| مسيرة حقوق الإنسان في العالم وحالة حقوق الإنسان في الأردن | |
|
Feb 26, 2007 |
بدعوة من المركز الأردني للدراسات والمعلومات ألقى
دولة السيد أحمد عبيدات محاضرة فكرية سياسية عن واقع حقوق الإنسان في العالم
والأردن، وقد أتيحت لي ولنخبة من أبناء الوطن من مفكرين وسياسيين البعض منهم أشغل
مواقع سياسية متقدمة في الدولة الأردنية، حضور تلك الندوة الهامة وعندما يكون
المحاضر دولة السيد أحمد عبيدات صاحب الفكر المستنير والمواقف الجريئة رجل الدولة
والسياسي الذي يعتبر من القلائل الذين لا زالوا يحظون بثقة القيادة الهاشمية ومحبة
واحترام الشعب الأردني، ويكون الحديث عن حقوق الإنسان في العالم والأردن، فقد رأيت
أنه لا بد من التوقف ملياً عند هذا الموضوع لإلقاء المزيد من الضوء على موضوع حقوق
الإنسان وكذلك الوقوف على أبرز ما جاء في هذه المحاضرة القيمة بالتحليل والتعليق،
وهنا أود الإشارة إلى أن أي أفكار أو اجتهادات أقدمها في هذه المقالة إذا ما جانبها
الصواب فأنا أتحمل وحدي المسؤولية ولا علاقة للمحاضر بها.
إنصافاً للحقيقة فقد بدأ دولة السيد أحمد عبيدات حديثه بإيجاز بليغ عندما قال أن
حقوق الإنسان في العالم اليوم تقف على مفترق طرق، فهناك الكثير من الفرص لتعزيز
احترام حقوق الإنسان، وبنفس الوقت فإن هناك تحديات وأخطار تؤثر سلباً على مسيرة
حقوق الإنسان على مستوى العالم. والحقيقة أن في هذا الكلام الموجز الدقيق أشياء
كثيرة لا بد من تناولها بالتفصيل، ولذا فإنه لا بد من أن نستعرض مسيرة حقوق الإنسان
في العالم من أجل التعرف على مواطن الفرص ومحاولة استغلالها لمواكبة العمل في تعزيز
حقوق الإنسان وكذلك مواجهة الصعوبات والتحديات بعقلانية وإرادة سياسية جادة في
تحقيق الإصلاح ونشر وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان. وبلغة أخرى أستطيع القول أن دولة
السيد أحمد عبيدات قد أصاب كبد الحقيقة عندما قال أن هناك فرص وتحديات وبالتالي فإن
أمامنا طريق طويل من أجل الوصول إلى مستوى متقدم فيما يتعلق بحقوق الإنسان سواء على
مستوى العالم أو على الصعيد الوطني.
الحقيقة أنه في هذه المرحلة من تاريخ البشرية أصبحت حقوق الإنسان وما يرتبط بها من
مفاهيم ومؤسسات وممارسات هي شعار المرحلة إذ تطورت مفاهيم حقوق الإنسان لدرجة أن
الطريقة التي تعامل فيها الدولة مواطنيها لم تعد شأن داخلي يخص الدولة وحدها
انطلاقاً من مفهوم السيادة الوطنية التقليدي الذي كان سائداً حتى منتصف القرن
الماضي، بل أصبحت حقوق الإنسان شأن عالمي يخص المجتمع الدولي بأكمله، لا بل إن
سلوكيات الدولة فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان وحرياته وأبرزها حرية التعبير
وحرية الاجتماع والتنظيم والمساواة أمام القانون والحق في محاكمة عادلة ومكافحة
كافة أشكال التعذيب والتمييز العنصري وغيرها من الحقوق والحريات، أصبح عامل أساسي
في العلاقات الدولية لا يقل أهمية عن القضايا ذات الاهتمام الدولي مثل الأمن
والسلام الدوليين والتجارة العالمية. هذا التطور الكبير المتعلق بحقوق الإنسان يمكن
بحق اعتباره ثورة حقوق الإنسان في العالم المعاصر. هذا التطور أو هذه الثورة
العالمية لم تأتي صدفة، بل كانت نتاج كفاح إنساني طويل حافل بالمعاناة والتضحية.
