نحو ميلاد دستوري جديد

د. محمد تركي بني سلامة

جامعة اليرموك /قسم العلوم السياسية

December 2, 2006


يتناول هذا البحث الدساتير الأردنية والمسيرة الديمقراطية وذلك بعرض المفاهيم النظرية المرتبطة بالدراسة أولاً ثم استعراض مراحل التطور الدستوري الأردني ثانياً. وقد عالج البحث أبرز التعديلات التي طرأت على دستور (1952) الساري المفعول حالياً وأثر هذه التعديلات على المسيرة الديمقراطية.
ومن ألنتائج والتوصيات التي توصل لها هدا البحث ضرورة تبني دستور جديد يلبي تطلعات الشعب الأردني بالحرية والديمقراطية.

Abstract

This essay discusses the Jordanian constitutions and the democratic march by reviewing the theoretical concepts related to the study first, then by manifesting the stages of constitutional development in Jordan second. The essay has dealt with the major amendments to the current valid constitution and their impact on the democratic march.
The research has concluded a number of results the most important of which is the necessity to adopt a new constitution that responds to the expectations of the Jordanian people in freedom and democracy.




المقدمة

كل دولة أو جماعة إنسانية سياسية (نقابة، جمعية، حزب) لديها دستور، أو مجموعة من القواعد والقوانين التي توضح تكوينها، وتحدد أسلوب سيرها، إذ لا يمكن لأي جماعة الاستمرار في العمل وممارسة السياسة في ظل غياب مثل هذه القوانين والقواعد.
فعلى مستوى الدولة، فإن ما اصطلح على تسميته الدستور Constitution فإنه يحدد شكل نظام الحكم وفلسفته، وصلاحيات الحاكم وكيفية اختياره، وهوية الدولة وديانتها وتوجهاتها، وأخيراً حقوق وحريات الأفراد، وواجباتهم إزاء الدولة.
وكافة الدول العربية ومنها الأردن "حالة الدراسة" لديها دساتير مكتوبة، مأخوذة في معظمها عن الدساتير الغربية، وتشتمل على العديد من المواد التي تتحدث عن حقوق وحريات المواطنين ولاسيما المدنية والسياسية وذلك من الناحية النظرية، أما ما هو مطبق على أرض الواقع فإنه يخالف في كثير من الأحيان نصوص هذه الدساتير، الأمر الذي يضع الدول العربية في مصاف الدول التي لا تحترم حقوق الإنسان، ويعطل فرص التحول الديمقراطي في الوطن العربي.
ومنذ نشأة الكيان السياسي الأردني عام 1921 وحتى الوقت الحاضر، فقد عبّر الشعب الأردني باستمرار عن تطلعاته بالحرية والعدالة واحترام كرامة الإنسان، وقد جاء دستور عام 1952 الساري المفعول الآن ملبياً لهذه التطلعات ومنسجماً مع فلسفة الهاشميين في الحكم والتي جعلت النظام السياسي الأردني يتسم بالوسطية والاعتدال والتسامح، إلا أن الهاجس الأمني والضغوطات المحلية والإقليمية التي تؤثر على استقرار النظام السياسي أو حتى بقائه في بعض الأحيان، أدت إلى تعطيل دور الدستور كضمانة لحقوق وحريات الأفراد المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي انعكس سلباً على المسيرة الديمقراطية في البلاد.

ولغايات هذا البحث قد تم تقسيم الموضوع إلى المحاور التالية:

أولاً: المفاهيم الأساسية المرتبطة بالدراسة:الدستور، الدستورية، الملكية الدستورية، النظام البرلماني، الفصل بين السلطات، و الأمن الوطني.
ثانياً: مراحل التطور الدستوري الأردني.
- تأسيس الإمارة وصدور القانون الأساسي 1928 حتى 1950.
- دستور 1952 والتجربة الديمقراطية الأردنية الأولى حتى عام 1989.
- استئناف المسيرة الديمقراطية منذ عام 1989 حتى الوقت الحاضر.
ثالثاً: أبرز التعديلات الدستورية على دستور 1952 وأثرها على المسيرة الديمقراطية والحريات السياسية في الأردن.
رابعاً: خلاصة واستنتاجات.

أولاً: المفاهيم الأساسية:

1- الدستور : Constitution
إن كلمة الدستور كلمة فارسية الأصل معناها الأساس أو القاعدة([1])، ولذلك فإن بعض الدول تطلق على الدستور عبارة "القانون الأساسي"، وهذا ما عرف به أول دستور صدر في تاريخ الأردن السياسي عام 1928م، ولا زال هذا الاصطلاح مستعملاً في بعض الأقطار العربية منها سلطنة عُمان والكويت. هناك الكثير من التعريفات لكلمة الدستور، فعلى سبيل المثال يعرف قاموس وبستر الدستور بأنه: "القانون العضوي الأساسي أو هو مبادئ حكم أمة أو مجتمع ما سواء جسدتها وثائق مكتوبة أو تضمنتها مؤسسات عامة"([2])، ويقدم أستاذ القانون الدستوري الدكتور عبد الحميد متولي التعريف التالي: "الدستور هو الوثيقة الأساسية التي يبين فيها صاحب السيادة شكل الحكومة وينظم فيها السلطة التنفيذية والتشريعية ويحدد اختصاصاتهما أو هو تلك الوثيقة التي تبين نظام الحكم في الدولة"([3])،وهناك من يعرف الدستور: "بأنه مجموعة القواعد القانونية الواردة في الوثيقة الدستورية والتي تحدد السلطات العامة في ظل نظام نيابي حر يكفل للأفراد حقوقهم وحرياتهمً([4]).
ويتضح من هذه التعريفات أن الدستور هو القانون الأساسي الذي ينظم ممارسة السلطة في الدولة. وإذا كان الدستور الأمريكي أقدم دستور مكتوب إذ يعود تاريخه إلى عام 1789م، فقد أصبح وجود دستور تقليد أساسي في الدولة الحديثة، لذلك يمكن القول أن كافة دول العالم باستثناء بريطانيا ونيوزلاندا لديها دساتير مكتوبة، حتى أن وجود دستور مكتوب يعتبر أحياناً شرطأً أساسيًا للاعتراف الدولي، ولاسيما الدول حديثة النشأة، فالدستور يعد بمنزلة شهادة ميلاد للدولة.

2. الدستورية :Constitutionalism
إن مصطلح الدستورية مشتق من مصطلح الدستور ومرتبط به وهو يشير إلى المبادئ الثلاث التالية:
1. سمو الدستور: The Primacy of Constitution
2. احترام قدسية الدستور: Faithful to the Constitution
3. تحديد سلطة الدولة: Limited Government
إن الدستور هو القانون الأعلى والأسمى في البلاد، وهذه المكانة العليا التي يتمتع بها تجعله يتمتع بقدسية بحيث لا يجوز إصدار أي قوانين مخالفة لنصوصه، وهو أعلى من الهيئات المكلفة بممارسة الاختصاصات الواردة فيه. وإذا كان الهدف من الدستور تقييد سلطة الحكومة ومنعها من التعسف أو الاستبداد في استخدام السلطة تجاه الأفراد، فإن وجود الدستور وحده كوثيقة مكتوبة، أو غير مكتوبة لا يعد ضمانة كافية لمنع التعسف والاستبداد، إذ لا بد من أن تكون الدولة ممثلة بمسئوليها حامية للدستور وحريصة على احترام كافة نصوصه وأحكامه، فدولة القانون هي الدولة التي تنسجم فيها القوانين التي تصدرها السلطة مع أحكام الدستور، الأمر الذي يعني ضرورة إيجاد ضمانات قوية لحماية الدستور.

3. الملكية الدستورية:Constitutional Monarchy
الملكية تعني حكم الشخص الواحد، هو نظام حكم يصل الملك فيه إلى السلطة بالوراثة بغض النظر عن اللقب الذي يتخذه سواء ملك أو سلطان أو أمير أو إمبراطور، وهناك نوعان من الملكية:
أ‌. الملكية المطلقة: Absolute Monarchy
وهو نظام حكم شمولي يكون الملك بموجبه فوق الدستور، وبالتالي فهو غير مقيد أو محاسب أو خاضع لأي سلطة، وعادة ما يحكم حسب رغباته وأهوائه.
ب‌. الملكية الدستورية: Constitutional Monarchy
وهي الملكية التي يكون بموجبها الملك مقيد بأحكام الدستور، وأحياناً مقيد جداً لدرجة أن دوره رمزي وبالتالي فهو يملك ولا يحكم.
والملكية المطلقة كانت النمط الشائع في الحكم في العالم، إلا أنه مع التحولات نحو الديمقراطية، فإن عدداً كبيراً من الملكيات المطلقة أصبحت الآن في ذمة التاريخ، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الآن فإن عدد الأنظمة الملكية المطلقة هو في تناقص مستمر، فقد تحول عدد كبير منها إلى أنظمة ملكية دستورية مقيدة مثل بريطانيا، الدنمارك، إسبانيا، هولندا، اليابان، وبعضها تحول إلى أنظمة جمهورية مثل مصر، العراق، ليبيا، إيران، وبشكل عام يمكن القول إن عدد الأنظمة الملكية المطلقة في العالم الآن لا يزيد عن عدد أصابع اليدين، وأن الاتجاه العام هو تحولها إما إلى أنظمة ملكية دستورية مقيدة، أو أنظمة جمهورية.

