أفضل الخبراء في بناء السدود على مستوى العالم. ويضيف أنه بعدها قامت وزارة المياه والري باستدعاء ميراكل الذي أجرى دراسة على موقع السد جاءت نتائجها مطابقة كليا لما سبق وذكره الدكتور الياس سلامه، وقد حصل الدكتور الياس سلامه على نسخة من تقرير الخبير الألماني، وقد طلبت تلك النسخة وزارة التخطيط فرفض لأنه من المفروض أن تكون وزارة التخطيط قد حصلت على نسخة من التقرير باعتبارها معنية بهذا الشأن، وبعد الاتصال مع الجهات الألمانية تبين أنها زودت وزارة المياه بـ 11 نسخة من التقرير ولكنها اختفت جميعاً. وهنا يحق لنا أن نتساءل لماذا وكيف ولمصلحة من وهل يحدث في الأردن أم في جزر العراق داق؟ وخصوصاً أننا نتحدث عن منتصف التسعينات في القرن الماضي أي في مرحلة التحول الديمقراطي والحكم الرشيد والشفافية والمساءلة. وأخيراً يكشف الدكتور الياس سلامه عن محاولات الشركة في إغرائه أو شراء ذمته اعتقاداً من القائمين على الشركة إنه يبيع ضميره ويسيل لعابه أمام المغريات مثلما يفعل الكثيرون، حيث عرض عليه العمل كمستشار في الشركة بمبلغ 250 دينار شهرياً فرفض ثم تم رفع المبلغ إلى 750 دينار شهري مقابل أن يزور المشروع مره واحده في الشهر، ولكنه رفض، ومن المؤكد أنه كان سيرفض وحتى لو كان المبلغ مئات إضعاف ما قدم فمن يعرف الدكتور الياس عن قرب يدرك أسباب رفضه، فمن المؤكد أنه كان سيزور المشروع أكثر من مره في الشهر ومجاناً لو كان قد بنى على أسس سليمة وفيه مصلحة للأردن، فألف تحية إلى هذا الرجل الذي يعمل بصمت من أجل الأردن وكم نحن بأمس الحاجة إلى أمثاله. ويشير التقرير إلى أن وكيل الشركة المنفذة للمشروع هو وزير مياه أردني سابق. وثمة سؤال نطرحه في هذا المقام وهو من هو هذا الوزير الأردني الذي يعمل وكيلاً أو سمساراً لشركة أجنبية في الأردن؟ اليس من حق الشعب الأردني ان يتعرف على شخصيته. ويشير التقرير أيضاً إلى أن مسؤولين أردنيين كبار لهم أراضي في منطقة السد وقد تم استملاك جزء منها بأسعار تزيد عن (50) ضعف ثمنها الأصلي وإستبدال جزء منها بأراضي أخرى أفضل بكثير من المستملكه. وسؤال أخر غير برئ هذه المره هو من هم هؤلاء المسؤولين وكيف تم عقد مثل هذه الصفقة؟