وقد ابتدأ منذ عام 1688 بإعلان وثيقة الحقوق الإنجليزية The English Bill of Rights
والتي جاءت كرد فعل شعبي على ظلم الملك جيمس الثاني الذي حاول انتهاك حقوق مواطنيه،
فجاءت الوثيقة لمنع انتهاك هذه الحقوق والتأكيد على ضرورة احترامها. وبعد ذلك
بسنوات جاء إعلان الاستقلال الأمريكي عام 1776 The American Declaration of
Independence كرد فعل على انتهاكات ملك بريطانيا حينذاك جورج الثالث للمستوطنين
الأمريكان حيث جاء إعلان الاستقلال وتشكيل حكومة وطنية من اتحاد المستعمرات
الإنجليزية في أمريكا انطلاقاً من اعتقاد الشعب الأمريكي أن الطاغية لا يصلح أن
يكون حاكماً للمواطنين الأحرار. ثم جاءت الثورة الفرنسية وإعلان الحقوق الفرنسي عام
1789 The French Declaration of Rights ليؤكد أن حقوق الإنسان ملازمة له ولصيقة به
لا يمكن التنازل عنها ولا يجوز انتهاكها وأن الأمة بمجموعها هي الضامنة والحامية
لهذه الحقوق باعتبارها مصدر السيادة أو السلطات جميعاً. والحقيقة أن الثورة
الفرنسية والمبادئ التي جاءت بها قد شكلت مصدر إلهام للعديد من الثورات التحررية
التي شهدها العالم في القرنين الماضيين. كما أن فلاسفة الثورة الفرنسية الذين صاغوا
مبادئ الحرية والمساواة وأناطوا مسؤولية حمايتها وضمانتها بالمجتمع ككل وليس بالفرد
وحده قد وضعوا حجر الأساس لتطور مفاهيم حقوق الإنسان وجعل مسؤولية حمايتها بيد
المجتمع الدولي مثلما نشاهد هذه الأيام، ذلك أنه بعد الحرب العالمية الثانية ونتيجة
الآثار المروعة التي خلفتها الحرب والتي تسببت في معاناة الملايين من البشر، فقد
تبنت الأمم المتحدة في ميثاقها الصادر عام 1945 في الفقرة 55 مبدأ أن المجتمع
الدولي عليه مسؤولية أن يشيع في العالم احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية
للجميع بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء
ومراعاة تلك الحقوق والحريات فعلاً. وفي عام 1948 اعتمدت المنظمة الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان والذي صادقت عليه معظم دول العالم، وفي السنوات اللاحقة فإن دول
العالم بشكل عام والدول الغربية بشكل خاص قد ألزمت نفسها باحترام حقوق الإنسان في
عدد من المواثيق والاتفاقات منها الميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان عام 1950 والعهد
الدولي للحقوق المدنية والسياسية عام 1966 واتفاقية هلسنكي عام 1975 والميثاق
الأفريقي لحقوق الإنسان عام 1981، وكالمعتاد أخيراً،ً الميثاق العربي لحقوق الإنسان
عام 1994. وعلى الصعيد الشعبي فقد سارع المواطنون ولا سيما في الدول الديمقراطية في
إنشاء العديد من المؤسسات المعنية باحترام حقوق الإنسان وذلك لمراقبة مدى التزام
الدول بالمواثيق السابقة، ومن أبرز هذه المؤسسات غير الحكومية منظمة العفو الدولية
والمنظمة الأمريكية لحقوق الإنسان وبيت الحرية الأمريكي والمنظمة الأفريقية لحقوق
الإنسان، وأخيراً المنظمة العربية لحقوق الإنسان.