4. النظام البرلماني: Parliamentary System
تعود أصول النظام البرلماني إلى بريطانيا، وهو نتاج صراع طويل بين الملك والشعب البريطاني، ممثلاً بالنبلاء والأعيان وملاكي الأراضي ورجال الكنيسة، ثم انتقل إلى عدد غير قليل من دول العالم ولاسيما المستعمرات البريطانية بعد الاستقلال، حيث قننت مظاهر هذا النظام في الدساتير والقوانين الأساسية للدول التي أخذت به، وبالرغم من تعدد أشكال الأنظمة البرلمانية في العالم إلا أنها جميعاً تتفق على عدد من الأسس والمرتكزات لعل أبرزها:
1. برلمان منتخب من الشعب.
2. حكومة مسؤولة أمام البرلمان.
3. أحزاب سياسية فاعلة.
4. الفصل والتوازن بين السلطات.
ونظراً لأهمية مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات واعتباره حجر الزاوية في النظام البرلماني فإنه لا بد من التوقف قليلاً عند هذا المبدأ.

5. الفصل بين السلطات: Separation of Powers
إن جذور نظرية الفصل بين السلطات نجدها في كتابات قدماء اليونان والرومان حيث ألمح أرسطو إلى الفصل بين السلطات عن طريق بيان الوظائف الأساسية للسلطة، إضافة إلى كتاباته عن النظام المختلط Mixed Regime الذي يعني تمثيل جميع الفئات المهيمنة في أجهزة ومؤسسات الدولة بحيث تراقب وتوازن بعضها البعض مما يحقق الانسجام والتوازن، إلا أن النظرية بشكل علمي تطورت أثناء الصراع على السلطة بين الملك والبرلمان في بريطانيا في القرن السابع عشر ،وكان لكتابات جون لوك ومونتسيكو الدور العام في إبراز وتحديث النظرية.
وتقوم النظرية على مبدأ توزيع السلطات وجعلها متساوية ومتوازنة مع وجود نوع من التعاون والتنسيق والرقابة أو الفيتو المتبادل، والهدف من التوزيع هو منع الاستبداد ذلك أن أفضل وسيلة لمنع الاستبداد وصون الحرية هو عدم تجميع السلطات بيد واحدة، لأن السلطة مفسدة والسلطة لا تحدها إلا سلطة
أخرى([5]).
وقد أصبح مبدأ الفصل بين السلطات مبدأ عالمياً، مأخوذاً به في معظم دساتير العالم الآن بصفة هذا الفصل هو الضمان الأكبر لتحقيق مبدأ الشرعية وصون الحرية ومنع الاستبداد، ولكن في حقيقة الأمر فإن اشتمال الدستور على هذا المبدأ أو أخذ نظام معين به لا يعني بالضرورة حماية الحرية ومنع إساءة استعمال السلطة ذلك أن النظرية شيء والتطبيق العملي والممارسة شيء آخر مختلف تماماً.

6. الأمن الوطني: National Security
أن مفهوم National Security يعني الأمن القومي ولكن في ظل سيادة الدولة القطرية يصبح معنى المفهوم الأمن الوطني ولذلك سوف يكون الحديث في هذه الدراسة منصباً على مفهوم الأمن القومي في ظل الرؤية السابقة. لقد بدأ الاهتمام بالأمن القومي بعد الحرب العالمية الثانية ولاسيما مع بداية الحرب الباردة، وتتعدد تعريفات هذا المفهوم، فمنها ما يتعلق بقدرة الدولة على حماية نفسها من التهديدات الخارجية([6]). ومنها ما يتعلق بنجاح جهود التنمية في الدولة وبالتالي تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي([7]).
إلا أنه بشكل عام يمكن القول إن الأمن القومي يعني البقاء العضوي للدولة ككيان سياسي وحماية نظامها وإقليمها وشعبها حتى إذا لزم الأمر استخدام القوة.


ثانياً: مراحل التطور الدستوري الأردني

تأسيس الإمارة وصدور القانون الأساسي 1928 حتى 1950م
ظهرت الدولة الأردنية ككيان سياسي بعد الحرب العالمية الأولى ففي عام 1921 وصل سمو الأمير عبد الله بن الحسين إلى شرقي الأردن قادماً من الحجاز، ثم التقى وزير المستعمرات البريطاني تشرشل، وأثمر اللقاء عن تأسيس إمارة شرقي الأردن، حيث تعهدت بريطانيا بتقديم الدعم المادي والعسكري للدولة الناشئة حديثاً، وتعهد سمو الأمير عبدالله بالمقابل بقبول الانتداب البريطاني على شرقي الأردن والعمل على حماية حدود سوريا وفلسطين من أي اعتداء([8]).
ولما كانت مطامع الأمير لا تتوقف عند حدود هذا الكيان السياسي الصغير المساحة والمحدد الموارد والإمكانات،فقد قبل به انطلاقاً من مبدأ طالما آمن به وهو " خذ وطالب"، لذلك أراد أن يجعل الأردن نواة لإقامة الدولة العربية الكبرى واستعادة عرش فيصل في سوريا، فرفع الأمير شعار " الأردن بلد كل العرب" وهكذا وجد أبناء العراق وفلسطين والحجاز وسوريا ولبنان ملاذاً في الأردن وتولى العديد منهم شؤون الحكم ومراكز النفوذ في الإدارة والجيش،الأمر الذي أثار حفيظة الأردنيين، أصحاب البلاد الشرعيين، الذين أبدو استياءاً من هؤلاء الغرباء الذين أصبحوا يتحكموا في شؤونهم، لذلك قاموا برفع شعار " الأردن للأردنيين" وعبروا عن رغبتهم بمشاركة الأمير بالسلطة والحكم، ولما لم تجد مثل هذه المطالب أذاناً صاغية من قبل الأمير وحاشيته، فقد لجأ الأردنيون للثورة والتمرد، فقامت ثورة ابن عدوان عام 1923 بصفته زعيم المنادين بتقليد أبناء البلاد الحكم والمسؤولية. ويجب أن نركز في هذا المقام على أن المناضلين الأردنيين لم يغفلوا في كفاحهم الوطني القضايا العربية الأخرى وعلى رأسها قضية فلسطين. فقد كانت هذه القضية تثير حماسهم وتحرك عواطفهم القومية ومشاعرهم الدينية وقد كان أول شهيد على أرض فلسطين هو الزعيم الوطني الأردني كايد مفلح عبيدات.
إلا أن هذا الحس القومي لسمو الأمير بدأ يضعف نتيجة الضغوط الإنجليزية عليه، ولاسيما أن عدداً كبيراً من هؤلاء العرب وخصوصاً الأعضاء في حزب الاستقلال السوري قد بدأوا باستخدام شرقي الأردن كقاعدة لنشاطاتهم المناوئة للاحتلال الفرنسي في سوريا، وقد بلغ الضغط الإنجليزي ذروته بعد عدد من الحوادث التي أخلت بالأمن في سوريا عام 1924، فوجهت الإدارة البريطانية إنذاراً إلى سمو الأمير عبد الله، الأمر الذي اضطره إلى تضييق الخناق عليهم، وإخراجهم نهائياً من البلاد([9]). وقد عبر الأمير عن حرصه على الأمن والاستقرار قائلاً: "إن المقاومة التي تجلب الشر ليست إلا جريمة ... وأن كل من يعبث بالأمن في سوريا وفلسطين من دعاة الفتنة نعتبره خارجاً علينا، إذا ما سولت له نفسه استخدام هذه المنطقة في مناحي هواه لأننا لا نريد أن تجني هذه البلاد ذلاً لسوء تصرفات أولئك العابثين"([10]).


هكذا نجد أن الهاجس الأمني قد لعب منذ البداية دوراً بارزاً في التأثير على أفكار وقرارات الأمير عبد الله، فقد كان ملتزماً مع الإنجليز بالحفاظ على الهدوء في المناطق المجاورة، ولم يكن بمقدوره إغفال ذلك الالتزام مع دولة الانتداب البريطاني.


وقد استمرت مطالب الشعب الأردني بالمشاركة في الحياة السياسية، ونشأ في الأردن عام 1927 أول حزب سياسي وهو حزب الشعب الأردني الذي طالب بحكم نيابي ملكي، الأمر الذي يعني إنشاء برلمان أو مؤسسات تمثيلية Representative Institutions يتم من خلالها مشاركة الأمير بالسلطة، كما أكد الحزب على مبادئ الحرية والعدالة والمساواة وغيرها من القيم الديمقراطية. واستجابة لهذه الضغوط الشعبية فقد تم توقيع الاتفاقية الأردنية-البريطانية بتاريخ 28/2/1928، والتي بموجبها أحكمت بريطانيا قبضتها على شرقي الأردن، وبعد ذلك بشهرين صدر القانون الأساسي لإمارة شرقي الأردن عام 1928، والذي استمدت معظم نصوصه من الاتفاقية المشار إليها، ويشير معظم فقهاء القانون الدستوري إلى أن هذا الدستور لم يصدر بطريقة المنحة أو العقد وهما الأسلوبان السائدان في نشأة الدساتير، فالأمير كان يحكم بصورة شكلية والمعتمد البريطاني كان الحاكم الحقيقي الذي بيده السلطة وبلاده كانت مسيطرة على كافة مرافق شرقي الأردن، كما أنه لم يعط الشعب أية حقوق أو صلاحيات فدور السلطة التشريعية كان ضعيفاً جداً. كما أنه لم يصدر بطريقة العقد لأن الشعب كان مغيباً ولم يشارك في إعداد الدستور، لذا فإن هذا الدستور من الناحية القانونية أقرب ما يكون إلى اتفاقية تكرس الحكم الاستعماري البريطاني المباشر([11]).