ومن المستغرب والمستعجب أنه في نفس العدد والتاريخ الذي نشر فيه هذا التحقيق المثير، فقد نشر الدكتور منذر حدادين مقالاً مطولاً بعنوان "سد الكرامة بين الإشادة والملاحة"، تحت باب دراسات، ولا ندري أن كان ذلك ثمة صدفة أم ان الأمور مخطط لها سلفا وبعناية فائقة. الدكتور حدادين أشار في المقال إلى أن مجلس النواب وفي دورته الرابعة والأخيرة فتح ملف سد الكرامة، وكأنه يقول أن مجلس النواب اخذ يتحرك في الوقت الضائع! ثم عرض معلومات تاريخية قديمة وحديثة وأرقام عن أزمة المياه بالأردن ولا نعرف إن كانت المعلومات الواردة في المقال مستقاة من مصادر مشابهة في أسلوب عملها للجهات الأردنية التي أجرت التحاليل لموقع سد الكرامة؟ وأكد أن الشقيقة سوريا كانت تعتدي على الحقوق، المائية للأردن وانه كان لا بد من من بناء السد لحماية هذه الحقوق وبالتالي يقول أن وزارة الخارجية الأردنية والدبلوماسية الأردنية كانت قد تعطلت أو شّلت أو وصلت الى طريق مسدود في المفاوضات مع سوريا، وبالتالي كان لا بد من بناء السد حتى لو كان في وادي الملاحات مناكفة مع سوريا المعتدية على الحقوق المائية وفي إطار الدفاع عن حقوق الأردن المائية كنت أعتقد أن الدكتور حدادين وبحكم عمله سابقاً سوف يتطرق إلى حقوق الأردن المائية بعد توقيع معاهد السلام مع إسرائيل وبعد أزمة المياه الملوثة التي عانى منها الأردن في صيف عام 1998 لمعرفة رأيه فيما جرى ومن كان المستفيد من بيع فلاتر المياه في الأردن لمعالجة المياه الملوثة؟ ولكن شئ من هذا لم يحدث! ويضيف الدكتور حدادين في المقالة المذكورة أن مشروع السد كان آخر مشروع افتتحه المغفور له الملك حسين طيب الله ثراه. وهذه كلمة حق يراد بها باطل فالاختباء وراء المغفور له جلالة الملك في تبرير الخطأ والفشل أمر غير مقبول، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن جلالة الملك قد علم في ذلك اليوم من أحد أبناء المنطقة أن منطقة السد مالحة ولا تصلح مياهه للري وقد غضب جلالة الملك الحسين غضباً شديداً حتى أنه رفض تناول طعام الغداء في موقع السد وفق ما كان مقرراً وذهب إلى منطقة أخرى، وجلالة الملك حسين الآن في دار الحق وعلى الأحياء الذين يعرفون تفاصيل ذلك إطلاع الرأي العام على الحقيقة كاملة. وأثنى الدكتور حدادين على السد في ذلك المقال وعلى جهود وزير المياه الحالي، ولا ندري ماذا فعل الوزير لإنقاذ السد بحيث تتم الإشادة بجهوده إلا إذا كانت الإمعان في الخطأ والتغطية على الفشل، وأخيراً اختتم الدكتور حدادين مقالته بأبيات من الشعر ندرك منها اتهامه بالجهل لكل من ينتقد السد حتى لو كان بحجم ميراكل الخبير الألماني الشهير الذي دفعت له وزارته 36 ألف دينار لإجراء الدراسة على موقع السد او حتى الأستاذ الدكتور الياس سلامة رجل العلم والخلق والنزاهة ونطاقه اليد والذي قال رأيه في السد في ذلك التقرير الصحفي، ولا شك ان هذه رؤية بعيدة عن العقلانية والمنطق فالتمييز بين الصواب والخطأ والمعرفة والجهل والخير والشر عملية سهلة لأصحاب المدارك العقلية والخلقية .


وقبل أيام استضاف التلفزيون الأردني في برنامج 60 دقيقة كل من الدكتور منذر حدادين المدافع عن السد والمهندس النائب سليمان عبيدات والدكتور الياس سلامة في مواجهة مفتوحة للحديث عن السد أمام الرأي العام الأردني، إذا أننا في عصر الانفتاح والديمقراطية ومن حق الشعب الأردني في ظل النهج الديمقراطي الذي يوفر قدر كبير من الرقابة والمحاسبة والشفافية وتعبئة الرأي العام أن يستمع الى مواجهة علنية تبث من خلال التلفزيون الأردني لمعرفة الحقيقة. ونحن إذ نشيد بدور وأداء المهندس النائب سليمان عبيدات في مجلس النواب وهو في هذا من القلة القليلة التي تمارس دورها الرقابي والتشريعي، فإننا كنا نتمنى على التلفزيون الأردني لو استضاف مع الحضور سعادة النائب مجحم الصقور رئيس لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب، والذي يقود الحملة النيابية بإصرار غير مسبوق لمحاسبة المسؤولين عن فشل السد، ونأمل من التلفزيون الأردني في المستقبل أن يأخذ مثل هذه الملاحظة بعين الاعتبار فيعطى الفرصة لأهل العلم والخبرة والاختصاص في المشاركة والحديث عن ما يخص الوطن والمواطن دون التركيز على عدد من الوجوه أو الأسماء الذين يتحدثوا في كل مناسبة وكل موضوع، وهنا أود في البداية ان أسجل للإعلامية الكبيرة عبير الزين موقفها الكبير وأدائها الرائع وجهودها في ان يرتقي الحوار إلى مستوى يليق بالشعب الأردني بعيداً عن القدح والردح والمهاترة والتجريح الشخصي وغيرها من الأمور البعيدة عن آداب وأخلاقيات الحوار. مرة أخرى نحيي عبير الزين ونحيي فيها روح الإعلام المسؤول الحرّ وتحملها المسؤولية بشرف وأمانة وجرأة في الدفاع عن الحقوق المشروعة، وندعو لها بالتوفيق والنجاح في خدمة الأردن وشعبه العزيز وقيادته المظفرة.