إلا أن هناك فرق كبير بين النظرية وسن التشريعات وتوقيع الاتفاقيات وبين الممارسة
الفعلية والتطبيق العملي على أرض الواقع، فبالرغم من هذا الكم الهائل من المؤسسات
والمواثيق والاتفاقيات المتعلقة باحترام حقوق الإنسان فإنه يمكن القول أنه قبل
بداية الثمانينات من القرن الماضي فإن انتهاكات حقوق الإنسان، في عدد غير قليل من
دول العالم لم تكن محط اهتمام العالم الغربي الديمقراطي أو الرأي العام العالمي
بشكل عام، فعلى سبيل المثال تم في منتصف السبعينات الإطاحة بالجنرال اللندي في
تشيلي المنتخب شعبياً وسيطر العسكر على السلطة بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية،
كما شهد عدد من دول أمريكا اللاتينية انقلابات عسكرية رافقها الكثير من سفك الدماء
مثل الأورجواي والبرازيل. ولم يمكن واقع الحال يختلف كثيراً في دول أفريقا وآسيا
التي كانت معظم دولها خاضعة لحكم العسكر أو نظام حكم الحزب الواحد أو الشخص الواحد
وذلك من نظام فردناند ماركوس في الفلبين إلى نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.
والملاحظ أن عدد كبير من هذه الأنظمة القمعية كانت تتمتع بعلاقات استراتيجية وثيقة
مع العالم الغربي الديمقراطي بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص، ذلك أنه
لاعتبارات الحرب الباردة ولغايات التحالف فإن دول المعسكر الغربي بقيادة الولايات
المتحدة الأمريكية قد غضت الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان في عدد غير قليل من هذه
الدول.
إلا أن رياح التغيير بدأت مع مجيء الرئيس الأمريكي جيمي كارتر إلى السلطة عام 1977،
والذي وضع مسألة حقوق الإنسان على رأس قائمة الأجندة في السياسة الخارجية الأمريكية
وقد تجلى ذلك في إنهاء حكم سوموزا في نيكاراجوا وممارسة ضغوط على الأنظمة العسكرية
في الأرجنتين وجوايتمالا. إلا أن ازدواجية المعايير أو ما يمكن أن نسميه النفاق
الغربي فيما يتعلق بحقوق الإنسان كان واضحاً في تعامل إدارة الرئيس كارتر مع
الأنظمة التسلطية في الدول الصديقة أو الحليفة إذ لم تكن قضية حقوق الإنسان في هذه
الدول ذات اهتمام من قبل إدارة الرئيس كارتر، وعندما جاء خلفه الرئيس رونالد ريغان
فقد أعلن في خطابه الشهير في البرلمان الإنجليزي عام 1982 التزام الولايات المتحدة
بالديمقراطية على مستوى العالم، وجعل المعيار في تصنيف الدول إلى ديمقراطية وغير
ديمقراطية بمدى احترام حقوق الإنسان فيها وقد تخلت الولايات المتحدة في عهده عن بعض
حلفائها غير الديمقراطيين مثل فردناند ماركوس في الفلبين عام 1986.
وخلال عقد الثمانينات انضم عدد من دول أوروبا الغربية إلى الولايات المتحدة في
العمل على نشر الديمقراطية وتعزيز احترام الإنسان على مستوى العالم مثل مجموعة
الدول الاسكندنافية وألمانيا وفرنسا وهولندا حيث جعلت هذه الدول احترام حقوق
الإنسان هدف أساسي من أهداف سياستها الخارجية، وبدأت هذه الدول في إصدار تقارير
سنوية عن أوضاع حقوق الإنسان في دول العالم الثالث ولا سيما تلك الدول التي تتلقى
مساعدات اقتصادية خارجية منها، وبدأت تربط أو تشترط إحداث تقدم في أوضاع حقوق
الإنسان من أجل تقديم هذه المساعدات.