وقد ركزّ القانون الأساسي عام 1928 السلطات الفعلية بيد الأمير فهو الذي يعين رئيس الوزراء أو يقيله، ويعين جميع الموظفين ويعزلهم، ويعقد المعاهدات، ويدعو المجلس التشريعي إلى الاجتماع ويؤجل اجتماعاته ويحل المجلس، ويعلن الأحكام العرفية، وله حق تعديل الدستور وإصدار القوانين المؤقتة، ويمارس الأمير هذه الصلاحيات بنفسه مباشرة وما دور الحكومة إلا إبداء المشورة فقط، والأمير مصون من كل تبعة أو مسؤولية، أما دور المجلس التشريعي فهو دور شكلي، ولا يملك أية صلاحيات سياسية، إذ ليس من حقه الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية ولا يستطيع محاسبتها أو طرح الثقة بها، أما من الناحية التشريعية فقد كانت صلاحياته ضعيفة جداً، إذ ليس من حقه اقتراح القوانين وإنما ينحصر دوره في إنجاز مشروعات القوانين التي يعرضها عليه رئيس الوزراء([12]).


ولذلك فقد رفض الشعب الأردني المعاهدة والدستور، فسادت المظاهرات وأعلنت الإضرابات في المدارس وعمت البلاد موجه من السخط والتذمر، وقدمت العديد من العرائض لسمو الأمير، والحكومة، والمندوب البريطاني وعصبة الأمم، وركز الأردنيون في مطالبهم على عدد من المبادئ والقيم الدستورية والديمقراطية منها:
1. اعتبار الشعب مصدر كل قوة.
2. كل حكومة تقوم في البلاد يجب أن تقوم بإرادة الشعب وعلى أساس ضمان المصالح العامة.
3. حق الأمة في محاسبة وسؤال كل مستخدم بمصالح البلاد عن أعمال وظيفته([13]).


وقد بذل الأمير عبد الله جهوداً شاقة في سبيل إقناع الشعب الأردني بضرورة التصديق على الاتفاقية من خلال المجلس التشريعي وبخلاف ذلك فإن الكيان السياسي سيزول، إلا أن ردود الفعل الشعبية الغاضبة كانت تفوق حسابات الأمير فعلى سبيل المثال لجأ الأمير عبد الله إلى أحد الزعماء الوطنيين، وهو علي نيازي التل لتسويق المعاهدة والدستور قائلاً: إنك الوحيد الذي له من مقدرته العلمية وسابق خدماته الحكومية ما يؤهله لفهم حقيقة المعاهدة. وتمييز غثها من سمينها ولاسيما والدستور قد أزال كل ما كان يحتمل من تأويله من بنوها. أما رد علي نيازي التل فقد جاء خلافاً لأماني وتوقعات الأمير، حيث رد التل قائلاً: إن الإخلاص الحقيقي إنما يكون بقول الحقيقة المرة لسموك وأن كانت تغضبك فاسمح لي أن أقول: "أن صك الانتداب الفلسطيني الذي يجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود قد ضمن لسكان فلسطين العرب من الحقوق أضعاف ما ضمنته المعاهدة لأهالي شرقي الأردن، أما الدستور الذي تقول أن نصوصه قد نقضت بلاء المعاهدة فلا أخال أن حكومات الزنوج في أواسط أفريقيا ترضى بمثله([14]).


وحقيقة أن مثل هذه المعارضة الوطنية التي لا تأخذها في الحق لومة لائم والبعيدة عن النفاق السياسي والاجتماعي لا نجد مثيلاً لها في الأردن أو غيره من الدول العربية في هذه الأيام التي ترتفع فيها أصوات السماسرة والمنظرين للفساد من أصحاب الأجندة الخاصة.


ولما أدرك الوطنيون أن تقديم العرائض لن يجدي نفعاً، فقد تنادوا إلى عقد مؤتمر وطني يمثل البلاد وينطق باسمها، فعقد أول مؤتمر في الأردن عام 1928 من حوالي 150 شخصية أردنية معظمهم من شيوخ العشائر الأردنية بدواً وحضراً بالإضافة إلى عدد من المفكرين ورجال السياسة، وأصدروا الميثاق الوطني الذي تضمن العديد من البنود التي تؤكد على المبادئ والقيم الديمقراطية، والذي أصبح برنامجاً للحركة الوطنية حتى نال الأردن استقلاله عام 1946، كما قاطع الزعماء الوطنيون الانتخابات ودعوا المواطنين إلى عدم الاشتراك بها. إلا أن صوت الإنجليز وهم الحكام الفعليين للبلاد في تلك المرحلة كان الأعلى وهكذا جرت الانتخابات وافتتح الأمير عبد الله أولى جلسات المجلس التشريعي مؤكداً ضرورة إقرار الاتفاقية البريطانية لأن من أبرز مزاياها الاعتراف بوجود حكومة مستقلة في البلاد أو كيان سياسي معترف به من الناحية الدولية. وقد استغرق المجلس التشريعي الأردني الأول مدة شهرين في مناقشة الاتفاقية وتمحيص بنودها ثم أقرها وصادق عليها بموافقة عشرة أعضاء فيما عارضها خمسة أعضاء فاعتبرت موافقاً عليها بالأكثرية([15]). لقد كانت الاتفاقية شراً لا بد منه وكان عدم التصديق عليها يعرض الكيان السياسي لأخطار قد تؤدي به إلى الزوال.
وقد استمر النضال الوطني الأردني في تلك الفترة، وشهد الأردن نشوء عدد من الأحزاب السياسية التي أكدت جميعها على مبادئ الميثاق الوطني الأردني في الحرية والديمقراطية، كما شهدت البلاد عقد عدد من المؤتمرات الوطنية التي تدارست أوضاع البلاد، كان أبرزها المؤتمر الوطني الثالث الذي عقد في مدينة اربد عام 1930، والذي أكد فيه المؤتمرون على أن الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري لا يتحقق إلا عن طريق حكومة دستورية مسؤولة أمام مجلس نيابي ينتخب انتخاباً حراً([16]).


أما بخصوص موقف الأمير عبد الله، فقد كان يقع بين مطرقة الإنجليز وسندانة الوطنيين الأردنيين، فهو يريد أن يعطف على الحركة الوطنية، ويستجيب لمطالبها، وبنفس الوقت يريد الحفاظ على أمن واستقرار نظامه، فهو ليس بوسعه أن يقف موقفاً معادياً للإنجليز يكون من نتائجه حصار البلاد سياسياً وإخضاعها لأحكام وعد بلفور القاضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.


وقد استمرت الضغوط الشعبية المطالبة بالاستقلال والحرية وضرورة تبني دستور جديد يعكس تطلعات الشعب الأردني إلى أن تحقق الاستقلال التام عام 1946، وتبع ذلك تبني دستور جديد، جاء أفضل من القانون الأساسي لسنة 1928، حيث احتوى بعض المبادئ الدستورية الحديثة وشكل نواة لنظام الحكم النيابي في الأردن، أما فيما يتعلق بالتكيف القانوني لطريقة صدور هذا الدستور فقد ذهب معظم فقهاء القانون الدستوري إلى أنه أقرب إلى أسلوب المنحة حيث كان الأمير يتمتع بسلطات وصلاحيات واسعة في ظل دستور 1928، وعندما أصبح ملكاً فقد تنازل للشعب عن بعض هذه الصلاحيات([17])، إلا أنه لم يستمر العمل به طويلاً حيث صدر دستور عام 1952 وهو الساري المفعول الآن.


وخلاصة القول في تلك المرحلة أن تجربة الأمير عبد الله الشخصية في الحكم، وطباعه البدوية، وتربيته العربية التقليدية، وتخوفه من أن تصبح المؤسسات التمثيلية إلى مراكز معارضة لسلطته، وصراعاته مع الزعماء العرب في تلك الفترة ولاسيما الملك فاروق في مصر، والمفتي في فلسطين، وعدم استقرار الأوضاع السياسية في المنطقة بشكل عام علاوة على النفوذ البريطاني، ورغبة الأمير في توطيد حكمه وحماية الكيان السياسي الحديث النشأة، كل هذه الظروف لم تسمح له بتبني دستور أكثر ليبرالية، إلا أن كل ذلك لا يخفي حقيقة أن المعارضة السياسية في تلك الفترة قد تمتعت بجو من الحرية قل نظيرها في هذه الأيام.