وأعود الى مجريات اللقاء وأقول ان وزير المياه السابق كان متوتراً وقلقاً ثم تحول إلى عصبي المزاج، وعندما أعطى الفرصة للحديث عن السد أكد مواقفه السابقة بأن السد ضرورة وطنية. وهنا أتسأل كيف نبرر الخطأ بالابعاد الوطنية وهل الدفاع عن الوطن ومصالحه العليا يتم بالبناء على المغالطات وبالتالي إعاقة مسيرة التنمية والتقدم والتي هي عماد القوة والازدهار؟ ثم تحدث النائب المهندس سليمان عبيدات وعرض موقف مجلس النواب تجاه هذه القضية وكنا نتأمل ان يسمى الأشياء بأسمائها وأن يقول رأيه منذ البداية فيما يتعلق بالسد ولكنه كان في البداية دبلوماسياً أكثر من اللازم. ثم أعطيت الفرصة للحديث للدكتور الياس سلامة اشد المعارضين للسد، وصاحب الرأي السديد والمدعم بحقائق العلم والمنطلق والذي بدأ كعادته هادئاً واثقاً من نفسه ملتزما بأدب وأخلاق الحوار فأبواب النقد مشروعة وأجواءه مشبعة بالحرية المسؤولة، وبلغتنا العامية كان الدكتور الياس حافظاً لدرسه وقال رأيه بصراحة ووضوح ان ما بنى على باطل فهو باطل والسد أنشئ بناء على دراسات فيها مغالطات كبيرة وبالتالي فإن كل ما سيبنى عليها لن يكون سليماً.


ثم تحدث الدكتور حدادين بنبرة فيها كثير من العصبية ولجأ إلى الشعر ويستشف من بيت الشعر الذي استشهد به والذي مطلعة
لا يدرك الشوق الا من يكابده.................اتهام للحضور بعدم معرفة حقيقة الموقف وأنه هو وحده الذي يعرف الحقيقة ويحرص على الوطن ومصالحه العليا ... الخ وهنا أؤكد مرة أخرى ان الإعلامية عبير الزين قد أحسنت صنعاً بتدخلها مرة ثانية من اجل أن يكون الحوار بالحقائق والعلم والمنطق بعيداً عن الشعر والردح والتطاول ويليق بمستوى الحضور، وهي بهذا الموقف عبرت عن نبض الشارع الأردني المتعطش دوما إلى كشف الحقيقة والفساد والمفسدين وفي نهاية اللقاء حسم الموقف كل من النائب سليمان عبيدات والدكتور الياس سلامة بالتأكيد على ان مشروع السد فاشل 100% فهل سيتم محاسبة المسؤولين على ذلك الفشل؟