ومما لا شك فيه أن زيادة الاهتمام العالمي بحقوق الإنسان قد لعب دوراً بارزاً في
عملية التحول الديمقراطية وما رافقها من تحسن في احترام حقوق الإنسان في عدد غير
قليل من دول العالم، ذلك أن الخوف من العقوبات الاقتصادية بحرمان هذه الدول من
المساعدات قد جعلها تتردد أو تمتنع عن استخدام العنف كوسيلة لقمع المعارضة أو
الانتفاضات الشعبية خصوصاً المطالبة بالحرية واحترام حقوق الإنسان. وبالرغم من أن
العامل الخارجي ليس العامل الوحيد في التحول نحو الديمقراطية أو احترام حقوق
الإنسان إلا أنه لعب دوراً بارزاً في عملية التحول الديمقراطي في عدد غير قليل من
دول العالم مثل الأرجنتين عام 1983 الأرجواي عام 1985 هاييتي والفلبين عام 1986
وتشيلي عام 1990. إلا أن أعظم الثورات الديمقراطية التي شهدها العالم الحديث والتي
لعبت الضغوط الخارجية الدور الأبرز في نجاحها هي سلسلة الثورات الديمقراطية
التحررية التي شهدتها دول أوروبا الشرقية عام 1989. لقد بدأت هذه الثورات
الديمقراطية في بولندا بظهور حركة التضامن التي قادها ليخ فاليسا والذي أصبح فيما
بعد أول رئيس منتخب في تاريخ بولندا الحديث. ولا شك أن الضغوط الخارجية كانت العامل
الحاسم في عملية التحول، فعلى سبيل المثال فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية
صارمة على حكومة بولندا حتى تم إطلاق سراح آخر معتقل من أعضاء حركة التضامن، وبنجاح
الثورة الديمقراطية في بولندا فقد انتقلت الشرارة إلى معظم دول أوروبا الشرقية
والعالم بشكل عام، فالطلبة في الصين الذين تجمعوا في ميدان تيانمن كانوا يرفعوا
شعارات رفعها أعضاء حركة التضامن في بولندا، وبالرغم من سحق حركة الطلاب في الصين
في مساء الثالث من حزيران في عام 1989، إلا أن ذلك لم يمنع حدوث تطورات دراماتيكية
في المناطق المجاورة ففي منغوليا مثلاً تم وضع حد لنظام حكم الحزب الواحد وانتقلت
البلاد نحو نظام التعددية الحزبية، وفي نيبال حيث ساد نظام تسلطي ملكي مطلق وكانت
الأحزاب السياسية محظورة فإن المظاهرات الشعبية التي اجتاحت البلاد قد أدت في نهاية
المطاف إلى الانفتاح السياسي بالرغم من محاولة النظام في البداية سحق هذه المظاهرات
الشعبية بالقوة بقتل عدد من المتظاهرين بالرصاص. وفي هذه القرية الكونية لم تكن
منطقة الشرق الأوسط بمنأى عن هذه التطورات أو التحولات الكبرى فالثورات التحررية في
أوروبا الشرقية أسهمت في إشعال شرارة المطالب والحركات الشعبية المنادية
بالديمقراطية والحرية في كل من الأردن والكويت والجزائر ومصر وغيرها من دول العالم.
من خلال هذا الاستعراض لتاريخ تطور حقوق الإنسان في العالم نستطيع أن نستخلص جملة
من الحقائق الهامة لعل أبرزها:
1- أن مفاهيم حقوق الإنسان وما ارتبط بها من مواثيق وإعلانات وما رافقها من إنشاء
مؤسسات ومنظمات وما ترتب على ذلك من قيم وسلوكيات وتطورات وتغيرات في العالم، قد
نشأت أولاً أو في الأصل في الغرب بدأ من وثيقة الماجناكارتا أو العهد الأعظم حتى
إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في الوقت الحاضر. وهنا يمكن القول أن الحديث عن
حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي قد جانبه الصواب ذلك أن صرخة عمر بن الخطاب رضي
الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، بقيت مجرد صرخة في واد،
وأن كان النص يستشهد به كثيراً في تأصيل حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي إلا أن
الحقيقة المرة أن هذه المقولة لم تثمر في إنتاج تيار فكري أو بناء مؤسسات أو تعزيز
سلوكيات تؤكد ضرورة احترام حقوق الإنسان، فالقهر والاستبداد والعنف والصراعات
السياسية وغياب الحرية هي السمة الملازمة للتاريخ الإسلامي، وعلينا أن نسلّم بأن
الغرب هو موطن وحاضنة حقوق الإنسان ولا غرابة أن سبقنا الآن في هذا المضمار. وإذا
كانت حقوق الإنسان ذات نشأة أو صبغة غربية في الأساس إلا أنها أصبحت الآن ذات صبغة
عالمية مرتبطة بالإنسان بغض النظر عن لغته وديانته ومكانته الاقتصادية. أي أنها
دعوة إلى أنسنة الإنسان واحترام حقوقه وحرياته وكرامته. وإذا كان هذا هو واقع الحال
فانه لا يوجد في تعاليم الإسلام ما يمنع أن يستفيد المسلمين من تجارب وانجازات
الأمم والشعوب التي سبقتنا في هذا المضمار خصوصاً ان هذه الانجازات ترتكز على اعظم
وأجود ما انتجته العقول البشرية.