دستور 1952 والتجربة الديمقراطية الأردنية الأولى حتى عام 1989
بعد حرب 1948 ووحدة الضفتين وغياب الأمير عبد الله عن المشهد السياسي، وغيرها من الظروف السياسية والديمغرافية التي دفعت مجتمعةً باتجاه تبني دستور جديد يلبي تطلعات الشعب في المشاركة في الحياة السياسية، وهكذا صدر دستور 1952 ليحل محل دستور 1946، ويرى فقهاء القانون الدستوري أن دستور عام 1952، أقرب إلى العقد حيث سبق صدور الدستور عدة مؤتمرات شعبية تؤيد وحدة الضفتين واتخذ مجلس الأمة قراراً بذلك إضافة إلى ديباجة الدستور والتي نصت على ما يلي: "نحن طلال الأول ملك المملكة الأردنية الهاشمية بمقتضى المادة 25 من الدستور وبناء على ما قرره مجلس الأعيان والنواب نصدق على الدستور المعدل التالي ونأمر بإصداره"([18]). وبالتالي جاءت مصادقة الملك على الدستور بعد أن وافق عليه ممثلو الشعب. وبالاطلاع على ما جاء في هذا الدستور من أحكام ونصوص، فإنه من أفضل الدساتير العربية فيما يتعلق بالديمقراطية والحريات المدنية والسياسية وذلك من حيث المبادئ النظرية، لقد أخذت معظم نصوص الدستور من أعرق النظم البرلمانية في الديمقراطيات المعاصرة وقد تأثر كثيراً بالدستور البلجيكي، فقد نصت المادة 24 على أن الأمة مصدر السلطات([19]). وبالتالي اعتبر السيادة للشعب. وهذا المبدأ يعتبر من ركائز الديمقراطية، وأخذ بمبدأ الفصل المرن بين السلطات، وأعطى السلطة التشريعية حق الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية وكذلك حق اقتراح القوانين، وأخذ بنظام المجلسين وغيرها من المبادئ التي تعتبر ركائز النظام النيابي البرلماني. وأخيراً، فقد تناول بالتفصيل حقوق الأردنيين وحرياتهم، وقد خصص لهذا الجانب فصلاً مستقلاً ضمنه مختلف الحقوق والحريات وكذلك الضمانات التي تكفل ممارستــها([20]).

والحقيقة أن العصر الذهبي للتجربة الديمقراطية الأولى في الأردن كان في السنوات الأولى التي تلت نفاذ هذا الدستور، وبالتحديد في الفترة من عام 1952 وحتى عام 1967، ولعل ذلك يبدو جلياً من خلال أبرز ما شهده الأردن في تلك الفترة من أحداث وممارسات لعل أبرزها:
1. إجراء انتخابات نيابية منتظمة اتسمت بالنزاهة والحرية.
2. تم تجسيد نظرية الفصل بين السلطات على صعيد الممارسة والتطبيق.
3. احترام أحكام الدستور والالتزام به من قبل الحاكم والمحكوم.
4. إكمال أكثر من مجلس دورته كاملة دون أن يتعرض للحل.
5. تسجيل التاريخ السياسي الأردني في تلك الفترة المرة الوحيدة التي تمكن فيه البرلمان من إسقاط الحكومة.
6. بلوغ دور وتأثير الأحزاب السياسية ذروته في تلك الفترة.
7. تمتع الصحافة بنوع من الحرية والاستقلالية قل نظيرها في السنوات اللاحقة.
8. وصول المعارضة السياسية إلى السلطة عن طريق الانتخابات.
9. استجابة النظام السياسي للضغوط الشعبية والرأي العام في أكثر من موقف حازم منها عدم الانضمام لحلف بغداد عام 1955، وتعريب الجيش الأردني وإلغاء المعاهدة البريطانية عام 1956، وتوقيع اتفاقية الدفاع العربي المشترك عام 1956.


وفي تلك الحقبة من تاريخ الأردن بدأ النظام السياسي الأردني يخطو خطوات متقدمة نحو الملكية الدستورية المقيدة، وهي المرة الوحيدة التي عاش فيها الأردن ديمقراطية حقيقية أو كاملة. وقد كانت تلك الفترة مرحلة عصيبة للنظام الأردني وسنوات عاصفة للراحل الملك حسين، وقد كادت أن تؤدي بالكيان الأردني إلى الضياع، ووصل أحياناً إلى حافة الانهيار وذلك لظروف داخلية وتحديات خارجية. فعلى الصعيد الوطني عانى النظام السياسي من تدخل ضباط الجيش في السياسة واشتراك عدد منهم في أكثر من محاولة لاغتيال الملك حسين([21]). وانحرفت الأحزاب السياسية عن غاياتها وأهدافها إذ تميزت الأحزاب السياسية الأردنية في تلك الفترة بالارتباطات الخارجية والاغتراب عن قضايا الوطن وحاجات الشعب، وكانت قيادات هذه الأحزاب من قومية وبعثية وشيوعية موالية لأنظمة سياسية خارج الأردن تسعى إلى زعزعة أمنه واستقراره. ولم يكن حال المعارضة السياسية يختلف كثيراً، إذ كانت معارضة لنظام الحكم وليس للحكومة تتلقى الدعم والتعليمات من الخارج متجاهلة بذلك أبسط قواعد اللعبة الديمقراطية ومتناسية أن الأردن هو دولة ذات سيادة وكيان سياسي مستقل. وبالمجمل فإن التحدي والعداء والدسائس والمؤامرات والاغتيالات كانت العناوين الرئيسية للحياة السياسية في الأردن على الصعيد الداخلي في تلك المرحلة وقد كادت في كثير من الأحيان أن تؤدي بالكيان الأردني إلى الضياع([22]).


أما على الصعيد الخارجي فإن الخطر الأكبر كانت تمثله إسرائيل وإطماعها في الأردن، وهو خطر ما زال قائماً ويمكن أن نلخصه بمحاولة إسرائيل تحويل الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين، إضافة إلى البيئة الإقليمية المعادية ولاسيما الأنظمة الثورية في كل من سوريا والعراق ومصر والتي وصلت إلى مرحلة دخول القوات السورية الأرضي الأردنية لإسقاط نظام الحكم.


هذه العوامل مجتمعة أدت إلى إجهاض التجربة الديمقراطية الأردنية الأولى، فتأمين بقاء الكيان السياسي والحيلولة دون انهياره وفرض سلطة وهيبة الدولة كان له الأولوية على الحرية والديمقراطية. وهكذا دفع الأردن ثمناً غالياً من أجل تأمين استقراره وأمنه، وصيانته من الأخطار والتحديات الداخلية والخارجية التي كانت تتربص به، وبالتالي توقفت المسيرة الديمقراطية إذ انه في ظل غياب الأمن والاستقرار، يصبح الحديث عن الحرية والديمقراطية أقرب إلى الترف الفكري، فالدولة هي التي تفرض القانون وتؤمن العدالة والحرية وتحمي حقوق الأفراد، وبغياب الأمن وفي ظل فقدان هيبة الدولة فإنه من المتعذر أن تنجح التجربة الديمقراطية عملاً بالمبدأ القائل No State, No Democracy.
هكذا أضطر الملك حسين إلى وقف المسيرة الديمقراطية مبكراً، ففي عام 1957 تم حل الأحزاب السياسية وحظر نشاطاتها، ثم تلا ذلك إعلان الأحكام العرفية، وبدأت مرحلة من التعديلات الدستورية حيث تم التخلص من العديد من النصوص الدستورية الضابطة لسلطة وصلاحيات الحكومة، حتى أصبحت السلطة التنفيذية تمارس سلطات مطلقة وصلت إلى حد الافتئات على السلطة التشريعية والتطاول على استقلال القضاء. ثم جاءت حرب 1967 حيث أصيبت التجربة الديمقراطية بنكسة كبيرة حيث تعذر إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال، فمددت ولاية المجلس النيابي حتى عام 1973، وفي عام 1974 تم تعديل الدستور الأردني بحيث فوض مجلس النواب الملك حسين حق تأجيل الانتخابات العامة إلى أجل غير مسمى، وبعدها جمدت الحياة النيابية وتوقفت المسيرة الديمقراطية كلياً حتى عام 1989م.
استئناف المسيرة الديمقراطية منذ عام 1989 حتى الوقت الحاضر

لم يأت قرار النظام السياسي الأردني عام 1989 باستئناف المسيرة الديمقراطية من فراغ، وإنما نتيجة عوامل داخلية في مقدمتها المقتضيات الدستورية بعد قرار الملك حسين فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية عام 1988، والأزمة الاقتصادية المتمثلة بارتفاع حجم المديونية الخارجية الذي تجاوز ستة مليارات وارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة نسب الفقر والبطالة الأمر الذي أدى إلى الاضطرابات التي شهدتها معظم مدن جنوب الأردن([23]). وكذلك المتغيرات الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وما شهدته الكثير من دول العالم الثالث من تحولات ديمقراطية كان لها انعكاساتها المباشرة على الساحة الأردنية، فالأردن جزء من الأسرة الدولية ويتأثر بما يحدث فيها([24]).