وفي نهاية هذه المقالة أود الإشارة إلى أن قضية سد الكرامة هي واحده من القضايا التي يناقشها مجلس النواب والحكومة شدت أزرها قبل ذلك وحولت عدد من الملفات إلى المدعي العام، ولا زلنا بانتظار نتائج التحقيق في هذه القضايا وإذا كان القضاء النزيهه العادل يلعب دور حاسم في ردع المفسدين ومعاقبتهم بما يستحقون فإن السلطة الرقابية للبرلمان وسلطة القضاء في تحقيق العدالة تلعب دور في اطباق الخناق على الفساد وحصره في أضيق نطاق، إلا أن كل ذلك لا يكفي ولا يلغي دور الإعلام الحر ومؤسسات المجتمع المدني في الدعوة إلى الحكم الصالح، اذ لا بد أن يكون لكافة هذه الفئات خطاب واحد مشترك للدفاع عن الحقوق والحريات وكفالة احترامها وترسيخ دعائم الحكم الصالح القائم على مبادئ العدالة والحرية والشفافية وسيادة القانون والاستقرار السياسي وفاعلية الأداء الحكومي واعتبار السياسة إدارة للشأن العام لا نفوذا أو استغلالاً للنفوذ، وبالتالي بناء الدولة العصرية دولة القانون والمؤسسات . إن في تعاليم الإسلام وتاريخ العروبة أروع الأمثلة التي يمكن إن تتخذ مشاعل نور وهدى على الطريق الطويل في الحرية والعدالة والحكم الصالح فها هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يصنف حيازة مال بدون وجهة حق كحيازة قطعة نار من جهنم، ويرفض الصلاة على رجل مات يقال له كركرة لأنه سرق عباءة من المال العام. وفي النهاية فإننا نأمل من مجلس النواب الكريم أن يرتفع بمستوى أداءه إلى درجة عاليه تؤكد حرص السادة النواب على المال العام وحقوق المواطنين فلا يتم تهريب النصاب لمنع عقد جلسة تناقش مثل هذه القضايا.فهل نوابنا فاعلون، نأمل ذلك. ان خلاصة ما نراه ونسمعه ونعرفه أن الغالبية الساحقة من أعضاء مجلس النواب الحالي، وأؤكد أن كافة أعضاء مجلس النواب الحالي باستثناء قلة قليلة منهم لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بالشأن العام وهموم المواطنين وقد ارتضوا لنفسهم أن يكونوا نواب حارات يسعوا لتقديم خدمات لفئات معينة من الأتباع والمحاسيب، وبالتالي فإن الشعب الأردني لن يجدد الثقة لهم مرة ثانية، وأكاد أجزم أن محاولات البعض من النواب للتمديد للمجلس وتأجيل الانتخابات تأتي من باب الاستمرار في تحقيق المكاسب والهروب من مواجهة الناخبين فهل يخيب السادة النواب ضني هذه المرة ويكون لهم موقف حاسم تجاه هذه القضية وغيرها من قضايا الفساد، أشك في ذلك!.


وأمام عجز وفشل السلطة التشريعية في أداء دورها المنوط بها في الرقابة والمحاسبة أعود في ختام هذا المقال لأؤكد على دور المثقفين ومؤسسات المجتمع المدني في تشكيل تيار وطني يغني مسيرة الديمقراطية إذ لابد أن تتفاعل القوى الأهلية السياسية والاجتماعية والثقافية الرسمية والشعبية على نحول يعّلى من ثقافة المشاركة وتحمل المسؤولية وثقافة احترام وصيانة المال العام، ونأمل أن تكون هذه المقالة فاتحة طريق نحو حوار جاد وصريح بين المعنيين بالشأن العام، وعند ذلك فإن الشعب الأردني يكون قد خطى خطوات متقدمة على طريق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وبذلك نرتقي إلى طموحات وتطلعات قائدنا العظيم جلالة الملك عبد الله بن الحسين الذي يواصل العمل ليلاً نهاراً في أن يكون الأردن واحة في للحرية والديمقراطية والعدالة وسيادة حكم القانون ونحن إذ نكمّل هذه الجهود بالدعوة إلى المشاركة فإننا بذلك نجسد الانتماء الصادق والولاء المخلص للوطن والقيادة بعيداً عن التزلف والتنظير، ونأمل أن تبقى هذه الأفكار في الذهن ودافعة إلى الإبداع وبدونها فإننا سنخسر المعركة في التحرر والتحضر ولا تحضر بدون تحرر.

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة arabissues@gmail.com