2- بالرغم من أن الغرب لا زال الداعية الأول والممول الأكبر لنشاطات وجهود المؤسسات
المعنية بحقوق الإنسان في العالم غير الديمقراطي من أجل نشر وتعزيز ثقافة احترام
حقوق الإنسان إلا أن هذا لا يلغي حقيقة ازدواجية المعايير فيما يتعلق بحقوق الإنسان
عندما يتعلق الأمر بمصالح الدول الغربية، حيث تطغى اعتبارات المصالح على الاعتبارات
الأخلاقية ومبادئ وقيم الحرية وحقوق الإنسان إذا ما كان هناك تعارض أو تناقض بين
هذه القيم والمبادئ ومصالح هذه الدول. ولا شك أن سجل الغرب في هذا المجال منذ
بدايات الاستعمار الأوروبي في العالم مروراً بمأساة فلسطين حتى الاحتلال الأمريكي
للعراق يؤكد هذا الاستنتاج. ولكن التحدي المطروح في هذا الصدد على كافة المعنيين
بحقوق الإنسان، هو كيف يمكن الاستفادة من الخطاب الدعائي الغربي لحقوق الإنسان
والمساعدات التي يقدمها والتخفيف من حدة التناقضات التي تشوب السجل الغربي في
التعامل مع بقية شعوب العالم في هذا المضمار؟!
3- فيما يتعلق بالعالم العربي فانه لا يوجد أدنى شك إن هناك أزمة فيما يتعلق بحقوق
الإنسان في هذا الجزء من العالم الذي هو بحق عالم الثقب الأسود. فبالرغم من أن رياح
الديمقراطية والتغيير قد أسهمت في إحداث تحولات حقيقية وتغيرات جذرية في معظم دول
العالم إلا أن ما حدث أو تغيّر في العالم العربي ظل متواضعاً جداً. فبالرغم من أن
معظم الدول العربية قد صادقت على الاتفاقيات الرئيسية لحقوق الإنسان، إلا أنها لم
تقم بملائمة تشريعاتها الوطنية مع مضمون ما جاء في هذه الاتفاقيات. وفي هذا الإطار
يشكل مسار الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتمد من مجلس الجامعة العربية عام
1994 تجسيداً واضحاً لانتكاسة حقوق الإنسان في العالم العربي، وقد لا نبالغ كثيراً
إذا قلنا أن الدول الأفريقية حديثة النشأة والاستقلال قد تقدمت على العالم العربي
في مجال حقوق الإنسان وكأن هذه المسالة ليست من أولويات الأنظمة العربية؟! والسؤال
المطروح إلى متى يستمر هذا الحال؟ وإذا لم تبادر الأنظمة العربية من تلقاء نفسها
بالإصلاح والانفتاح السياسي واحترام حقوق الإنسان فهل سيتم فرض الديمقراطية وإحداث
الإصلاح بالقوة أو من الخارج عبر الفوضى الخلاقة؟
لا شك إن أسوأ أنواع التغير هو الذي يحدث بالعنف أو المفروض من الخارج ولا حاجة
لذكر الأمثلة، والنظام الذي يبادر من تلقاء نفسه باحترام إرادة وتطلعات شعبه
بالحرية والكرامة هو الأقدر على مواكبة التطورات ومواجهة الأخطار والتحديات.