وهكذا جرت في الأردن أول انتخابات ديمقراطية في أواخر عام 1989، بعد أن توقفت الحياة النيابية أكثر من عقدين من الزمن، وتم خلال تلك الفترة إصدار الكثير من التشريعات القانونية الهادفة إلى تعزيز المسيرة الديمقراطية ومنها: إلغاء الأحكام العرفية، والسماح بتشكيل الأحزاب السياسية وإصدار قانون جديد للمطبوعات والنشر وإلغاء قانون مكافحة الشيوعية، ثم إصدار الميثاق الوطني، وأعلن الملك حسين في أكثر من مناسبة أنه لا رجعة عن الخيار الديمقراطي. وبدأ للكثير من المراقبين أن الأردن سوف يكون الدولة النموذج في المنطقة باعتماده النهج الديمقراطي كنظام حكم وأسلوب حياة، وسعيه لبناء دولة القانون والمؤسسات والتحول نحو المجتمع الحديث، وبالتالي علقت الكثير من الآمال على الأردن أن تكون الدولة التي سوف تهب منها رياح الديمقراطية والتغيير شمالاً وجنوباً وشرقاً.
غير أن هذه الآمال شرعت في التبخر تدريجياً، فحرب الخليج الثانية وما ترتب عليها من تبعات لاسيما بعد توقيع اتفاقية معاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية عام 1994، وتنامي دور جماعات الإسلامية السياسية المناوئة للسلام مع إسرائيل، والتي يشكك البعض منها ولاسيما جماعات التكفير بشرعية النظام السياسي الحاكم فضلاً عن عدم قناعتها بالديمقراطية كأسلوب في الحكم، علاوة على الظروف الاقتصادية الصعبة، كل ذلك دفع بالنظام السياسي الأردني إلى إبطاء عملية التحول الديمقراطي، وأحياناً التراجع عن المسار الديمقراطي وإلى حد ما تكرار تجربة الخمسينات وذلك بدواعي الحفاظ على الأمن والاستقرار([25]).
وفي عام 1999 تسلم الملك عبد الله الثاني بن الحسين السلطة وبدأ الخطاب السياسي أكثر ليبرالية وميلاً للانفتاح السياسي، فكثر الحديث عن الإصلاح والتغيير والشفافية والتنمية السياسية والعدالة واحترام حقوق الإنسان وغيرها من المفاهيم الديمقراطية. إلا أن هذه المسيرة بدأت بالانكفاء والتراجع فأقدمت الحكومة في آب 2001 على حل مجلس النواب دون مبرر، ثم جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، لتوجه ضربة أخرى إلى هذه التجربة الديمقراطية الناشئة، وأصبح الخطاب الأمني هو الأعلى صوتا والسلطة التنفيذية الأكثر نفوذاً أو هيمنة. وفي ظل الاحتلال الأمريكي للعراق واستمرار الصراع العربي الإسرائيلي، وفي ظل الحديث عن أن تغييرات سياسية في الأوضاع القائمة وربما في خريطة الشرق الأوسط قد تحدث، فإن النظام السياسي الأردني يجد نفسه أمام خيارات صعبة، فإبطاء المسيرة الديمقراطية يؤدي إلى مزيد من الاحتقان الداخلي ويضر بصورة الأردن وسمعته في الخارج، وفي الوقت نفسه فإن الانفراج الديمقراطي والانفتاح السياسي يؤديان أحياناً إلى زعزعة أمنه واستقراره.


وخلاصة الأمر أن مستقبل التجربة الديمقراطية في الأردن رهين بظروف إقليمية وخارجية واعتبارات أمنية أكثر منها ظروف محلية، إلا أن رغبات وتطلعات الشعب الأردني في حياة ديمقراطية رغبات قديمة ومتأصلة منذ نشأة الدولة الأردنية، وهي أيضاً منسجمة مع فلسفة الهاشميين في الحكم وميل النظام السياسي الأردني إلى الوسطية، والتسامح والاعتدال واحترام حقوق وكرامة الإنسان. وإذا كانت الأزمات والمصاعب التي مرّت بها الدولة الأردنية قد أدت في أغلب الأحيان إلى إبطاء أو تقليص سقف الديمقراطية فإن ذلك لا ينفي حقيقة ضرورة مشاركة الشعب في اتخاذ القرار، وإطلاعه على حقيقة الأوضاع ولاسيما في الأوقات العصيبة. فالانفتاح السياسي وتمتين الجبهة الداخلية وتعزيز الاستقرار السياسي يستلزم إجراء إصلاحات سياسية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية والتأكيد على حقوق وكرامة الإنسان, الأمر الذي يمكن النظام السياسي من مواجهة التحديات والعواصف السياسية، وهذا يستلزم إجراء تعديلات دستورية تعيد إلى الدستور توازنه المفقود وتؤكد سمو أحكامه فهو قمة الهرم في النظام القانوني الأردني، وهو الأساس الذي يرتد إليه في النهاية مبدأ المشروعية. وقد يكون ميلاد دستور جديد في الأردن هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح, وتعزيز الديمقراطية، ذلك أن الدستور الحالي يعيق هذه المسيرة وهذا ما ستلاحظه من خلال المحور التالي الذي يعالج أبرز الثغرات في الدستور أو التعديلات التي طرأت عليه والتي كان لها دور بارز في تهميش السلطة التشريعية, وبالتالي الإخلال بمبدأ الفصل والتوازن بين السلطات وكذلك إضعاف الأحزاب السياسية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني وتعزيز دور البنى التقليدية من قبلية وطائفية وانتشار الفساد واستمرار انتهاك حقوق الإنسان وتوسيع الفجوة بين الحاكم والمحكوم وغيرها من الممارسات التي أدت في النهاية إلى إبطاء المسيرة الديمقراطية وإعاقة التنمية بأبعادها السياسية الاقتصادية والاجتماعية.

ثالثاً: أبرز التعديلات على دستور 1952 وأثرها على المسيرة الديمقراطية والحريات السياسية في الأردن:
إن الدستور هو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم الحياة السياسية، وتبين كيفية ممارسة السيادة الشعبية وتحدد سلطة الحاكم وحدوده التي يلتزم ويتقيد بها، ويبين حقوق وحريات وواجبات الأفراد. والدساتير تأتي عادة ملبية لرغبات وتطلعات الشعوب التي تخضع لها، وبالتالي فلا غرابة أن تكون هذه الدساتير قابلة للتعديل والتغيير استجابة للظروف المتغيرة وحاجات الشعوب المتجددة، بحيث تلاحق النصوص تطور الحياة السياسية والاجتماعية، وبخلاف ذلك فإن النصوص القانونية تصبح حبراً على ورق وينفصل القانون عن الواقع بدلاً من أن تكون القاعدة القانونية مرآة تعكس الواقع وتطابقه وتحاول الكشف عن المستقبل. وعلاوة على ذلك لا بد أن تكون التعديلات منسجمة مع نصوص وروح الدستور، وبخلاف ذلك فإن الدستور يفقد معناه وقيمته.


وفيما يتعلق بالأردن، فإن دستور عام 1952 قد تعرض إلى عدد من التعديلات وصل مجموعها إلى 29 تعديل، ولم تكن هذه التعديلات منسجمة مع سنة التطور والتقدم في المجتمع الأردني، كما أنها لم تعبر عن واقع وتطلعات الشعب الأردني. لقد جاءت كافة التعديلات على الدستور نتيجة تنامي سلطة الدولة واختراقها لكافة بنى ومؤسسات المجتمع، وزيادة تدخلها في شؤون الأفراد، الأمر الذي أدى إلى تخلخل مبدأ الفصل والتوازن بين السلطة التنفيذية والتشريعية ومهدّ الطريق نحو الحكم الشمولي المغلف بطابع برلماني ديمقراطي. وقد جاءت جميع التعديلات باقتراح من السلطة التنفيذية وتمت الموافقة عليها جميعاً، فلم يسجل التاريخ الدستوري الأردني أن البرلمان الأردني باعتباره السلطة الأولى في رقابة دستورية القوانين رفض مشروع تعديل للدستور تقدمت به السلطة التنفيذية([26]) الأمر الذي يعكس هيمنة وتغول هذه السلطة وتراجع وضعف دور السلطة التشريعية،وبالتالي الإخلال بمبدأ الفصل والتوازن بين السلطات الذي يعتبر أحد ركائز النظام البرلماني الديمقراطي، وقد ترافق ضعف البرلمان مع ضعف وغياب أدوات الرقابة السياسية الأخرى مثل الأحزاب السياسية والنقابات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني إضافة إلى وسائل الإعلام وأخيراً ضعف دور الرقابة التشريعية([27]) الأمر الذي سهل على السلطة التنفيذية تعديل الدستور دون مواجهة أي عقبات حتى وإن كان التعديل فيه مساس كبير بحقوق وحريات الأفراد. وإذا كان المجال لا يتسع في هذا البحث إلى تناول كافة التعديلات التي طرأت على الدستور، فإننا سوف نكتفي بأبرز وأخطر هذه التعديلات وبيان أثرها على الحياة السياسية في الأردن:


1-المادة 34 فقرة 3 وجرى هذا التعديل بتاريخ 10-11-1974 وتنص المادة على ما يلي: للملك أن يحل مجلس الأعيان أو يعفى أحد أعضائه من العضوية([28]). إن مجلس الأعيان هو جزء من السلطة التشريعية، ويهدف إلى استقطاب أصحاب الكفاءة والخبرة من العقلاء الذين لا يستطيعون خوض المعركة الانتخابية أو لا يحققون نجاحاً فيها، وبالرغم من أن هذا المجلس لا يملك حق الاقتراع على الثقة بالوزارة أو أحد الوزراء، إلا أن هذا لا يمنع من أن يتمتع أعضاء مجلس الأعيان بنوع من الاستقلالية وهامش من الحرية يسمح برقابة السلطة التنفيذية، إلا أن هذا الحق قد سلب من الأعيان بموجب التعديل السابق، إذ أصبح من حق الحكومة عزل أي عضو يخالف توجهاتها أو ينتقد سياساتها حتى فقد هذا المجلس الضمانات التي تجعله جزءًا من السلطة التشريعية فاتسم أداؤه بالسلبية والتأييد المطلق لكل حكومة ، وبالعودة إلى دستور عام 1952 فإن هذه المادة لم تكن موجودة، وحول أثر هذا التعديل على سلوك أعضاء مجلس الأعيان، فعلى سبيل المثال، وافق جميع أعضاء مجلس الأعيان الأردني على معاهدة السلام الأردنية- الإسرائيلية عام 1994، إلا أنه عند مناقشة المعاهدة احتج دولة السيد أحمد عبيدات أحد أعضاء مجلس الأعيان على بعض بنود المعاهدة وبالرغم من تغيبه أثناء التصويت إلا أنه بعد هذا الموقف أقيل من المجلس([29]) وفي حادثة مشابهة فان الدكتور جواد العناني والذي كان الابن المدلل للنظام السياسي في العقود الماضية حيث تولى أعلى المناصب في الدولة الأردنية بدأ من الحقيبة الوزارية حتى رئاسة الديوان الملكي, قد انتقد أداء الحكومة في مقالة صحفية، ثم أجبر بعد ذلك على تقديم استقالته. وبالخلاصة فإن التعديل السابق أصبح أشبه بسيف مسلط على رقاب أعضاء مجلس الأعيان يمنعهم من رقابة أو انتقاد الحكومة لتجنب دفع الثمن بالإقالة، فأصبح عضو مجلس الأعيان لا يتمتع بأي نوع من الحصانة أو الضمانات القانونية التي تؤهله لأن يكن جزء من السلطة التشريعية في الوقت الذي تتوافر هذه الضمانات للعديد من الأشخاص الذين يشغلون الكثير من الوظائف في الدولة
2- المادة 57 وجرى تعديلها بتاريخ 4/5/1958 وتنص على ما يلي:
يؤلف المجلس العالي من رئيس مجلس الأعيان رئيساً ومن ثمانية أعضاء، ثلاثة منهم يعينهم مجلس الأعيان من أعضاءه بالاقتراع، وخمسة من قضاة أعلى محكمة نظامية بترتيب الأقدمية وعند الضرورة يكمل العدد من رؤساء المحاكم التي تليها بترتيب الأقدمية أيضاً([30]).
إن المجلس العالي يقوم بوظيفتين: تفسير الدستور وكذلك محاكمة الوزراء على ما ينسب إليهم من جرائم ناتجة عن تأديتهم لوظائفهم، وبالعوده إلى النص القديم قبل التعديل فإن المادة كانت تنص على تشكيل المجلس العالي من رئيس أعلى محكمة نظامية رئيساً ومن ثمانية أعضاء أربعة منهم من أعضاء مجلس الأعيان يعينهم المجلس بالاقتراع وأربعة من قضاة المحكمة المذكورة بترتيب الأقدمية وعند الضرورة يكمل العدد من رؤساء المحاكم التي تليها بترتيب الأقدمية أيضاً([31]).
وبالمقارنة بين النص القديم والنص الحالي يتضح أن الهدف هو استبدال رئاسة المجلس بحيث يتولاها رئيس مجلس الأعيان بدلاً من رئيس أعلى محكمة في البلاد، ولا شك أن هذا التعديل جعل هوية المجلس هوية سياسية وليست قضائية كما كانت سابقاً، ولا يخفى على أحد أن مثل هذا التغيير قد أضر باستقلال القضاء وبمبادئ الديمقراطية ذلك أن طبيعة محاكمة الوزراء ذات أبعاد قانونية متخصصة وبالتالي فإن رئاسة المجلس من قبل رئيس أعلى محكمة في البلاد أفضل بكثير من رئاسته من قبل شخصية سياسية. كما إن إبراز دور القضاء في محاكمة الوزراء هو مبدأ ديمقراطي يؤكد خضوع الوزراء وغيرهم لسلطة القضاء([32]).
أما فيما يتعلق بأثر هذا التعديل على قرارات المجلس، ففي المرة الوحيدة في تاريخ الأردن السياسي الحديث التي يتم فيها توجيه اتهام لوزير ويمثل أمام المجلس العالي كانت في عام 1992 على أثر أزمة المديونية وانخفاض قيمة الدينار الأردني حيث تم توجيه اتهام إساءة استخدام السلطة وتبديد المال العام لوزير الأشغال السابق محمود الحوامدة، وقد نظر المجلس في القضية وتم تبرئة الوزير وإغلاق الملف([33]). وفي ظل استمرار التطاول على المال العام وارتفاع حجم المديونية وانتشار الفساد دون أن يتم نبش ملف مسؤول أو تقديمه للقضاء فان الحديث عن دور المجلس في هذا الأمر لا جدوى منه لأن العبرة في التطبيق.
3- المادة 68 فقرة (1) وقد جرى تعديلها بتاريخ 16-2-1960 وتنص على ما يلي: مدة مجلس النواب أربع سنوات شمسية تبدأ من تاريخ إعلان نتائج الانتخاب العام في الجريدة الرسمية وللملك أن يمدد مدة المجلس بإرادة ملكية إلى مدة لا تقل عن سنة واحدة ولا تزيد عن سنتين([34]).
إن التعديل الذي جرى على هذه المادة يتمثل بإعطاء الملك صلاحية تمديد مجلس النواب لمدة تصل في أقصاها إلى سنتين دون ربط أو تقييد هذه الصلاحية أمراً مثيراً للغرابة خصوصاً أن الملك يمارس هذا الحق من خلال الوزارة بصورة مطلقة فهو غير ملزم بتبرير التمديد.
إن التمديد من شأنه إضعاف دور مجلس النواب الذي سوف يستمرئ التمديد له والتمتع بالمزايا والامتيازات مما يضعف دوره في الرقابة على السلطة التنفيذية. وأخيراً فان التمديد يتنافى والقيم والمبادئ الديمقراطية التي تؤكد إجراء انتخابات ديمقراطية بصورة دورية منتظمة Regular Elections وذلك بالعودة إلى المواطنين وإشراكهم في اختيار ممثليهم واحترام رغبتهم وإرادتهم.
4- المادة 73 فقرة 4 وجرى تعديلها بتاريخ 10-11-1974 وتنص على ما يلي:
بالرغم من ما ورد في الفقرتين (1، 2) من هذه المادة للملك أن يؤجل إجراء الانتخاب العام إذا كانت هناك ظروف قاهرة يرى معها مجلس الوزراء إن إجراء الانتخاب أمر متعذر([35]). يعتبر هذا التعديل من أخطر التعديلات التي جرت على الدستور الأردني حيث انه بمقتضى هذا التعديل فإنه يمكن تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، مما يعني تعطيل الحياة النيابية واستمرار السلطة التنفيذية في إدارة شؤون البلاد دون حسيب أو رقيب([36]), الأمر الذي من شأنه الإخلال بأسس ومرتكزات النظام النيابي البرلماني الذي يشترط برلماناً منتخباً يمثل الشعب. إن التعديل السابق يعطي الحكومة الحق في تغييب الحياة النيابية والبقاء في السلطة لتتصرف بسلطان مطلق دون رقابة نواب الشعب الذي هو مصدر السلطات وفقاً للدستور الأردني أو أي دستور ديمقراطي.
إن هذا الحق في تأجيل إجراء الانتخابات كان مبررًا في الماضي في ضوء احتلال الضفة الغربية عندما كانت جزءًا من المملكة الأردنية الهاشمية وكان من المتعذر إجراء الانتخاب في ظل الاحتلال، ولا يوجد مبرر قانوني أو سياسي لعدم إجراء الانتخابات في الضفة الشرقية، وقد استغلت الحكومات هذا النص حتى بعد قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية فعلى سبيل المثال قامت الحكومة بحل مجلس النواب الأردني الثالث عشر (1997 - 2001) قبل انتهاء مدته الدستورية، وتم تأجيل الانتخابات لمدة تزيد عن سنتين، وهذا في المرحة التي تطلق عليها العهد الديمقراطي.
وخلاصة القول إن ترك السلطة التنفيذية تقرر إجراء الانتخاب أمر متعذر بالتالي تعطيل الحياة النيابية يجعل الحديث عن نظام برلماني ديمقراطي مجرد كلام نظري لا قيمة له على أرض الواقع أو على صعيد التطبيق والممارسة.
5- تأتي المادة 94 لتدل دلالة قاطعة على أنه يمكن تغييب السلطة التشريعية تماماً، وتحل محلها السلطة التنفيذية التي يصبح بمقدورها أن تشرع القوانين وتعمل على تنفيذها بآن واحد، وهكذا تصبح سلطة تشريعية وتنفيذية معاً.
وبالعودة إلى النص القديم قبل التعديل فان الظروف التي يسمح بموجبها للسلطة التنفيذية إصدار قوانين مؤقتة كانت واضحة ومحددة، وتتمثل فيما يلي:
أ‌. الكوارث العامة.
ب‌. حالة الحرب والطوارئ.
جـ. الحاجة إلى نفقات مستعجلة لا تحتمل التأجيل([37]).
أما النص الحالي فقد جعلها الأمور التي تستوجب اتخاذ تدابير ضرورية، وهذه عبارة غامضة وقابلة لتفسيرات متعددة، فما تراه الحكومة ضروري قد لا يراه الشعب ضروري، وبالرغم من أن هذه الصلاحية للسلطة التنفيذية مقيدة بشروط منها الزمن بحيث لا يجوز إصدارها في أوقات انعقاد البرلمان، وأن لا تخالف أحكام الدستور بصفته رأس القوانين في الدولة، وأن تعرض على مجلس الأمة في أول اجتماع يعقد، إلا أن هذه الشروط لم تقيد السلطة التنفيذية وتمنعها من التوسع في إصدار القوانين المؤقتة، حتى إن السلطة التنفيذية اتخذت صلاحيتها في حل المجلس وسيلة لإصدار القوانين المؤقتة فعلي سبيل المثال عندما قامت الحكومة بحل مجلس النواب الثالث عشر فقد قامت بإصدار (217) قانون مؤقت كل ذلك تحت ذريعة الضرورة غير الموجودة واقعياً ودستورياً، وعلى نحو غير مسبوق في تاريخ الحكومات الأردنية حتى في مرحلة ما قبل الديمقراطية، وكان الأردن لم يكن فيه قوانين قبل تلك الحكومة([38]). ولعل من المستغرب أن من بين القوانين المؤقتة التي أصدرتها الحكومة قانون الانتخاب وقانون المطبوعات والنشر وقانون الأحزاب السياسية. ويشير كثير من فقهاء القانون الدستوري إلى أن القوانين الثلاثة السابقة غير دستورية، وكان من آثار هذه القوانين أن أصبح مجلس الأمة ضعيف التأثير والفاعلية التشريعية في الحياة السياسية في البلاد. وما زالت السلطة التنفيذية تتجاهل السلطة التشريعية في إصدارها للقوانين المؤقتة وفي كثير من القرارات والتصرفات وكأن شيئاً لم يحدث منذ عام 1989 وحتى اليـوم
وفي ضوء ما سبق فانه يمكن القول إن النصوص الدستورية الأصلية لدستور 1952 تمثل نصوصاً ديمقراطية، وان جميع التعديلات التي تمت تمثل تراجعاً عن الديمقراطية، ليتلاءم و الحكم الشمولي الذي ساد في المنطقة العربية في أواسط القرن الماضي ولتحقيق الأمن والاستقرار للكيان السياسي في مرحلة الحرب العربية البارده والتي كان التآمر والاتهامات والاغتيالات والفوضى والعنف أبرز عناوينها. وهكذا أضرت التعديلات السابقة بالمسيرة الديمقراطية وجعلت من الأرض الموعودة أرضاً يبابا وأصبحت الديمقراطية في الأردن شكلية ومجرد أضواء خادعة ووعود كاذبة، فقد تراجعت المسيرة الديمقراطية، واستمرت الأساليب القديمة في إدارة شؤون الدولة، فانتشر الفساد، وغابت العدالة والمساواة. في كثير من القرارات الرسمية، فأصيب المواطنون بالإحباط والظلم ولاسيما فئات الشباب التي ترفض هذا الواقع وتسعى إلى تغييره بوسائل شتى. وعليه فإن الدعوة نحو دستور جديد يحقق العدالة والحرية والرفاهية والوحدة يجب أن تتصدر قائمة الأهداف والغايات والمقاصد التي يتولى بثها ونشرها المؤمنون بالإصلاح السياسي والديمقراطية وكرامة الإنسان ومستقبل الأمة.