وفي الجزء الثاني من المحاضرة تناول المحاضر أثر إحداث الحادي عشر من أيلول عام
2001 على مسيرة حقوق الإنسان على مستوى العالم، وأشار بوضوح إلى أن ردود الأفعال
الأمريكية قد تجاوزت كل الحدود وأصابت مسيرة حقوق الإنسان في العالم العربي
بانتكاسة كبيرة ولا سيما في كل من العراق وفلسطين. ولكن الشيء المستغرب في هذا
الصدد أن كلا البلدين تحت الاحتلال ولكنهما الدولتين العربيتين إن جاز التعبير
اللتان شهدتا انتخابات ديمقراطية حقيقية، فنحن لا نستطيع أن ننكر أن حماس وصلت في
فلسطين إلى السلطة بواسطة صناديق الاقتراع وليس بواسطة العنف مثلما يتكرر في المشهد
السياسي العربي، وكانت انتخابات ديمقراطية نزيهة ولم تزور مثلما حدث في عدد غير
قليل من الدول العربية. أما العراق فبالرغم من الاحتلال، فإن هناك برلمان منتخب
وصحافة حرة وأحزاب سياسية ومعارضة وهذه لم تكن متوفرة قبل الاحتلال. وأرجو أن أبين
هنا أنني لا أدافع عن الاحتلال ولكن هذه حقائق لا بد من ذكرها وبنفس الوقت نحن لا
ننسى أخطاء وخطايا السياسة الأمريكية سواء في العراق وسجن أبو غريب أو على مستوى
العالم وسجن غوانتانمو، إضافة إلى موقف الولايات المتحدة المناوئ لتشكيل المحكمة
الجنائية الدولية وممارسة ضغوط على عدد غير قليل من دول العالم للحيلولة دون دخولها
في هذه الاتفاقية. أما فيما يتعلق بأثر أحداث الحادي عشر من أيلول على مستوى الوطن
العربي وكما ذكر المحاضر فقبل أحداث الحادي عشر من أيلول كانت الدول العربية قد
وقعت اتفاقية مكافحة الإرهاب التي أدت إلى مزيد من التراجع في العالم العربي لمسيرة
الديمقراطية وحقوق الإنسان، وجاءت الأحداث لتزيد الأمر سوءاً ولا سيما أن الدول
العربية وبحجة مقاومة الإرهاب ومن اجل منع صعود التيارات الدينية أو جماعات الإسلام
السياسي من الوصول إلى السلطة فقد تراجعت كثيراً عن الإصلاحات السياسية التي
اتخذتها في السابق فعلى سبيل المثال تم تأجيل الانتخابات في أكثر من قطر عربي وكذلك
تزويرها إذا أجريت فضلاً عن اعتقال والتضييق على الحركات والجماعات المنادية
بالإصلاح والحرية.
ثم تناول المحاضر حالة حقوق الإنسان في الأردن، ولا شك أن مسيرة الديمقراطية وحقوق
الإنسان في الأردن قد تأثرت بالأحداث التي شهدها العالم، فالأردن جزء منه ويتأثر
بما يجري فيه، وفي ضوء الصورة القائمة لأوضاع حقوق الإنسان في الوطن العربي، فإن ما
يتبادر إلى ذهن المرء أن الأوضاع لدينا ليست كما يرام، ولكن دولته كان متفائلاً جداً،
فالأردن لديه أفضل سجّل في احترام حقوق الإنسان في الوطن العربي، وهذا من ثمار
فلسفة الهاشميين في الحكم التي قوامها الوسطية والاعتدال والتسامح، ونحن إذ نفخر
ونعتز بهذا الوضع ونشيد بهذا التطور إلا أننا لا نقف عند هذا المستوى بل نسعى نحو
مزيد من التقدم والتطور في هذا المجال، ذلك أن سقف حقوق الإنسان متحرك أو متغير
فنحن نسعى إلى الأفضل دوماً ولا نصل إلية أبداً !.
وفي هذا الصدد فقد قدم المحاضر رؤية واضحة من أجل أردن الديمقراطية وحقوق الإنسان
أو ما يسميه دولة القانون والمؤسسات ومجتمع العدالة والمساواة، ولعل من ابرز
المبادئ التي ينادي بها دولة السيد أحمد عبيدات في هذا الصدد ما يلي:
1- ضرورة توفر إرادة سياسية حقيقية جادة في تحقيق الإصلاح في كافة المجالات، وقد
يكون النهوض بأوضاع حقوق الإنسان مدخلاً أساسياً في تحقيق الإصلاح المنشود، وهذا
يتحتم أعادة النظر في عدد من القوانين الناظمة للحياة السياسية في الأردن ويقف على
رأس القائمة في هذا المجال قانون الانتخاب، ذلك أن القانون الحالي قد اضر بمسيرة
الديمقراطية وحقوق الإنسان في الأردن، وبالتالي لا بد من تبني قانون انتخاب عصري
عادل يفرز نواباً أقوياء ويمثلوا الشعب الأردني تمثيلاً حقيقياً ويمارسوا دورهم في
الرقابة والتشريع وذلك بسن تشريعات رشيدة تضمن حرية الرأي والتعبير والاجتماع
والتنظيم وغيرها من القوانين التي تدفع مسيرة التنمية السياسية إلى الأمام، وتنسجم
مع توجهات الدولة العصرية، ويرى دولته اعتماد مبدأ صوتين لكل مواطن صوت للدائرة
الانتخابية وصوت للمحافظة مبدأ مقبول وإجراء مؤقت مناسب لحين تبني قانون أمثل،
وأعتقد أن هذا الرأي فيه كثير من الصواب والحكمة والمنطق.
2- ضرورة اتخاذ موقف حاسم وحازم وعلى أعلى المستويات بمحاربة الفساد في كافة صورة
وأشكاله. ان مشكلة الفساد تنجم في الأساس عن عدم سيادة القانون، وبالتالي فإن بناء
دولة القانون والمؤسسات يعني مكافحة الفساد، والحقيقة أن الفساد في الأردن وبالرغم
من كثرة الحديث عن مقاومته ومحاولة الحكومات المتعاقبة تقديم بعض المتهمين إلى
العدالة، إلا أن الفساد أصبح أشبه بمؤسسة كبرى لديها إداراتها وإمكاناتها وأساليبها
في مواجهة محاولات الحد من نشاطها وعملها. ولا شك أن محاربة الفساد لا تتحمل الدولة
أو الحكومة وحدها المسؤولية في ذلك إذ لا بد من أن تتضافر الجهود الرسمية مع
الشعبية في سبيل تحقيق هذه الغاية، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن نمط الثقافة
السائد في المجتمع يعزز الفساد فالواسطة والمحسوبية والتطاول على المال العام وعدم
احترام القانون وغيرها من صور الفساد لا تزال مقبولة في مجتمعنا، لا بل أن البعض
يعتبرها شطارة أو نفوذ وليس ظلم أو عمل غير أخلاقي.
3- العدالة أولاً والعدالة دائماً. ليس بخافي على أحد الدور الذي يلعبه القضاء في
تطبيق أحكام القانون وإعطاء كل ذي حق حقه. أن تحقيق عناصر المحاكمة العادلة أمراً
ليس بالسهولة التي يتوقعها البعض وخصوصاً في ظل وجود الفساد والمفسدين. وهنا أود إن
أشير إلى أن الصورة التي اتسم بها القضاء الأردني في الخمسينات والستينات وحتى
أوائل السبعينات في بلدنا في استقلال ونزاهة القضاء هي أفضل بكثير من واقع الحال
هذه الأيام ولا سيما أنها كانت في ظل دستور 1952 قبل إجراء الكثير من التعديلات
عليه، والتي أخلت بمبدأ ديمقراطي عريق وهو الفصل والتوازن بين السلطات...!
إن المبادئ أو الأسس السابقة التي طرحها المحاضر هي استمرار لنهج في التفكير ورؤية
ثاقبة نحو المستقبل كان دولة السيد أحمد عبيدات قد بدأها منذ رئاسته للجنة صياغة
الميثاق الوطني الأردني في أوائل التسعينات من القرن الماضي، ولا شك إن الإيمان
بهذه المبادئ من أجل تعميق النهج الديمقراطي وبناء الدولة إلا نموذج في المنطقة،
يدل على ثبات على المبادئ والتزام بالأهداف والمثل العليا والقيم الإنسانية النبيلة،
وهذا ليس بجديد على رجل من طراز السيد أحمد عبيدات الذي يقف اليوم على رأس المركز
الوطني الأردني لحقوق الإنسان، هذه المؤسسة الوطنية الأردنية التي تتحمل عبء كبير
في حماية وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان بالعمل على أكثر من جبهة، منها جبهة الحكومة
والمؤسسات الرسمية من خلال التقرير السنوي الذي يصدره المركز عن أوضاع حقوق الإنسان،
وكذلك متابعة حالات انتهاك هذه الحقوق ومحاولة تصويب الأوضاع، وأيضاً على جبهة
المواطن من خلال النشرات وورشات العمل والندوات والمحاضرات والدراسات والأبحاث كل
ذلك بواسطة عدد قليل من الموظفين وفي ضوء موازنة مالية محدودة جداً.