رابعاً: خلاصة واستنتاجات:
إن المتتبع لأعرق الديمقراطيات في العالم وأكثرها استقراراً، يجد أن النظام البرلماني وليس الرئاسي هو الأكثر قوةً وشيوعاً في العالم الحديث، ومعظم الأنظمة الديمقراطية سواء أكانت رئاسية أم برلمانية لديها دساتير مكتوبة تلعب دوراً بارزاً في إرساء قواعد ومؤسسات وممارسات ديمقراطية تتسم بالاستقرار والاستمرارية، فالدستور يحقق للنظام السياسي جملة من المكاسب لعل أهمها([39]):
1. الاستقرار: Stability: فالدستور يضع القواعد العامة لنظام الحكم وعادة ما يشتمل ولا سيما في الأنظمة الديمقراطية على انتخاب القادة السياسيين وفق انتخابات حرة نزيهة، وحماية الحريات السياسية وكافة حقوق المواطنة مما يؤدي إلى الرضى الشعبي وتحقيق الشرعية وبالتالي الاستقرار السياسي.
2. حماية الحقوق الأساسية: Rights Protection of Fundamental: فالدستور يشتمل على حقوق الأفراد وحرياتهم المدنية والسياسية وكذلك حقوق الأقلية والأغلبية ويضمن عدم طغيان فئة على الأخرى.
3. الحكم الفعال: Effective Governance : بحيث تعمل الحكومة على الاستجابة لرغبات الشعب والتصدي لهمومه ومشاكله ولاسيما الأوقات الصعبة منها.
4. الشفافية: Transparency: وهذا يعني أن كافة قرارات وسياسات الحكومة شفافة وواضحة ويمكن للعامة الإطلاع عليها ومراقبتها.
5. المحاسبة: Accountability: فالدستور يمكن المواطنين من مساءلة ومحاسبة القادة السياسيين على قراراتهم وسياساتهم.
6. الشرعية: Legitimacy: عندما تطبق كافة المعايير السابقة فإن الدستور يضفي الشرعية على نظام الحكم ويجعله بمنزلة عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم ويلتزم الطرفان ببنوده وأحكامه.
إن المزايا السابقة التي يوفرها الدستور تجعل منه عنصراً ملائماًFavorable Condition ً لاستقرار وازدهار الحياة الديمقراطية، ومما لا شك فيه أن احترام نصوص وقواعد الدستور أو ما يسمى بمبدأ سمو الدستور هو مؤشر هام على ديمقراطية وشرعية النظام.
وإتماماً للقول فيما يتعلق بالدساتير الأردنية وتطلعات الشعب الأردني بالحرية، وحسابات النظام السياسي في الأمن والاستقرار، وخلوصاً إلى غاية هذا البحث، يتعين التوجيه إلى أن كافة الدساتير قد صدرت بطرق غير ديمقراطية سواء بطريقة المنحة أو العقد الأمر الذي يستدعي إصدار دستور جديد بالوسائل الديمقراطية والمتمثلة بإصدار دستور عن طريق الاستفتاء الشعبي أو عن طريق لجنة منتخبة من الشعب تضم فقهاء القانون الدستوري وقادة حزبيين وسياسيين وممثلين لكافة مؤسسات المجتمع المدني، ومسؤولين حكوميين من أجل صياغة دستور عصري يلائم المجتمع الأردني ويتم الاستفادة من تجارب الأمم والشعوب الأخرى التي سبقتنا في هذا المضمار.
لقد أشار الميثاق الوطني الأردني الصادر عام 1991 إلى ضرورة إجراء تعديلات دستورية ولاسيما أن السياسات التي انتهجتها معظم الحكومات قد أدت إلى وجود أزمة في العلاقة بين مؤسسة الحكم والشعب الأردني([40])، وإذا كان الشعب الأردني قد انتظر ما يزيد عن 15 عاماً منذ صدور الميثاق نحو إجراء مثل تلك التعديلات، فإن الوقت قد حان لإجراء مثل هذه التعديلات أو نحو ميلاد دستوري جديد في البلاد. فليس من الطبيعي ونحن في أوائل القرن الحادي والعشرين أن نظل متمترسين وراء منظومات قانونية وبنى اجتماعية تعود إلى أواسط القرن الماضي، وكان من ثمارها انتشار الفساد والاستبداد والفقر والعوز وغياب العدالة وتوسيع الفجوة بين النظام السياسي والشعب الأردني.
ومن الحق القول انه لا يمكن سحق الماضي، بل لا بد من دراسته واستيعابه وتعلم الدروس والعبر منه، وعليه فإن أمن واستقرار الوطن وقيادة السفينة إلى بر الأمان في بحر متلاطم الأمواج يبقى أولى الأولويات، وأن أي دستور أو عقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم يجب ألا يؤدي بأي شكل من الأشكال إلى زعزعة الأمن والاستقرار أو تهميش سلطة الدولة أو الحد من وظيفتها في تحقيق الخير العام للمواطنين والمجتمع وفق مبادئ الحرية والعدالة والمساواة.
وأخيراً، فإن تبني دستور جديد يتطلب دائماً إعادة النظر في العديد من القوانين والتشريعات التي تعيق المسيرة الديمقراطية وتحد من الحريات العامة ولعل في مقدمة هذه القوانين والتشريعات قانون الانتخاب، إذ لا بد من تبني قانون انتخاب عصري جديد يعكس واقع المجتمع الأردني، ويفرز نواباً أقوياء قادرين على تمثيل الشعب الأردني تمثيلاً حقيقياً، فيعملون على سن تشريعات تعزز النهج الديمقراطي في البلاد، وكذلك ممارسة صلاحياتهم الدستورية في مراقبة ومحاسبة السلطات التنفيذية. وكذلك لا بد من سن قانون جديد للأحزاب السياسية يؤدي إلى إرساء قواعد التعددية السياسية وتفعيل التجربة الحزبية وإعادة الثقة إلى الأحزاب السياسية التي تعاني من الضعف والشرذمة. ولا بد من إصلاح القضاء وتأكيد استقلاله ونزاهته وأخيراً إعادة النظر في السياسة الإعلامية بحيث تتمتع الصحافة والإعلام بالحرية المسؤولة التي تمكنها من القيام بدورها الوطني المنوط بها. ولا شك فإن مستقبل التجربة الديمقراطية في الأردن يتوقف إلى حد كبير على معالجة هذه القضايا في ظل دستور جديد يؤكد قيم العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان من أجل حياة أفضل وأكثر يسراً وعدالة، نأمل ذلك.
ولا شك أن مثل هذا التوجه سوف يعمل على تمتين الجبهة الداخلية في مواجهة المخاطر والأزمات التي تعترض مسيرة الأردن، كما أنه سوف يعزز دور الأردن على الصعيدين الإقليمي والدولي.

المصادر والمراجع
* المراجع العربية
الكسواني، سالم، 1982، مبادئ القانون الدستوري مع دراسة تحليلية للنظام السياسي الأردني، عمان، مكتبة الكسواني.
الخطيب، نعمان، 2004، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري، عمان، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع.
الجمل، يحيى، 1969، الأنظمة السياسية المعاصرة، بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر.
هلال، على الدين، 1984، الأمن القومي العربي: دراسة في الأصول، شؤون عربية، عدد(35)، لبنان.
ريان، محمد،رجاني، 2005، الأحزاب السياسية في سوريا ودورها في الحركة الوطنية: 1920-1929، اربد الكندي للنشر والتوزيع.
الحسين، الأمير عبد الله، 1982، حقيقة من تاريخ الأردن، بيروت: الدار المتحدة للنشر.
الحياري، عادل، 1972، القانون الدستوري والنظام الدستوري الأردني: دراسة مقارنة، عمان، مكتبة دار الثقافة.
الماضي، منيب، موسى، سليمان، 1988، تاريخ الأردن في القرن العشرين، 1900-1999، عمان، مكتبة المحتسب،
دستور الملكة الأردنية الهاشمية، عام 1952.
يعقوب، محمد حسين، 2004، الفصل والتوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في النظامين السياسيين الأردني واللبناني، اربد، مؤسسة حماده للدراسات والنشر والتوزيع.
العدوان، مصطفى، 2004، الوظيفة الرقابية في النظام السياسي الأردني، الواقع والتطلعات في ظل التحول الديمقراطي، عمان.
عكور، عبد الكريم محمد، 2004، العوامل المؤثرة على الوظيفة الرقابية لمجلس النواب الأردني، اربد.
الموسى، سليمان، 1996، تاريخ الأردن في القرن العشرين، 1958-1995، عمان: منشورات مكتبة المحتسب.
الميثاق الوطني الأردني، 1990، عمان: مديرية المطابع العسكرية.

البطاينة، فيصل، 2000 ، فرسان الديمقراطية في الأردن، عمان.

المراجع الأجنبية
Price, H.J (1970). Coppartive Government: Four Modern Constitutions, Hutchinson Educational Ltd, London.

Book,M.B.G.(1965). American National Security, Free press, New York.

Salibi, Kamal. (1993). History of Jordan, Touris & co. ltd. ,London.
Lunt, James. (1989). Hussein of Jordan: A political Biography, Macmilan. London.
Huntington, Samuel. (1991). The Third Wave: Democratization in the late Twentieth Century, University of Ok lahoma press, Norman.
Dahl, Robert. (1998). On Democracy, New Haven.



________________________________________
* في الأصل ورقة قدمت إلى:" مؤتمر حقوق الإنسان في الأنظمة الدستورية:الواقع والمأمول" والدي نظمه مركز دراسات بحوث حقوق الإنسان في جامعة أسيوط في الفترة من 4-116/3/2006.
([1])د.سالم الكسواني، مبادئ القانون الدستوري مع دراسة تحليلية للنظام السياسي الأردني (عمان:مكتبة الكسواني، 1983)، ص 15.
([2]) H. J. Price, Copparative Government: Four Modern Constitutions (London: Hutchinson Educational Ltd. 1970), p 44.
([3]) الكسواني، مرجع سابق، ص 29.
([4])د.نعمان الخطيب، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري. (عمان: مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع)، 2004، ص 446.
([5])د.يحي الجمل، الأنظمة السياسية المعاصرة، (بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر،1969(، ص 127-129.
([6]) M. Berkowitzed G. Book. American National Security, (New York: Free Press,1965), p x..
([7])علي الدين هلال، "الأمن القومي العربي: دراسة في الأصول"، شئون عربية، العدد 35، لبنان، 1984، ص 11.
([8]) Kamal Salibi, History of Jordan,( London: IB. Touris and Co. Ltd. 1993), p88.
([9])د.محمد رجائي ريان، الأحزاب السياسية في سوريا ودورها في الحركة الوطنية، 1920-1939، (اربد: دار الكندي للنشر والتوزيع، 2005)، ص 25.
([10]) الأمير عبد الله بن الحسين، حقبة من تاريخ الأردن،( بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1983)، ص
177-178.
([11])الكسواني، مرجع سابق، ص 165، 166.
([12])د.عادل الحياري، القانون الدستوري والنظام الدستوري الأردني، دراسة مقارنة، (عمان: مكتبة دار الثقافة، 1972م)، ص 519-532.
([13])منيب الماضي و الموسى، تاريخ الأردن في القرن العشرين، 1900-1959، (عمان: مكتبة المحتسب، 1988) ص 212-214.
([14])فيصل البطاينة، فرسان الديمقراطية في الأردن، (عمان، 2000)، ص 17.
([15]) لعل من المفارقات أن أول مجلس تشريعي أردني في العشرينات من القرن الماضي قد عقد عشرات الجلسات التي استمرت حوالي شهرين لمناقشة الاتفاقية البريطانية وأشبعها نقد وتمحيص وتدقيق أما مجلس النواب الأردني الثاني عشر فقد استغرقت يومين في مناقشة اتفاقية الصلح مع إسرائيل، وكان ذلك في جلستين فقط.
([16])الماضي، مرجع سابق، ص 328.
([17])الكسواني، مرجع سابق، ص 189.
([18])الحياري، مرجع سابق، ص 573-574.
([19]) دستور المملكة الأردنية الهاشمية، عام 1952، المادة 15.
([20]) دستور المملكة الأردنية الهاشمية، عام 1952، المواد من 5-23.
([21]) James Lunt, Hussein of Jordan: A Political Biography( London: Macmilan, 1989), pp 36-43.
([22])Salibi, Ibid., pp. 196-221.
([23]) كان الملك حسين أثناء حدوث هذه الاضطرابات في زيارة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية ، فقطع زيارته وعاد إلى البلاد ورأى امتصاص الغضب الشعبي بالتحول نحو الديمقراطية وذلك بإشراك المواطنين في اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم.
([24]) بدأت مسيرة التحول الديمقراطي في جنوب غرب أوروبا ثم امتدت إلى أفريقيا وأسيا ودول الاتحاد السوفيتي ضمن ما يسميها أستاذ العلوم السياسية الشهير صموئيل هنتنجتون الموجه الديمقراطية الثالثة، انظر مثلاً:
Samuel Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century,( Norman: University of Oklahoma Press, 1991).
([25]) لعل من أبرز مظاهر هذا التراجع خلال تلك الفترة عدم إكمال أي من المجالس النيابية المنتخبة دورته وكذلك ضعف الأحزاب السياسية والعزوف عنها واستمرار السلطة التنفيذية في التجاوز على السلطتين التشريعية والقضائية في كثير من القرارات والسياسات.
([26])د.محمد حسين يعقوب، الفصل والتوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في النظامين السياسيين الأردني واللبناني،( اربد: مؤسسة حمادة للدراسات الجامعية والنشر والتوزيع، 2004)، ص 182.
([27]) لمزيد من المعلومات حول دور الرقابة السياسية في الأردن انظر مثلاً د. مصطفى العدوان، الوظيفة الرقابية في النظام السياسي الأردني، الواقع والتطلعات في ظل التحول الديمقراطي،( عمان، 2004)، وكذلك محمد عبد الكريم عكور، العوامل المؤثرة على الوظيفة الرقابية لمجلس النواب الأردني،( اربد: 2002).
([28]) دستور المملكة الأردنية الهاشمية، المادة، 34، فقرة 4.
([29]) يعقوب، مرجع سابق، ص 2001.
([30]) دستور المملكة الأردنية الهاشمية لعام ،1952 ،المادة، 57.
([31])الكسوني، مرجع سابق، ص 205.
([32]) المرجع السابق، ص 205-206.
([33])سليمان الموسى، تاريخ الأردن في القرن العشرين، 195-1995،(عمان: منشورات مكتبة المحتسب، 1996)، ص 515.
([34]) دستور المملكة الأردنية الهاشمية عام 1952، المادة، 68، فقرة (1).
([35]) دستور المملكة الأردنية الهاشمية، عام 1952، المادة، 73، فقرة 4.
([36]) يعقوب، مرجع سابق، ص 230.
([37])الحياري، مرجع سابق، ص 663.
([38])بلغ مجموع القوانين المؤقتة التي أصدرتها السلطة التنفيذية بين عامي 1967و 1989 (166) قانوناً.
([39]) Robert A. Dahl. On Democracy,( New Haven, 1998), P. 124-125 .
([40]) الميثاق الوطني الأردني،(عمان: مديرية المطابع العسكرية، 1990
)
 

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net