وفي هذا الصدد أو أن أشير إلى ابرز انجازات المركز في العام الماضي في التقرير
السنوي الذي أصدره المركز عن أوضاع العمال في الأردن ومنها أوضاع العمالة الأجنبية
في المصانع والمؤسسات وما تعاني منه من انخفاض في الأجور وساعات عمل طويلة وتعرضها
للعنف أحياناً وغيرها من الممارسات غير الإنسانية، ولكن يبدو أن الحكومة الأردنية
أو المعنيين ولا سيما في وزارة العمل لم يطلعوا على التقرير أو لم يأخذوا ما جاء
فيه على محمل الجد ولما تناولت أحدى مؤسسات حقوق الإنسان الأمريكية الموضوع ونشرت
أحدى الصحف الأمريكية تقريراً عن انتهاكات حقوق العمال الأجانب في الأردن هرعت
الحكومة ومعها وزارة العمل وغيرها من الوزارات المعنية إلى محاولة إنقاذ أوضاع
العمال ولا غرابة في ذلك، فكما يقول المثل الشعبي كل افرنجي برنجي....!
أما الإنجاز الاخر والذي يسجّل للمركز والقائمين عليه الدور الأكبر في النجاح فهو
إغلاق سجن الجفر وطي صفحة هذا المعتقل وما علق به في الذاكر الأردنية من أحزان
وذكريات موحشة، وقد تم هذا الإنجاز بعد مراقبة حثيثة للسجن وكتابة عدة تقارير عن
أوضاعه وأوضاع المعتقلين فيه، وهنا أود الإشارة إلى أننا لم نسمع كلمة شكر واحدة من
نواب الأمة بحق المركز الوطني بعد هذا الإنجاز وهذا العتب من المركز على النواب هو
جزء من العتب الكبير الذي يحمله الشعب الأردني لهم. ويقيني أن مجلس النواب الكريم
أن سكت حتى اليوم عن هذا الإنجاز للمركز الوطني فإنه لن يسكت عنه لوقت طويل فإذا
جرت الانتخابات القادمة أن شاء الله في موعدها الدستوري، فإن الشعب الأردني سوف
يحجب الثقة عن الغالبية الساحقة من أعضاء المجلس الحالي، وبالتالي فإنه من المتأمل
أن يفرز الشعب الأردني نواباً أقوياء مدافعين عن حقوق الوطن والمواطن ولن يديروا
الظهر للمركز الوطني لحقوق الإنسان أو أي مؤسسة وطنية أردنية تسعى إلى خير الوطن
والمواطن.
وفي الختام، فإننا ندعو الحكومة وكافة المعنيين بحقوق الإنسان في هذا الوطن أن
يكونوا سفراء للمركز الوطني الأردني لحقوق الإنسان وكافة المؤسسات والمراكز الأخرى
المعنية بحقوق الإنسان، وتقديم ما يمكن من دعم ومساندة في سبيل نشر وتعزيز ثقافة
حقوق الإنسان، ونكرر الشكر لدولة السيد أحمد عبيدات ونحيي فيه تحمله مسؤولية أو عبء
الدفاع عن حقوق الإنسان في الأردن وكذلك كافة زملائه في المركز الوطني الأردني
لحقوق الإنسان، ذلك أنه باحترام حقوق الإنسان نستطيع أن نحمي الوطن والمواطن من
الظلم والفساد والاستبداد، ونعزز دور الأردن على المستويين الإقليمي والدولي ذلك
أنه عندما يكون الأردن واحة للحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان فإنه يصبح
الدولة إلا نموذج التي ترتقي إلى تطلعات قائدنا العظيم جلالة الملك عبد الله الثاني
بن الحسين حفظه الله والتي نأمل أن ينظر إليها الآخرون بالاحترام والتقدير فيقتفوا
آثارها ويسيروا على خطاها وهي تسير وتتقدم وتعطي في مسيرة الحضارة والإنسان.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |